الفصل 917
الفصل 917: الألسنة السوداء
انطلق سهم أسود بصمت عبر ظلام ليلة عديمة القمر، ثم اختفى في الثلج الأبيض بلا أثر، ثم سهم آخر، حاول ساني إطلاق أكبر عدد ممكن من السهام قبل أن يصل السرب
في النهاية، تمكن من شد القوس 14 مرة
وبما أنه كان يعلم أنه سيضطر، وبأمل أن يجد الوقت، لإنقاذ سامي، فقد اختار أن يرتدي عباءة العالم السفلي في المعركة القادمة، كانت أمنية الاحتضار قد اندمجت بها بالفعل، لكن ساني لم يسكب جوهره في التميمة المتعالية بعد، لأنه لم يشأ أن يلفت الانتباه إليه
في الوقت الحالي، لم يكن سوى هيئة سوداء على خلفية الليل الداكنة، يكاد لا يُلاحظ لولا الوهج الشاحب للشفق القرمزي الذي كان يلتف في الأعلى، يلتهم السماء بضوئه الشبحِي
سرعان ما هبط السرب إلى الوادي
كانت المخلوقات الكابوسية بهيمية الشكل، بفراء متسخ وأجساد هزيلة نحيلة تتفجر بقوة محمومة، كانت خطومها طويلة وضيقة، تكشف عن أفواه جائعة بألسنة سوداء وأنياب لا تُحصى، كلها حادة بما يكفي لقطع المعدن
كان الرجس الساقطة أشد شراسة على نحو خاص، أجسادها النحيلة كانت ضعفي حجم الكابوس، وكانت نتوءات عظمية دامية تبرز من الفراء المتقطع، كأنها دروع كئيبة
كانت ذيولها تشبه أفاعي تتلوى، وكانت ألسنتها السوداء الطويلة تقطر لعابًا سامًا
لم يكن ساني قد صادف هذا النوع من الرجس من قبل
بعد شهرين من حملة القارة القطبية الجنوبية، كان الجيش الأول قد تعلم بعض الأمور عن سلسلة الكوابيس، ورغم كل الاحتياطات، فقد جُر كثير من المستيقظين إلى عالم الأحلام بسبب النداء… معظمهم لم يعد أبدًا، لكن اثنين أو ثلاثة تمكنوا من العثور على البذرة والنجاة من اختبارها، وبذلك صاروا سادة
وقد عادوا جميعًا بالقصة نفسها، كان هناك إقليم مجهول سابقًا في عالم الأحلام، بدت فيه بذور كابوسية لا تُحصى وكأنها تزهر، فتدفع أعدادًا هائلة من المخلوقات الكابوسية إلى جنون محموم، كان صحراء واسعة مغطاة بأنقاض غريبة، وفي الأفق كانت تظهر أحيانًا هرم أسود عملاق، كأنه سراب مرعب
وبما أن معظم البوابات جاءت من تلك الأرض الملعونة نفسها، فلم يكن غريبًا أن تكون المخلوقات الكابوسية التي تصل إلى عالم اليقظة عبرها متشابهة في الغالب، كان جيش الإجلاء الأول قد قاتل القبائل نفسها من الرجس مرات عديدة، فعديمو الأعين، على سبيل المثال، كانوا منظرًا مألوفًا في أنحاء القارة القطبية الجنوبية، لذلك طوّر البشر أساليب للتعامل معهم
…لكن هذه الألسنة السوداء كانت جديدة، لم يرها ساني قط، ولم يسمع عنها من قبل
‘انزلوا أيها الأوغاد’
خفض ساني قوس حرب مورغان، ثم قرفص واختفى في حضن الظلال، محاطًا بها كان شبه غير مرئي… وهذا كان جيدًا، لأنه لم يرد أن تلاحظه الرجس بعد
وبأمره، كان أفراد المجموعة يختبئون أيضًا، وحتى لو كان ذلك يعني التخلي عن فرصة قصف المخلوقات الكابوسية بهجمات بعيدة المدى أثناء اقترابها، فقد أمرهم ساني بالانتظار حتى يعطي الإشارة
مرت ثوان ببطء مؤلم، عوت الريح بين الجبال، حاملة معها رائحة نتنة من الدم والعفن، وهو يلعن بصمت، شد ساني أسنانه
في مكان ما غير بعيد، لا بد أن سامي والكابوس كانا قد اشتبكا بالفعل مع السرب الثاني، توقع ساني أن يسمع سلسلة من العواء الغاضب، لكن لدهشته وقلقه، لم يسمع سوى الريح
كانت ثلاثة من ظلاله معه، ملتفة حول القوس، أما الظل الرابع فكان مع القافلة، لذلك لم يستطع ساني أن يرى ما الذي يحدث خلف منحدر الجبل
كان نقص المعلومات يدفعه إلى الجنون، وكانت عضلاته تؤلمه، تتوسل إليه أن ينفجر حركة
لكن، ملتزمًا بالخطة، أجبر نفسه على البقاء ساكنًا
كان ساني بحاجة لأن يهبط سرب الألسنة السوداء كله إلى الوادي قبل أن يطلق هجومه
“أسرعوا أيها الأشقياء، لا يمكن أنكم لم تروا القافلة أو تسمعوا بها أو تشموها، ألستم جائعين لبعض لحم البشر اللذيذ؟!”
بعد دقيقة أو نحو ذلك، وصل آخر الرجس أخيرًا إلى سطح الوادي المستوي، تدفقت كتلة الأجساد البهيمية جنوبًا، قاصدة عبور البحيرة المتجمدة، كانوا يتحركون بوضوح لهدف محدد، مدركين أن فريسة قريبة تنتظر
‘أقرب مما تظنون…’
انتظر ساني حتى وصل السرب إلى منتصف البحيرة، ثم بدأ أخيرًا يتحرك
مركزًا ذهنه، سكب جوهره في قوس حرب مورغان، لكنه لم يشد الوتر مرة أخرى…
بدلًا من ذلك، فعّل تعويذة [عبء السلام]، مما جعل السهام الأربعة عشر التي كان قد أطلقها سابقًا تصبح ثقيلة على نحو لا يُحتمل
لم تكن المحافظة على هذا العدد من السهام والتحكم بها في الوقت نفسه مهمة سهلة، حتى بالنسبة له، كان على ساني أن يختبر حدود سيطرته على جوهره وتركيزه ليصل إلى ما يريده، شعر كأنه سيسعل دمًا ويغيب عن الوعي قريبًا…
لكن في النهاية، اجتاز ساني ذلك الاختبار
كان كل سهم قد غاص في نقطة ضعيفة من طبقة الجليد التي تغطي البحيرة، وقد عثر عليها بمساعدة كيم، والآن بعدما صار كل واحد من تلك السهام الأربعة عشر يضغط فجأة على الجليد بوزن ساحق…
بدأ الجليد يتشقق
ببطء في البداية، ثم أسرع فأسرع، انتشرت شبكة من الشقوق تحت الثلج، كأن لوحًا زجاجيًا هائلًا يتحطم، وغمر دوي تحطم الجليد، الذي لا يوصف جماله، عواء الريح للحظات، فتوتّرت المخلوقات الكابوسية
لكن كان الأوان قد فات
قبل أن يستطيعوا فعل أي شيء، انكسر سطح البحيرة تحت أقدامهم، وقذف مئات من الرجس إلى ماء متجمد قارس، في لحظة واحدة، لم تعد المساحة الواسعة من الثلج النقي كما كانت، واستُبدلت بمشهد من الفوضى الكاملة، كانت قطع ضخمة من الجليد تنهار وتنقلب بينما تسقط أعداد لا تُحصى من المخلوقات الكابوسية في الماء الأسود تمامًا، البارد على نحو لا يُطاق في الأسفل
حاولوا الصعود من جديد إلى أي شيء صلب، لكن لم يعد هناك ما يحمل أوزانهم، كان السرب كله يُبتلع داخل البحيرة
…وبالطبع، الماء البارد لن يقتل مخلوقًا كابوسيًا، ولن يغرقوا أيضًا، وإذا اضطروا، فستسبح الرجس إلى الشاطئ أو تمشي ببساطة في قاع البحيرة حتى تصل إلى السطح من جديد، ثم تشق الجليد من الجهة الأخرى، بالنسبة لوحوش كهذه، فإن رميها في بحيرة متجمدة ليس إلا عائقًا بسيطًا في أفضل الأحوال
أطلق ساني هديرًا منخفضًا، ثم نهض وشد قوس حرب مورغان مرة أخرى، هذه المرة ظهر نوع مختلف من السهام على وتره…
سهم غريب بدا كأنه صاعقة برق محبوسة داخل قفص
لف ساني ثلاثة ظلال حول [ضربة الرعد]، ولم يكلف نفسه حتى عناء التصويب، بل أطلق الوتر ببساطة، مرسلًا السهم المرتقي إلى وسط البحيرة
في اللحظة التي لامست فيها صاعقة البرق الهائجة سطح الماء…
ومض ضوء أعمى، وفقد ساني بصره للحظات
قبل أن يستعيد نظره، تحدث صوت تعويذة الكابوس في أذنه كأنه جوقة
[لقد قتلت …]
[لقد قتلت …]
[لقد قتلت …]
[لقد حصلت على ذكرى…]
[لقد حصلت على ذكرى…]
[لقد قتلت …]
[لقد قتلت …]

تعليقات الفصل