تجاوز إلى المحتوى
الساحر: لوحة مهنتي بلا حد أعلى

الفصل 173: القفر الذي مات فيه الحكام

الفصل 173: القفر الذي مات فيه الحكام

في الصباح الباكر، وصل رون إلى المكتبة المركزية في المدرسة

كان يحمل في يده شارة دخول خاصة

كانت هذه إحدى المكافآت التي فاز بها في بطولة المصارع الدموي، إذ تسمح له باختيار نص قديم ثمين من المجموعة المحظورة

“بطل بطولة المصارع الدموي، رون رالف.”

أظهر رون الشارة للحارس بهدوء: “جئت لاستخدام حق الدخول الخاص بي”

أخذ الحارس العجوز الشارة، وفحصها بعناية، ثم أومأ:

“تم التأكيد. تفضل باتباعي، أيها المتدرب رالف”

استدار وقاد رون عبر القاعة الرئيسية نحو ممر ضيق كان عادة مغلقًا أمام المتدربين

في نهاية الممر كان هناك باب ثقيل مصنوع من السبج

كان الباب محفورًا برموز رون معقدة وصور كائنات غريبة تتلوى تحت ضوء الشموع كأنها حية

تسرب صوت غامض غير طبيعي من شقوق الباب؛ لم يبد كأي لغة يعرفها رون، بل كان أقرب إلى مزيج من همسات مقلقة وحفيف مزعج

أدخل الحارس العجوز الشارة في الفتحة الموجودة على الباب، ورتل تعويذة بصوت خافت

ومع انتهاء التعويذة، أطلق باب السبج دويًا مكتومًا

بدا الصوت كأنه زفرة قادمة من مكان بعيد، ثم انفتح ببطء إلى الداخل، كاشفًا ظلامًا عميقًا

قال الحارس العجوز، وقد خفض صوته إلى همسة كأنه يخشى إزعاج كيان مختبئ في الظلام: “قواعد المجموعة المحظورة بسيطة. لديك ساعة واحدة للاختيار، ولا يمكنك أخذ سوى كتاب واحد، ولا يُسمح لك بإتلاف أي عنصر أو نسخه أو تعديله. بمجرد دخولك، ستراقبك الغولمات الحارسة طوال الوقت؛ وأي مخالفة ستؤدي إلى طردك فورًا وفقدان حق الدخول نهائيًا”

وعندما أضاف النقطة الأخيرة، صار تعبير الحارس العجوز جادًا بصورة استثنائية:

“وأيضًا، لا تهتم بأي أصوات أو همسات؛ فهذه مجرد أصداء للمعرفة. مهما سمعت، لا ترد”

أومأ رون دلالة على الفهم: “سأتبع القواعد”

“حظًا موفقًا أيها الشاب”

تنحى الحارس العجوز جانبًا وأشار إليه بالدخول، وظهر في عينيه وميض من مشاعر معقدة

أخذ رون نفسًا عميقًا وخطا إلى خزانة المعرفة هذه

أُغلق الباب خلفه ببطء مع صوت ثقيل، كأنه عزله تمامًا عن العالم الخارجي

ما إن دخل، حتى وجد نفسه داخل قاعة غير منتظمة الشكل

كانت الجدران مصنوعة من مادة غريبة مضيئة، وعلى سطحها عروق تشبه الأوعية الدموية الحية، مما منح المكان كله إحساسًا نابضًا بالحياة

والأكثر إثارة للقلق أن حدود القاعة كانت تبدو كأنها تتغير قليلًا كلما حوّل نظره، كما لو أن الفضاء نفسه يتنفس

في وسط القاعة كان هناك هيكل بلوري متعدد الأبعاد. من النظرة الأولى بدا كبرج، لكنه مع تغير زاوية الرؤية كان يعرض أشكالًا هندسية مختلفة تمامًا

وعند قمته طفت كرة تشبه عينًا بشرية. كانت القزحية بلون نيلي داكن، أما البؤبؤ فكان دوامة مثل ثقب أسود، كأنه قادر على ابتلاع كل الضوء

“هذا مثير للاهتمام حقًا، يحمل ذلك الشعور الغريب والعميق الخاص بالسحرة…”

وبينما كان يفكر بهذا، مسح رون المكان بحذر، ولاحظ عدة حراس يقفون عند أطراف القاعة

لم يكن هؤلاء الحراس غولمات حجرية عادية، بل منشآت غريبة منحوتة من بلور أزرق أسود شفاف

كانت أشكالهم تشبه البشر بشكل غامض، لكن النسب كانت مضطربة تمامًا: أذرع طويلة أكثر من اللازم، ورؤوس مشوهة، وانحناءات زائدة في المفاصل حيث لا ينبغي أن تكون

وكانت “عيونهم” أكثر ما يثير القلق؛ إذ كان في كل حارس عشرات البلورات الحمراء ذات أحجام مختلفة

لم يلقِ رون عليهم سوى نظرة قصيرة، ثم أعاد انتباهه بسرعة إلى مهمة اختيار الكتاب

كان الوقت محدودًا؛ وكان عليه أن يجد الكتاب الذي يحتاجه بكفاءة

اقترب بحذر من الهيكل المركزي، مستشعرًا تموجات الطاقة القديمة المنبعثة منه

حاول رون فهم مبدأ عمل نظام الفهرسة هذا

لم يكن نظام تصنيف بقدر ما كان جهازًا يستجيب للفكر؛ إذ يستشعر حاجات الزائر وأفكاره، ثم يرشده بنشاط إلى المعرفة التي تتناغم معه

أغمض رون عينيه وركز، عارضًا بوضوح المفاهيم الأساسية: “علم الأحياء الخارق للطبيعة”، و”الهاوية”، و”السلالة” على سطح وعيه

استجابت الكرة الشبيهة بالعين عند القمة فورًا لهذه المعلومات؛ فتحولت القزحية إلى أرجواني داكن، واتسع البؤبؤ ليشكل دوامة سوداء حالكة

اتبع رون إرشادها ووصل أمام رف كتب مصنوع من مزيج من عظم كائنات أرجواني داكن ومعدن مجهول

كانت الكتب على الرف متنوعة؛ بعضها منتظم الشكل مثل الكتب العادية، وبعضها الآخر يتلوى ككائنات عضوية

بل كان هناك عدد قليل يبدو مكثفًا من مادة شبه صلبة، تتشكل داخله فقاعات صغيرة وتنفجر باستمرار

في وسط هذا الرف، جذب كتاب معين انتباه رون على الفور

كان مجلدًا بالغ السماكة، بحجم صدر رجل بالغ تقريبًا، وغلافه مغطى بجلد كائن مجهول

عند النظر إليه من الأمام، كان يحمل عنوان “خلاصة كائنات الهاوية” باللغة المشتركة؛ وعند النظر إليه من الجانب، ظهرت عليه رموز رون قديمة

وعند النظر إليه من زاوية محددة، كان المرء يرى سلسلة من الرموز الهندسية التي يصعب فهمها؛ والتحديق فيها مباشرة يسبب دوارًا خفيفًا

“هذا بالضبط ما كنت أبحث عنه…”

تسارعت ضربات قلب رون دون إرادة منه

بعد أن علم من ليليا عن خلاصة كائنات الهاوية هذه، كان قد سأل عنها خصيصًا

قيل إنها كُتبت على يد ساحر الشمس المظلمة يدعى سيلوين ألدريتش

كان هذا الساحر قد استكشف الهاوية لما يقرب من قرن، متنقلًا عبر كل المناطق من الطبقة الأولى إلى الطبقة الثالثة عشرة

بل كانت هناك شائعات تقول إنه أقام لفترة قصيرة في الطبقة الثالثة عشرة، “حدود الفراغ”، وكان ذلك إنجازًا نادرًا لأي شخص دون مستوى ساحر عظيم

قضى بعض الوقت الإضافي في تصفح كتب أخرى على الرف ليتأكد من أنه لم يفوّت خيارًا أفضل

ورغم أنه رأى عدة مجلدات جذابة، مثل “انقسام الروح وإعادة تشكيلها: ثمن العمر الطويل جدًا” و”تحت السماء النجمية: خطى الحكام القدماء”، فقد قرر رون في النهاية، بالنظر إلى اتجاه بحثه، أن خلاصة كائنات الهاوية هي الخيار الأفضل

مد يده بحذر ليلمس المجلد، فشعرت أطراف أصابعه فورًا بإحساس جليدي غريب، مصحوب بوخز خافت يشبه الكهرباء

وعندما لمست قوته العقلية الكتاب، بدا أن وعيًا ما قد استجاب، فاحصًا هذا القارئ الجديد

“لا يُصدق…”

أخذ الكتاب بحذر، مستشعرًا العمق الكامن فيه

فتح الصفحة الأولى، وتأكد أن هذه هي النسخة الكاملة التي يريدها بالفعل

وخلافًا للكتب التقليدية، لم تبدأ خلاصة كائنات الهاوية بمقدمة أو فهرس، بل بتحذير

كان مكتوبًا بحبر أحمر ساطع، وضربات القلم فيه جامحة، وكانت الكتابة تنبض قليلًا على الورق، كأنها كُتبت مباشرة بالدم:

“على كل من يقرأ هذا الكتاب أن يراقب روحه باستمرار. المعرفة منارة وهاوية في الوقت نفسه؛ ومن يعرف أكثر مما ينبغي قد يصبح الشيء الذي يسعى إليه. عندما تحدق في الهاوية، تحدق الهاوية فيك أيضًا”

وتحت هذا التحذير كان هناك ختم غريب على شكل عين، لكن بؤبؤها كان دوامة مصغرة تبدو كأنها تدور ببطء على الورق

بعد أن حسم قراره، احتضن رون المجلد السميك ومشى نحو الهيكل متعدد الأبعاد في الوسط

وعندما اقترب، انفتحت الكرة الشبيهة بالعين عند القمة مرة أخرى

مسح ضوء أزرق أسود الكتاب، وكأنه يجري نوعًا من التسجيل على مستوى الروح

“تم تأكيد الاختيار: خلاصة كائنات الهاوية، بصمة الإصدار الثالث عشر، سجلها سيلوين ألدريتش، عمل يتجاوز الزمن، درجة جمع عالية”

صدر من الكرة صوت متعدد الطبقات، بدا كأنه يأتي من بعيد، وفي الوقت نفسه يرن مباشرة داخل عقل رون:

“هل تؤكد إخراجه؟ بعد التأكيد، سيُلغى حق الدخول الخاص”

توقف رون قليلًا، لكنه سرعان ما أجاب: “أؤكد”

في اللحظة التي قال فيها الكلمة، انتقل تموج طاقة خافت يكاد لا يُلاحظ من الكتاب إلى جسده، مشكلًا صلة غير مرئية لكنها حقيقية

“اكتمل التسجيل”

عادت الكرة إلى السكون، لكنها أضافت في اللحظة الأخيرة بصوت يكاد لا يُسمع:

“لتنر المعرفة طريقك، أيًا كان المكان الذي يقود إليه”

استدار رون ومشى نحو المخرج، بينما كانت الغولمات الحارسة الغريبة تراقبه وهو يغادر

راقبت عيون البلور الحمراء التي لا تُحصى كل حركة منه حتى خطا خارج باب السبج

كان الحارس العجوز ينتظر في الخارج، وما إن رأى الكتاب بين يدي رون حتى شحب وجهه فورًا:

“خلاصة كائنات الهاوية؟ يا حاكم الحكمة… هذا، هذا حقًا… اختيار جريء جدًا أيها الشاب”

أجاب رون بهدوء: “المعرفة نفسها لا خير فيها ولا شر؛ المفتاح في نية مستخدمها الأصلية”

نظر الحارس العجوز إلى رون بتعبير مهيب، وكان صوته منخفضًا حتى كاد يكون همسًا:

“يقول البعض إن ألدريتش لم يغادر الهاوية حقًا؛ بل أعاد اكتشافاته إلى عالم السطح في صورة كتاب فقط. ورغم أن هذه ليست النسخة الأصلية، فما زلت آمل أن تكون حذرًا قدر الإمكان عند دراستها”

صمت رون للحظة، واضعًا هذا التحذير في قلبه: “استخدام المعرفة بحذر درس إلزامي لكل ساحر”

“لتكن حكمتك أكبر من فضولك”

أضاف الحارس العجوز نصيحته الأخيرة: “تذكر، عندما تتعمق في أسرار الهاوية، هناك عيون لا تُحصى تنظر إليك من خلال الشقوق في المعرفة”

بعد عودته إلى الورشة، دخل رون فورًا إلى مختبره الأكثر سرية

فعّل عدة مصفوفات عزل لضمان ألا يتعرض البحث اللاحق لأي إزعاج أو تسريب

ثم وضع رون بعناية خلاصة كائنات الهاوية التي طال انتظارها على مكتب القراءة

ومع انفتاح الصفحات تحت يديه، فوجئ رون بأن هذه الخلاصة مختلفة عن أي كتاب عادي؛ إذ بدا المحتوى داخلها حيًا، يتغير وينفتح وفق تركيز القارئ

كان النص يتدفق ويعيد تنظيم نفسه باستمرار، وكانت الرسوم تعرض تأثيرات ثلاثية الأبعاد مذهلة عند مراقبتها

بل إن بعض الصفحات كانت تطلق روائح وأصواتًا محددة، محولة القراءة إلى تجربة حسية غامرة بالكامل

“الهاوية، ذلك الفضاء العجيب المعروف في الشعر القديم باسم ‘العميق الدائم’، والمذكور في الأساطير باسم ‘القفر الذي يموت فيه الحكام’، والذي يراه السحرة ‘بوتقة القوة'”

وبينما كان يقرأ، ظهرت هالة سوداء خافتة حول النص:

“ليست عالمًا سفليًا بسيطًا أو عرين شياطين كما يتخيل فانو عالم السطح. إنها أقرب إلى فقاعة كونية مستقلة، واقع مطوي تهيمن عليه قواعد ملتوية، يتكون من لولب متعدد الأبعاد مؤلف من ثلاثة عشر مستوى مختلفًا على الأقل، وربما يمتد إلى اللانهاية”

ومع هذا الوصف، ظهرت صورة ثلاثية الأبعاد على الصفحة:

هيكل حلزوني مقلوب، عريض في الأسفل، يزداد اتساعًا تدريجيًا كلما هبط، ثم يختفي أخيرًا داخل دوامة ظلام لا توصف

لم تكن هذه الصورة ثابتة، بل كانت تدور ببطء؛ ومع كل دورة، كان شكل اللولب يتغير بشكل طفيف، كاشفًا طبيعته متعددة الأبعاد

تجاوز رون المقدمة ووصل إلى الفصل الأول، “نظرة عامة على جغرافيا الهاوية”

فصل الكتاب البنية العامة للهاوية، لكن هذه الأوصاف كانت أكثر تعقيدًا وصعوبة على التصور مما تخيله رون بكثير

كانت الطبقتان الأولى والثانية تُعرفان باسم “المياه الضحلة بلون الدم”، وكانتا تبدوان على السطح مجرد برية مغطاة بسماء حمراء بلون الدم إلى الأبد

لكن الكتاب كشف أن تحت هذا السطح العادي ظاهريًا كانت تختبئ آلاف “الحويصلات المكانية”، ولكل واحدة منها نظامها البيئي الفريد

كانت الحدود بين هذه الحويصلات ضبابية وغير مستقرة؛ خطوة خاطئة واحدة، وقد يخطو المستكشف إلى بيئة مختلفة تمامًا

أما الطبقة الثالثة، قفر الرمال السوداء، والتي كانت أصل ذلك المانتيكور، فقد وُصفت على السطح بأنها صحراء ملعونة

لكن تحليلًا أعمق كشف حقيقة أكثر صدمة: “حبات الرمل” هنا كانت في الواقع أشكال حياة مصغرة، ولكل واحدة منها وعيها وهدفها

كانت الصحراء كلها في الحقيقة ذكاء سرب ضخمًا يتوسع عبر الافتراس والاستيعاب المستمرين

لكن ما جعل رون يشعر بقشعريرة فعلًا كان وصف الطبقة الرابعة وما بعدها؛ فقد بدأت هذه الطبقات تنحرف عن أشكال الوجود التي يستطيع الفانون فهمها

الطبقة الرابعة، “الغابة الملتوية”، كانت نظامًا بيئيًا يتحدى قوانين الطبيعة

كانت الحدود بين النباتات والحيوانات ضبابية، وكانت الحياة تتكاثر وتتطور بطرق يصعب فهمها

قد تتحول الأشجار هناك فجأة إلى حيوانات، وقد تضرب الحيوانات جذورها وتنبت كنباتات

امتلكت بعض الكائنات خصائص نباتية وحيوانية في الوقت نفسه، بل وُجدت أشكال وجود لا يمكن تصنيفها

الطبقة الخامسة، “بحر الليل الدائم”، كانت منطقة سائلة حيث يلتوي الفضاء…

أما الطبقة السادسة، مجال المتاهة، فكانت بنية طي فضائي متعددة الأبعاد؛ لم تكن متاهة في الفضاء المادي فحسب، بل كانت أيضًا متاهة في الإدراك والمنطق

هنا، تنكسر أبسط علاقات السببية؛ فقد تظهر النتائج قبل الأسباب، وتصبح المفارقات قاعدة لا استثناء

ذكر الكتاب:

“إن الخطر الحقيقي ابتداءً من الطبقة السادسة، مجال المتاهة، لا يكمن في بنيتها المكانية المعقدة، بل في تآكلها لعقل المستكشف

يؤدي التعرض الطويل لهذه البيئة إلى جعل أنماط تفكير الشخص تبدأ بالتقارب مع منطق الهاوية، فيفقد تدريجيًا فهم مفهوم ‘الطبيعي’

وبمجرد أن يبدأ هذا التحول، يصبح شبه غير قابل للعكس، لأن الفرد المتأثر سيعتقد أن العالم المحيط هو الذي أصبح ‘غير طبيعي’، لا أن عقله هو الذي يعاني مشكلة”

كانت الطبقة التاسعة، هاوية الروح، أكثر تجريدًا وصعوبة في الوصف؛ وقد عُرفت بأنها “الحد الفاصل بين الوجود واللاوجود”

هنا، تصبح الأفكار والمشاعر كيانات مرئية، وتطفو شظايا الذكريات والأحلام في الفراغ

يمكن مراقبة الأرواح والتلاعب بها مباشرة، تمامًا مثل الأشياء في العالم المادي

أما أعمق مستوى، الطبقة الثالثة عشرة، “حدود الفراغ”، فكان يتجاوز تقريبًا نطاق ما تستطيع اللغة وصفه

كان هذا الجزء من الكتاب ممتلئًا ببقع حبر ومساحات فارغة، كأن المؤلف نفسه وجد صعوبة في تحويل ما رآه وسمعه إلى كلمات

وكانت الأوصاف القليلة الموجودة مليئة بتعابير متناقضة وغير مترابطة، مثل “فضاء ضيق بلا نهاية”، و”جليد مشتعل”، و”صمت صاخب”، وغيرها من العبارات المتناقضة

فصلت الفصول اللاحقة تأثيرات لعنة الهاوية، وكانت أكثر شمولًا وإثارة للصدمة من أي معلومات عرفها رون من قبل:

“لعنة الهاوية ليست مجرد تأثير في الجسد والروح، بل تحول في شكل الوجود. كل كائن يبقى في الهاوية يعاد تعريفه دون أن يشعر، ويُشفّر داخل ‘قاموس’ الهاوية، ويصبح جزءًا من نظامها النحوي”

“تظهر لعنة الطبقات من الأولى إلى الثالثة أساسًا كتغيرات جسدية، مثل تصلب الجلد أو ليونته، وتشوه الحواس أو تعزيزها، وانتقال الأعضاء أو تحول وظائفها

قد تنعكس هذه التغيرات جزئيًا بالفعل بعد مغادرة الهاوية، لكن لا يوجد سجل لأي حالة تعافت بالكامل”

“تبدأ الطبقتان الرابعة والخامسة بالتأثير في البنية العقلية، فتخضع طرق الإدراك وأنماط التفكير وردود الفعل العاطفية كلها لتغيرات جوهرية

وقد يبدأ الأفراد المتأثرون بفهم الزمن والفضاء والسببية بطرق جديدة تمامًا، بل يطورون أنواعًا جديدة من التفكير لا تستطيع لغات الفانين التعبير عنها”

“أما ابتداءً من الطبقة السادسة نزولًا، فستعيد اللعنة بناء جوهر الروح مباشرة؛ لم تعد ‘عدوى’ أو ‘تأثيرًا’ بسيطًا، بل أصبحت ‘إعادة كتابة’ كاملة

المستكشفون الذين يبقون هنا مدة طويلة لا يعودون كائنات غيرتها الهاوية، بل يصبحون شظية واعية من الهاوية نفسها، تجسدًا حيًا للهاوية”

شدد الكتاب خصوصًا على ظاهرة مقلقة، وهي عدم قابلية لعنة الهاوية للعكس وقابليتها للعدوى:

“حتى المستكشفون الذين لمسوا الهاوية العميقة لفترة قصيرة فقط سيحملون دون وعي ‘منطق’ الهاوية إلى الواقع بعد عودتهم إلى عالم السطح

ستصبح أفكارهم وكلماتهم، بل وجودهم نفسه، لوامس تمتد بها الهاوية نحو عالم السطح

يمكن لفرد متأثر بلعنة الطبقة السابعة أن يجعل تفكير محاوره يبدأ بالتقارب مع نمط الهاوية بمجرد محادثات طويلة”

جعل هذا الوصف رون يفكر دون إرادة في منظمات سحرة الظلام وطوائف الهاوية التي لا يتسامح معها عالم السحرة السائد

قد تكون هذه هي الصورة الجماعية لعملية العدوى هذه، مجموعة من الأفراد الذين أعادت الهاوية تشكيلهم، وينشرون تأثير الهاوية سرًا في عالم السطح

وصفت الفصول التالية على نحو خاص النظم الحيوية في كل طبقة من طبقات الهاوية

فوجئ رون عندما اكتشف أن نظام تصنيف كائنات الهاوية مختلف تمامًا عن نظام عالم السطح

هناك، لا تُصنف الحياة بناءً على الشكل أو الوظيفة، بل وفق “كثافة الوجود” و”درجة إرساء الواقع” كمؤشرين رئيسيين

كانت الفئة الأكثر شيوعًا من كائنات الهاوية هي “المتحور”، أي تلك الكائنات التي جاءت أصلًا من عالم السطح ثم عُدلت بطاقة الهاوية لاحقًا

بدت “المتحورات” كأنها تطور أبعد لتلك الكائنات الشاذة القادمة من العالم الخارجي، وكان بإمكانه فهم ذلك مؤقتًا

ما حيره حقًا كان أوصاف كائنات الهاوية الأصلية

هذه الوجودات، التي انتمت إلى الهاوية منذ نشأتها، كانت خارج إطار علم أحياء الفانين بالكامل

سجل الكتاب بالتفصيل أكثر من عشرة من كائنات الهاوية الأصلية هذه، وكان لكل واحد منها خصائص تتحدى قوانين الطبيعة:

“المتجول الفراغي”، نوع من تجمعات الطاقة بلا شكل ثابت، قادر على الوجود في عدة مواقع مكانية في الوقت نفسه، ولا تعيقه العوائق المادية

“سرب الفكر”، نوع من كائنات الوعي الجماعي مكون من آلاف الكيانات الصغيرة، يمتلك كل منها جزءًا من الفكر الجماعي، لكن الجماعة وحدها تستطيع إظهار ذكاء كامل

“آكل الزمن”، كائن غريب يتغذى على الزمن، فيقضم “الخط الزمني” للأشياء، مما يجعل الهدف يختبر تسارع الشيخوخة أو الرجوع إلى الوراء…

وكان أكثر كائنات الهاوية الأصلية رعبًا هو “آكل الروح”، وهو وجود لا يوجد إلا في الطبقة التاسعة، هاوية الروح

كان وصف الكتاب لهم شديد التفصيل، حتى شغل فصلًا كاملًا تقريبًا:

“لا يوجد آكلو الروح على المستوى المادي، بل كـ’كائنات مفهومية’ في نطاق الروح والفكر

أكثر خصائصهم رعبًا ليست قوتهم التدميرية، بل قابليتهم للعدوى؛ فأي روح تتأثر بآكل الروح ستطور تدريجيًا سمات آكل الروح، لتتحول في النهاية بالكامل إلى آكل روح جديد”

“عملية التحول هذه تدريجية وغير محسوسة. عادة لا يدرك الضحايا أنهم يتغيرون إلا بعد فوات الأوان

تبدأ الأعراض الأولى بفراغات صغيرة في الذاكرة، تليها بلادة في الاستجابات العاطفية، ثم قدرة غير طبيعية على إدراك أرواح الآخرين، وأخيرًا ‘شهية’ لا يمكن السيطرة عليها، رغبة في أرواح الآخرين”

“والأكثر رعبًا أنه حتى في عالم السطح، يكاد هذا التحول يكون غير قابل للعكس بمجرد أن يبدأ

العلاج الوحيد المعروف هو تقنية قطع الروح، أي قطع الجزء المصاب وختمه، لكن هذا في حد ذاته تعويذة محظورة شديدة الخطورة، ومعدل نجاحها منخفض للغاية”

لكن كما يزداد مستوى خطر الهاوية أسيًا مع العمق، فإن الكنوز والفرص الكامنة داخلها تزداد أضعافًا أيضًا

انتقل رون إلى فصل “مواد الهاوية والغرائب”، ووجد أن هذا الجزء من المحتوى كان أكثر منهجية وتفصيلًا بكثير مما تخيله

“ينبغي ألا تُفهم مواد الهاوية ببساطة على أنها ‘مواد’، بل يجب اعتبارها ‘شظايا صلبة من التشوه'”

شرح الكتاب:

“كل نوع من مواد الهاوية قادر على التدخل في قوانين الفيزياء في عالم السطح أو إعادة كتابتها بدرجة محدودة”

وكان هذا أيضًا المحتوى الذي يثير اهتمام رون أكثر في الوقت الحالي

لكن بينما كان على وشك مواصلة القراءة، شعر فجأة بموجة دوار، فمد يده سريعًا ليستند إلى الطاولة…

التالي
173/287 60.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.