الفصل 271 : صدمة، الإمبراطور باع نفسه، وُلد في الوارب
الفصل 271: صدمة، الإمبراطور باع نفسه، وُلد في الوارب
ميناء بوابة الأسد الفضائي
حوض بناء السفن
في مجال النظر
رست سفينة حج ببطء، وكان طلاءها الأبيض العاجي يمنحها ملمسًا رقيقًا يشبه الرخام
وكان جانب الهيكل مزينًا بتماثيل السامين الأحياء ورموز رونية، وكلها باللون الذهبي الباهر
وكانت سفينة الحج كلها تلمع تحت ضوء الشمس، وتفوح منها هيبة ساحقة وقداسة مهيبة
وكانت بارزة بوضوح بين بقية سفن الحج في منطقة الرسو
“أليست تلك هي “التقي”؟”
“هؤلاء الموجودون في مطار برج النجم أنجزوا العمل بإتقان كبير، بل تجاوزوا التوقعات…”
تعرف رون إلى هوية سفينة الحج من نظرة واحدة
وكان السبب أن السفينة استخدمت تقنية طلاء من العصر الذهبي كانت منطقته قد أعادت إنتاجها من بناء القالب القياسي
وحتى لو استعملت هذه السفينة بعض الطلاء الرخيص، فإن المظهر الذي قدمته بدا راقيًا جدًا
وبعد ذلك لاحظ تغييرات أكثر
“يا للعجب، لقد وضعوا حتى تمثالًا للمنقذ على الهيكل، وفي الموضع الأوسط أيضًا…”
في الحقيقة، كانت نية رون الأصلية فقط أن يطلب من المطار إصلاح “التقي” ببساطة
فعندما وصلت “التقي” إلى مطار برج النجم، كان في هيكلها بعض الأضرار الطفيفة
ولذلك ذكر الأمر عرضًا فقط
ورغم أن نية المنقذ كانت طيبة، فإن المرؤوسين نفذوا الأمر بحماسة زائدة
فقد هرع رئيس وكالة المطار على عجل حين سمع أن المنقذ نفسه يهتم بسفينة الحج “التقي”
وأشرف بنفسه في الموقع، ساعيًا بكل جهده إلى تنفيذ إرادة المنقذ بأمانة كاملة
وكان عمال الإصلاح كذلك في غاية النشاط والحماس، فلم يقتصر الأمر على إصلاح المناطق المتضررة بسرعة، بل جددوا بعض الأجزاء أيضًا
كما طَلَوا الهيكل كله بطلاء جديد
لكن رئيس المطار، بعد أن رآه، شعر أنه لا يعبر عن الولاء بما يكفي، فكيف لا يكون على جسم السفينة صورة مكرمة للمنقذ العظيم؟
كان هذا خطأ
ثم استدعى الرئيس الحرفيين مرة أخرى
وأمرهم بأن يضعوا في مركز مجموعة التماثيل شمسًا ذهبية أكبر وأكثر بروزًا، وصورة مكرمة للمنقذ تفوق بقية التماثيل وضوحًا
وفي هذه اللحظة، نظر رون إلى تمثاله على “التقي” وصمت
وبدا له أن فعل هذا ليس سيئًا
لكن سيتعين وضع لوائح أكثر تفصيلًا في المستقبل لتقييدهم، حتى لا يبالغوا في التنفيذ
وكان لديه سبب وجيه ليشك في أنه لولا وجود اللوائح ذات الصلة، لكان أولئك الموجودون في المطار قد استبدلوا المحرك أيضًا
وربما كانوا سيركبون أحدث طراز، محرك الوارب لسفينة مدنية من الجيل 3، بأداء يقارب سفينة حربية صغيرة
وربما كانوا سيضيفون أيضًا بضعة مدافع دفاع ذاتي مدنية احتياطًا
ولهذا السبب لم يكن رون يتدخل بسهولة في الشؤون الأدنى منه
فمكانته داخل المنطقة كانت عالية جدًا
حتى إن جملة بسيطة منه يمكن أن تؤثر في حياة كثير من الناس أو مصائرهم
وبينما كان رون يفكر
كان الحجاج في القاعة يحدقون بدهشة في “التقي” أمامهم، وأقسموا أنهم لم يروا في حياتهم سفينة حج بهذا الجمال وهذه القداسة
فداخل أراضي الإمبراطورية، كانت السفن والمركبات التي يمكنها استخدام الطلاءات الراقية على نطاق واسع نادرة
لأن تكلفتها كانت مرتفعة جدًا
أما الطبقات الاجتماعية العادية، فلم يكن لها الحق أصلًا في استخدامها
وكانت الإمبراطورية مولعة بجنون بالعناصر الزخرفية، فالمحاربون يحبون تزيين دروعهم بمختلف الرموز المكرمة والآثار المكرمة والطلاءات
بل وكانت أنظمة ألوان محددة تُفرض فرضًا
وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار تلك الطلاءات الجميلة والمقاومة للاهتراء وذات الطابع الدفاعي، بل وظهور ممارسات احتكارية
وفي وقت سابق، اكتشفت قوات سكيتاري والحرس الإمبراطوري بناء قالب قياسي لطلاء أُطلق عليه مؤقتًا اسم المادة 14522
وكان لهذا الطلاء تركيبة كيميائية فريدة، تتيح إنجاز طلاء المعدات القتالية في وقت قصير جدًا
وقد تسبب اكتشاف هذا البناء في تمرد مئات من عوالم مدن الخلية المهمة المسؤولة عن طلاء المركبات
بل إن عشرات من النبلاء رفيعي المستوى أصحاب المصالح خرجوا محتجين أيضًا
ولتخفيف أثر الصدمة
لم تجد الوكالات الإمبراطورية المعنية خيارًا سوى إعلان أن البناء يشتبه بفساده بشكل ما من الفوضى، ثم ختْمِه
وحتى بعد مرور عدة مئات من السنين
أعلنت الوكالات الإمبراطورية المعنية رسميًا أن البناء لم يكن فاسدًا، وأنه حصل على الموافقة الكاملة من السيد الأعلى
ومن هذا يمكن رؤية مدى أهمية الطلاءات بالنسبة إلى الإمبراطورية
فالذين كانوا مؤهلين لامتلاك طلاءات زاهية ومتقنة على دروعهم كانوا في الأساس محاربين رفيعي المستوى في الإمبراطورية
مثل محاربي الفضاء، والمحققين، وأخوات المعركة، وغيرهم
لكن تلك الكيانات كانت عمومًا تتعامل مع الحكام المحليين، وكانت أساطير لا يملك كثير من البشر العاديين أهلية لقائها طوال حياتهم
وبالنسبة إلى البشر العاديين، كان ضابط من قوات الدفاع المحلية يعد أصلًا شخصية استثنائية
وفي ظل هذه الظروف
أحدث الطلاء المهيب الذي غطى كل زاوية من هيكل “التقي” صدمة هائلة في نفوس الحجاج الرثي الهيئة
بل إن بعض الحجاج ركعوا في أماكنهم مباشرة، وسجدوا أمام الصور المكرمة على الهيكل
فهم لم يكونوا يفوتون أي شيء مكرم، وكانوا يعبدون أينما ذهبوا
داخل مقصورة “التقي”
كان الحجاج، وقد امتلأت قلوبهم بالتقوى العميقة والإثارة الخارجة عن السيطرة، يشعرون أنهم بعد أجيال ورحلات طويلة استمرت مئات السنين، وصلوا أخيرًا في حياتهم إلى تيرا المكرمة، عالم العرش الأكثر قداسة في الإمبراطورية
فوفقًا للأساطير، كانت كل قطعة أرض هنا تفوح بقداسة، وكل بناء يروي أساطير قديمة، وكل خيط من ضوء الشمس يهدي الحجاج في طريقهم إلى الأمام
وعندما وصلت سفينة الحج إلى وجهتها
أعلن القبطان بحماس عن وجبات إضافية لكل الحجاج، حتى يملك الجميع طاقة أكبر لاحتضان هذه التجربة المكرمة
وقد رفع ذلك معنويات الحجاج كثيرًا
فقد أصبح بإمكانهم أخيرًا أن يتذوقوا أطعمة أرض إيرس المكرمة الشهية بكل راحتهم
وقبل أن تغادر “التقي” المطار، قدم لها مطار برج النجم كثيرًا من الإمدادات، حتى إن الحجاج تأثروا وبكوا من شدة الامتنان
وكانوا جميعًا يثنون على نعمة المنقذ
لقد كانت تلك الأطعمة فاخرة جدًا، ففي الظروف العادية لم يكن القبطان يعطي كل حاج إلا لقمة صغيرة منها، ممزوجة بطعام نشوي
ومع ذلك كانت لذيذة بما يكفي
وبفضل تلك الأطعمة العالية التغذية، لم يشعر الحجاج بالجوع خلال هذه الفترة
وبعد توزيع الطعام، تناول الحجاج وجبة مشبعة، وتلقوا أيضًا بعض الأطعمة المضغوطة المنتجة في إيرس
وبعدما شبعوا، عاد الحجاج إلى مقصوراتهم، وأخرجوا بعناية الأردية المكرمة النظيفة والناعمة التي أهدتها لهم أرض إيرس المكرمة وارتدوها
ثم وضعوا شارات الحج الخاصة بهم، إلى جانب قلائد الصليب الخاصة بالمنقذ وأساوره الفاخرة وغيرها من الآثار المكرمة، التي كانوا قد حصلوا عليها بنقاط الائتمان في أرض إيرس المكرمة
وفي الحقيقة، كانت هذه الأشياء كلها تباع بالجملة من مصانع تابعة لمنطقة الحج في أرض إيرس المكرمة، لكنها كانت متقنة الصنع للغاية، وقد اغتسلت بإشعاع الشمس المكرمة
وفي بعض الحالات، كانت تستطيع مقاومة قدر طفيف من فساد الفوضى، مما جعلها أكثر موثوقية من الآثار المكرمة العادية
وتجمع الحجاج، وقد ارتدوا ملابسهم بترتيب وأناقة، في القاعة الرئيسية، وبدؤوا طقس البخور
وقبل المغادرة، أخذ الحجاج كل البخور الموجود في غرفهم وحتى في دورات المياه في فندق الأرض المكرمة الكبرى
إذ كانوا يشعرون أن رائحته شديدة القداسة
وفي داخل القاعة، انتشرت رائحة البخور المميزة في الهواء، واغتسل الحجاج في خيوط الدخان، وهم يصلون ويدخنون أرديتهم
وعندما اكتمل الطقس، خرج الحجاج رسميًا بخطواتهم الأولى على تيرا المكرمة، وهم يحاولون كبح ارتجاف أجسادهم من فرط الحماس
وكان في داخلهم توقع غامض
فبصفتها أرض العرش المكرمة في الإمبراطورية، لا بد أنها أقدس من أرض إيرس المكرمة، أليس كذلك؟
بزز—
نزل الحجاج من “التقي” وساروا عبر الممر إلى قاعة الحجاج، فاجتاحتهم فورًا ضوضاء بشرية صاخبة
ورأوا قاعة متسخة وفوضوية وحشودًا من الناس بملابس رثة
أما حجاج “التقي”، الذين خضعوا قبل وقت قصير لتجربة حج شاملة في أرض إيرس المكرمة، فقد شعروا فجأة بفارق كبير
فهذا المكان بدا غير مختلف كثيرًا عن المواقع المكرمة الأخرى في الإمبراطورية
لكن بعد كل هذه السنوات من التطلع، لم يبال الحجاج كثيرًا بهذا الأمر، وظلوا مفعمين بالإخلاص
وحافظوا على صفوفهم كعادتهم، وتجنبوا التفرق، ثم واصلوا السير بصمت
غير أن حجاج “التقي” اكتشفوا أن الحشود الرثة فتحت لهم الطريق بهدوء
وكان في نظرات الناس إليهم شيء من الهيبة
وهذا ما فاجأ الحجاج
لأنه في الماضي لم يكن أحد يلتفت إليهم أصلًا
وفي معظم الأوقات
كانوا يذوبون في الحشود، ويتقدمون بخوف وخجل، خائفين من أن يصطدموا بشيء مكرم فيتعرضوا لعقاب شديد
وكان من الطبيعي جدًا أن تفسح لهم بقية الحشود الرثة الطريق
فجميع من في القاعة كانوا يرتدون أردية ممزقة ويبدون في حال بائسة
وفجأة مرت من بينهم هذه المجموعة، مرتدية أردية مكرمة بيضاء ناصعة لا يقدر عليها إلا كهنة الكنيسة الإمبراطورية
فبدوا مهيبين ومكرمين ومنفصلين تمامًا عن محيطهم
فمن الذي يجرؤ على عرقلة طريقهم؟
توقف حجاج “التقي”، شاعرين بعدم الانسجام مع المكان، كما هدأت الحشود المحيطة أيضًا
وفجأة تقدم رون وتحدث مع القبطان الذي يتصدرهم: “أيها القبطان المحترم”
“أنا جرانت، تاجر مارق من الأراضي الحدودية، وقد جئت أنا أيضًا للحج، فهل يمكنني أن أسير مع مجموعتكم؟”
كان شاهيم مع الأسطول الإمبراطوري، ولن يصل إلى تيرا المكرمة بهذه السرعة، وكان رون يخطط أولًا للذهاب إلى المقر الرئيس للكنيسة الوطنية في الإمبراطورية
وكان ينوي العثور على معلم دوني، الكاردينال لوران تيسينغ، المنفذ
ورأى أن اتباع هؤلاء الحجاج سيكون أكثر راحة، كما سيتيح له معرفة المزيد عن الكنيسة الإمبراطورية
“أنا آسف…”
كان القبطان على وشك الرفض، لكنه ما إن رأى التذكار الذي كشفه رون عمدًا من أرض إيرس المكرمة، حتى أشرق وجهه: “لقد ذهبت أنت أيضًا إلى أرض إيرس المكرمة؟”
أومأ رون برأسه: “بالطبع، أيها الإمبراطور فوقنا، إنها حقًا مكان رائع، وخاصة ساونا الينابيع الحارة في الأرض المكرمة التي باركها الإمبراطور…”
“نعم!”
“امدحوا الإمبراطور الأعظم!”
وعندما سمع القبطان وبعض الحجاج القريبين ذلك، ظهرت على وجوههم نظرات حنين، كأنهم وجدوا شخصًا من معدنهم نفسه
وأخذوا يتحدثون مع رون بحماس عن تجارب حجهم في أرض إيرس المكرمة، وأدخلوه طبيعيًا في مجموعة الحجاج الخاصة بهم
أما بعض الحجاج الرثي الهيئة القريبين منهم، فلم يسمعوا إلا شذرات من الحديث، فذهلوا: “أيها الإمبراطور، أي أرض مكرمة سماوية هذه؟”
لكنهم حين نظروا إلى أولئك الأشخاص النبلاء ذوي الأردية البيضاء الناصعة، لم يجرؤوا على الاقتراب أو الاستفسار
وبعد تبادل قصير للمجاملات، واصل رون السير مع حجاج “التقي”
وفي هذه اللحظة، انتبه الحجاج أيضًا إلى أنهم بعد رحلة أرض إيرس المكرمة قد تغيروا فعلًا
فقد عاشوا تجربة الحج المكرمة في أرض إيرس المكرمة، وعبدوا عن قرب الآثار المكرمة للإمبراطور
ولهذا صاروا مختلفين عن بقية الحجاج
وعندما فكر حجاج “التقي” في ذلك، لم يعودوا ينكمشون خوفًا، ولم يتمالكوا أنفسهم من فرد ظهورهم قليلًا
“أيها الحجاج المحترمون، تفضلوا باتباعي…” أسرع موظف الاستقبال في القاعة إليهم، مرحبًا بهم بحفاوة
وما إن اقترب حتى اشتم رائحة البخور النبيل، فصار موقفه أكثر إخلاصًا
ففي الظروف العادية، لم يكن يقدر على استخدام وصفات بخور خاصة إلا النبلاء رفيعو المستوى والمحاربون ورجال الدين الكبار
وهؤلاء لم يكونوا ممن يستطيع إداري منخفض المستوى مثله أن يسيء إليهم
وعندما شاهد رون هذا المشهد، عجز عن الكلام، فإذًا هناك فعلًا موظفو استقبال هنا، لقد كان يظن أنه لا يوجد
وكان هذا مفهومًا
ففي النهاية، تستقبل تيرا المكرمة في كل لحظة مليارات الحجاج من أنحاء المجرة كلها
ومع الإجراءات الإدارية المعقدة والمتضخمة وغياب الأجهزة الشبكية الذكية، لم يكن لديهم وسيلة جيدة لتسجيل هؤلاء الناس وإدارتهم
وكل ما كان بوسعهم فعله هو العثور على المارقين من الفوضى، ثم استدعاء العناصر المسلحة بسرعة لإعدامهم
وفي ظل هذا النمط الإداري الفوضوي، لم يكن يتمتع بخدمات الاستقبال إلا بعض أصحاب الطبقات الخاصة
والآن، كان رون وحجاج “التقي” يُعاملون بوصفهم من الطبقة الخاصة
أما كيف كانوا يميزونهم؟
فهذه مجرد قاعة استقبال عادية، ولا توجد هنا مصفوفة حاسوب مفكر
فهل من الممكن أن يطلبوا من موظفي الاستقبال أن يبحثوا عبر آلاف الطبقات من أرشيفات ورقية قديمة هائلة؟
ولذلك كان موظفو الاستقبال يميزون أصحاب الطبقات الخاصة أساسًا من خلال الهيئة واللباس والشارات وما شابه
فالذين لا تظهر عليهم آثار الفوضى ويرتدون ملابس جيدة هم بلا شك من الطبقة الخاصة
فالشخص العادي لا يقدر أصلًا على هذا المستوى من الثياب
ثم إن معظم العاديين، ما عدا الحجاج، إما يكدحون في العوالم الزراعية أو يشدون البراغي في مصانع مدن الخلية
فمن أين سيجدون الوقت للمجيء إلى تيرا المكرمة؟
أما إذا كان هناك أصحاب نيات سيئة يتسللون، فلا يمكن إلا القول إن كثرة الأمور تجعل الناس لا يعودون يشعرون بها
فمع عشرات المليارات من الداخلين والخارجين يوميًا، كان ظهور بعض المارقين من الفوضى أمرًا طبيعيًا
اعثر عليهم، ثم احكم عليهم، وانتهى الأمر
وسرعان ما أنهى رون والآخرون التسجيل ببساطة، تحت استقبال الموظفين الحار
ثم استقلوا مركبة نقل عبر ممر خاص نحو المقر الرئيس للكنيسة الإمبراطورية الواقعة في القطب الجنوبي
وفي الظروف العادية، كان الحجاج يذهبون أولًا إلى المدينة المكرمة التابعة للمقر الرئيس للكنيسة الإمبراطورية، ثم يبدأون منها جولة حج ملتوية تمر على مختلف المواقع المكرمة
وفي النهاية، كانوا يعبرون البوابة الأبدية ويصلون إلى مدخل القصر الإمبراطوري في الهيمالايا، حيث يستشعرون عظمة الإمبراطور وقداسته خارج القصر
…
القطب الجنوبي
المدينة المكرمة التابعة لمقر الكنيسة الإمبراطورية
طريق الحجاج
كان هذا ممرًا بعرض نحو ثلاثة أو أربعة كيلومترات، وكان على الحجاج أن يسيروا عشرات الكيلومترات على طوله حتى يصلوا إلى كاتدرائية الكنيسة الإمبراطورية
وقف رون على الطريق، ونظر إلى الدخان الكثيف الملوث في السماء، وقد انعقد حاجباه بشدة
فبيئة تيرا المكرمة كانت أسوأ مما تخيل
لقد استُنزفت مواردها الطبيعية، وتبخرت محيطاتها، وأصبحت تربتها قاحلة تمامًا، وامتلأ غلافها الجوي بضباب التلوث
وباستثناء الهيمالايا، كانت معظم الجبال قد سويت بالأرض، فيما غطت مجمعات بنائية عملاقة ومتاهية معظم سطح الكوكب
والأكثر رعبًا أن هذا الكوكب كان مزدحمًا بمئات التريليونات من السكان الدائمين، وبأعداد أكبر من السكان العابرين
وباستثناء العاملين في الوكالات الإمبراطورية، كان معظم السكان المحليين الآخرين يعيشون في فقر مدقع
فالتلوث والتحور والفوضى كانت تتآكل ببطء الطبقات الدنيا
أما الأمل الوحيد لأولئك السكان المحليين من الطبقات الدنيا، فكان أن ينجح نسلهم في دخول حكومة تيرا أو الكنيسة الإمبراطورية
حتى لو كان ذلك بصفة خدم في أدنى المراتب
لكن مثل هذه الفرص كانت نادرة جدًا
لأن الوظائف والمناصب المرتبطة بها كانت شبه وراثية كلها
وكان رون يظن أن آثار الفوضى ستقل بعد دخوله تيرا المكرمة، لكنه لم يتوقع أن تكون أكثر
فعلى طول الطريق، شاهد عدة حوادث لفساد الفوضى، قُتل فيها مئات الأشخاص تحت نيران سكيتاري
وكان هذا منطقيًا
فمع هذا العدد الهائل من الناس الداخلين والخارجين والمختلطين ببعضهم، ومع كون المكان منطقة محورية لتآكل حكام الفوضى
كيف لا يحدث الفساد؟
وحتى لو أُجريت تصفية لسكان تيرا المكرمة، فطالما بقي البشر، فسيظل استئصال الفساد صعبًا
وفوق ذلك، كان لا بد أيضًا من استقبال الحجاج، كما أن عددًا كبيرًا من الحجاج الذين يستقرون فيها كانوا سيشكلون طبقة فقر دنيا جديدة
فكر رون بصمت، بينما واصل السير مع حجاج “التقي”
ولم يكن هذا المشي سهلًا
وللأسف، لم تكن هناك هنا مركبات مشاهدة كما في أرض إيرس المكرمة
فبخلاف المشي، لم تكن هناك أي وسيلة أخرى للوصول إلى كاتدرائية الكنيسة الإمبراطورية
وربما كان لأولئك النبلاء رفيعي المستوى في تيرا مسارات نقل خاصة
لكن بمكانته الحالية، لم يكن يملك هذا الامتياز
ومع مواصلة السير، رأى رون أكواخًا بدائية أكثر فأكثر تخص الحجاج، وكان الحجاج الأشد فقرًا لا يجدون مكانًا للراحة إلا على الأرض وهم ملتفون بأرديتهم القماشية
وكانت منطقة الممر كلها أشبه بحي صفيح فقير هائل
ولحسن الحظ، وبما أن هذا المكان هو مقر الكنيسة الإمبراطورية، فقد كانت هناك مطابخ حساء تُقام كل مسافة معينة
وكانت توزع طعامًا مباركًا على الحجاج
ففي النهاية، هذا هو مقر الكنيسة الإمبراطورية، ولم يكن من الممكن ترك عدد كبير جدًا من الحجاج المخلصين يموتون في هذا المكان المكرم
وقد تذوق رون قليلًا منه، فكان حامضًا بعض الشيء وفيه كثير من الشوائب
لكن بالنسبة إلى الحجاج، كان هذا أصلًا طعامًا فاخرًا نادرًا
وبعد السير لمسافة تزيد على عشرة كيلومترات أخرى
ولكي يصل إلى كاتدرائية الكنيسة الإمبراطورية بسرعة أكبر، انفصل رون عن حجاج “التقي” وتابع وحده
وما لم يكن يعرفه هو أن
حجاج “التقي”، بعدما شاهدوا كل هذا، صاروا أكثر صمتًا مع الوقت
فالتباين الصارخ بين أرض إيرس المكرمة وتيرا المكرمة ترك هؤلاء المؤمنين في حال من الذهول
لقد ظلوا أوفياء للإمبراطور، لكنهم شعروا أن مزيدًا من المؤمنين يجب أن يعرفوا بوجود المنقذ
وسرعان ما بدأ هؤلاء الحجاج ينشرون أعمال المنقذ بين الآخرين، مما جذب انتباه الكنيسة الإمبراطورية
وسرعان ما عثرت عليهم قوات سكيتاري
…
كان رون متحمسًا جدًا، إذ أصبح قادرًا بالفعل على رؤية كاتدرائية الكنيسة الإمبراطورية
فقد كانت على بُعد نحو عشرة كيلومترات
وفوق ذلك، وبعد أن ضحى بساعة جيب مكرمة ثمينة، استفسر من أحد كهنة الكنيسة الإمبراطورية عن وضع الكنيسة الحالي
وكان ذلك الكاردينال المؤقت لا يزال حيًا ولم يسقط من السلطة
وكان يأمل أن يسمح آسو مان، من أجل دوني تلميذه الوحيد، لأرض إيرس المكرمة وإيمان المنقذ بالدخول إلى طبقات الكنيسة الإمبراطورية
وكان لا بد أن يتم ذلك بسرعة، وإلا فقد يواجه أولئك الحجاج الذين ذهبوا إلى أرض إيرس المكرمة مشكلات
ولم يكن رون بحاجة إلى أن يمنح الطرف الآخر أرض إيرس المكرمة مكانة عالية، بل كان يكفي أن يسمح بانتشار إيمانها
فالكنيسة الإمبراطورية كانت تضم عددًا لا يحصى من المواقع المكرمة
وكان فيها ما لا يقل عن 8,000 إلى 10,000 من السامين الأحياء داخل تلك الكنائس
أما السامون الأحياء الذين لم يدخلوا ضمن التسلسل الرسمي ولم ينتشروا إلا محليًا، فكانوا أكثر من أن يُحصوا
ففي النهاية، بين مئات الآلاف من العوالم المتمدنة التابعة للإمبراطورية، أي عالم لا يملك شخصية أسطورية؟
وكان كثير من الكنائس الإمبراطورية المحلية، من أجل تعزيز حكمها الديني، يروجون باستمرار لساميهم الأحياء المحليين، ويقيمون لهم مواقع مكرمة
وإذا أحسنوا إدارة الأمر ونالوا بعض الحظ، فإن إدراجهم ضمن التسلسل الإيماني للكنيسة الإمبراطورية كان سيعزز حكمهم المحلي كثيرًا
وكان لا بد لهم من فعل هذا، وإلا فإن قوة الكنيسة الإمبراطورية المحلية كانت ستتآكل لصالح مؤسسات إمبراطورية أخرى
ولو لم تكن مشاعر ذلك الكاردينال تجاه دوني قد فسدت، لكانت فرصة دخول أرض إيرس المكرمة إلى التسلسل الإيماني للكنيسة الإمبراطورية مرتفعة جدًا
لأنه على السطح، كانت كنيسة أرض إيرس المكرمة قد طُورت على يد تلميذه دوني، والمنقذ نفسه قد صادق عليه دوني شخصيًا
فكلهم من جماعتهم أنفسهم
وشعر رون ببعض التأثر، فحين عاد للنظر إلى الماضي، أدرك أن قراره بالإبقاء على الكنيسة الإمبراطورية كان القرار الصحيح
إذ كان تطوير إيمان خاص به من الصفر أمرًا بالغ الصعوبة
وفجأة شعر رون بشيء ما
فتعثر شخص يشبه الحجاج، واحتك به وهو يمر، ثم اختلط بالحشود
ثم اكتشف رون أن شيئًا إضافيًا صار في يده
لقد كانت قطعة ورق
رفعها رون، فرأى عليها شمسًا كبيرة وشمسًا صغيرة مرسومتين
يا للعجب!!!
ما الذي يجري؟ هل انكشف أمر الشمس الصغيرة؟
خفض نظره فرأى النص المكتوب أسفل الرسم
هس~
يا له من هراء مارق، بل هراء مفرط في التمرد
فقد كان كله مجرد شائعات صادمة، معظمها قصص سرية عن سنوات الإمبراطور الأولى
أشياء من قبيل أن الإمبراطور تحول في بداياته إلى ذئبة، أو أنه وقف على الطريق يتسول، أو أنه باع مؤخرته لأمراء الحرب ليحصل على جيش ويوحد تيرا
تبًا، هل يوجد هنا أيضًا هذا النوع من النصوص الفاحشة؟
وكانت هناك أيضًا شائعات حديثة، تزعم أن أحد الملاحين وكاهنًا من الكنيسة الإمبراطورية شاهدا شخصيًا الإمبراطور وهو يقوم بأمر فاضح مع كيان معين داخل الوارب
ثم انتهى الأمر بولادة شمس صغيرة
لا، هل بلغت شائعات هذا العصر هذا القدر من الجنون فعلًا؟
ألا يخشون أن يرسل إليهم الإمبراطور الفيلق الملعون إلى أبوابهم؟
نظر رون إلى الرمز الموجود في الزاوية السفلية من الورقة، فإذا به تابع لطائفة سلاانيش
آه، إذًا لا بأس…
وبالفعل، جماعة سلاانيش تعرف كيف تعبث، فقد تجرأت طائفة من طوائف سلاانيش على افتعال أمر بهذا الحجم
وعلى أي حال، فهم هالكون أصلًا
وأدرك رون أخيرًا
لماذا لا يجرؤ أصحاب المناصب العليا على قتل المؤرخين، ولماذا يصرون على تدوين السجلات التاريخية
لأن التاريخ غير الرسمي كان منفلتًا على نحو يفوق التصور فعلًا…
بانغ—
دوى سلاح البولتر، وصرخت الحشود
استدار رون إلى الخلف
فإذا بذلك التابع لطائفة سلاانيش، الذي دس قبل لحظة في يده تلك الأسرار المدوية، قد تحول إلى أشلاء بالفعل
ثم رأى فرقة من سكيتاري تركض نحوه…

تعليقات الفصل