الفصل 170: الكنز
الفصل 170: الكنز
كانت الشمس الحارقة معلقة عاليًا، ترسل أشعتها مباشرة إلى الأسفل
اندفع نهر إستونيا مثل فضة منصهرة، وكانت كل قمة من أمواجه تنفجر بشرارات ذهبية، بينما تمايلت غابات الصنوبر على الضفتين برفق في النسيم، ولم تكد ظلالها تلامس ضفة النهر حتى ابتلعتها الانعكاسات المتلألئة
في مجرى النهر، كانت سفينة تجارية تمضي إلى الأمام، تاركة خلفها أثرًا طويلًا من الأمواج البيضاء
لم يكن هيكل السفينة مصنوعًا من خشب عادي، بل من خشب الحديد الأسود المعالج بالخيمياء، متينًا كالفولاذ ومع ذلك قادرًا على الطفو على سطح النهر، وكانت رونات خافتة الظهور محفورة على سطحه، ومجهزة بمدافع ثقيلة وأقواس نشاب على جانبيها وعند مقدمتها ومؤخرتها
على السطح
اتكأ نيك على حاجز السفينة، ونصف ذراعه مستند إلى الدرابزين الواقي المنقوش بالرونات، وعيناه تتبعان اللمعات الراقصة على سطح النهر
سفينة الكنز — هذه السفينة كانت له
بعد تلقي خبر الهجرة من عشيرة الحديد المنصهر، ذُهل نيك في البداية، لكنه تحرك بعدها بحسم
أنفق تقريبًا كل أصوله، واستخدم فصاحته لجمع استثمارات إضافية، واشترى سفينة حربية خارجة من الخدمة، وجدّدها لتصبح سفينة تجارية، وجنّد بحارة وطاقمًا، وببعض المناورة حصل على وثائق المرور التجاري في نهر إستونيا
انتقل من طريق التجارة البري في أرض علامة الألف أفعى إلى نهر إستونيا
كان هذا بلا شك مغامرة، لكنه كان أيضًا بداية جديدة. فقد كانت سعة شحن سفينة الكنز تتجاوز قافلته السابقة بكثير، وما دام التداول التجاري يسير بسلاسة، فإن كل رحلة ذهاب وعودة قد تحقق أضعاف الأرباح السابقة
لن يستغرق وقتًا طويلًا حتى يسترد استثماره، وكانت السفينة التجارية تملك إمكانية التطور إلى أسطول
“بماذا تفكر؟”
جاء صوت ماغي من الخلف، حاملًا برودة خاصة بالتيفلينغ
ناولته كأسًا من نبيذ النعناع المثلج
أخذه نيك، وتذوق النكهة المنعشة برشفة خفيفة، ثم قال: “المستقبل، مستقبلنا”
في هذه اللحظة، كان قد اتضح له تمامًا من هو سيده الحقيقي خلف الستار
تنين!
وليس واحدًا فقط
كان التنانين اليافعة قد قتلوا نبلاء دوقية ريموند، واقتحموا موقع المنجم بالقوة وأخذوا الجواهر، مثيرين ضجة كبيرة، وقد وصل الخبر بطبيعة الحال إلى أذني نيك
ومع ذلك، لم يشعر بالذعر، بل صار متحمسًا بدلًا من ذلك
كان حلم نيك في شبابه أن يبني خلال حياته جمعية تجارية تضاهي جمعية تجار اليشم، وتكون خاصة به
لكن حتى في ذروته، بدا هذا الحلم بعيد المنال، أما الآن، فقد شعر نيك بأن هناك فرصة صغيرة. والقلب الذي هدأ تدريجيًا مع التقدم في العمر صار يضخ الحماس كما كان يفعل حين كان شابًا
رغم أنه لم يقابل قط سيد عشيرة الحديد المنصهر
لكن من خلال عملياته خلف الستار، استنتج نيك أن الطرف الآخر من عرق التنانين النادرين، الحكيم والحذر، وأن مستقبله بلا حدود عندما ينضج. كما أن قدرته على إثارة ضجة في دوقية ريموند دلّت أيضًا على أن الطرف الآخر بدأ بالفعل يُظهر مواهبه
باتباع مثل هذا العضو من عرق التنانين
كانت لديه فرصة للوصول إلى ارتفاعات لم يجرؤ على تخيلها من قبل
بالطبع، الفرص والمخاطر تتعايش، ولن يكون هذا الطريق سلسًا، لكن نيك حسب بدهاء أن فوائد اتباع عرق التنانين تفوق المخاطر بكثير
واصلت سفينة الكنز الإبحار تحت ضوء الشمس الحارق
خلال الرحلة، تعرضوا لهجوم من وحوش تحت الماء، وقد حسمه الحراس على متن السفينة وتسليح سفينة الكنز نفسه، فمروا بإثارة لكن دون خطر
ومع مرور الوقت، انعطفت سفينة الكنز إلى رافد شمالي
بعد نحو ساعة، ومع حلول الغسق، ألقت سفينة الكنز، المغمورة بتوهج الغروب، مرساتها ورست عند ضفة النهر
وجّه كول العبيد العمالقة لنقل البضائع من العنبر، وفحص كل صندوق وتحقّق منه وفق القائمة
تحول الوقت تدريجيًا إلى الليل
دا دا دا — تردد صوت كثيف لحوافر تضرب التربة الصلبة في منطقة الحدود
خرجت مجموعة من القناطير، يزيد طولهم على 3 أمتار، من الليل، مقتربين بخطوات سريعة وثابتة
بعد أن تواصل معهم مسبقًا عبر حجر الاتصال، لم يتفاجأ نيك بظهور القناطير، وشعر برضا عميق تجاه حذر التنانين اليافعة
كانت عشيرة الحديد المنصهر والتنانين اليافعة الآن في حالة مطاردة
كانت الكائنات التابعة لهم، خصوصًا الغيلان والمستذئبين، تحت مراقبة مشددة، ورغم أن المنطقة الشمالية من نهر إستونيا لم تعد ضمن اختصاص حامية البرية، فإن الحذر لم يكن خطأ أبدًا
لم يكن القناطير كائنات من الفصيل الشرير
كانت لهم أجساد علوية شبيهة بالبشر، وحكمتهم لا تقل عن حكمة البشر؛ إضافة إلى أن طبيعتهم لم تكن عنيفة ولا متعطشة للدماء، مما جعل قبولهم أسهل لدى العالم المتحضر في اتحاد لوثرن
بالإضافة إلى ذلك
فبعد الهجرة إلى إقليم جديد لبضعة أشهر فقط، وإعادة التجمع، وتجنيد القناطير كجزء من عشيرتهم
لا بد من معرفة أن كائنات مثل القناطير، إذا تعرضت لقمع بلا رحمة، فلن يؤدي ذلك إلا إلى مقاومتها حتى الموت؛ والقدرة على إخضاع القناطير أثبتت أكثر قوة التنانين اليافعة وحكمتهم
أشار إلى الحراس بأن يبقوا هادئين
تفتح وجه نيك بابتسامة دافئة
تقدم نصف خطوة إلى الأمام وقدم تحية تجارية معيارية للقناطير
“هدية صغيرة، مجرد تعبير عن الاحترام”
رفع رأسه قليلًا، واستقر نظره على القنطور العرف الفضي الذي كان يتقدمهم، وكان جسده القوي يشبه تمثالًا تحت ضوء القمر، وعرفه الفضي يتمايل برفق في نسيم الليل، عاكسًا توهجًا كجدول صغير
قدم نيك زجاجة من نبيذ العرعر بكلتا يديه، وكان السائل الكهرماني يتموج بلطف داخل الزجاجة، عاكسًا إشراقًا يشبه العسل
“هذه شراب معتق منذ 30 عامًا، صنعه أقزام دوقية الصخر الأسود يدويًا، ويحظى بتفضيل كبير لدى الأرستقراطيين”
توقف لحظة في الوقت المناسب تمامًا، وعيناه مركزتان بصدق على الآخر: “سيدي العزيز، أيها القنطور الموقر، هل لي أن أعرف كيف أناديك؟”
أطلق العرف الفضي ضحكة عميقة
أخذ الزجاجة وقال: “نادني زاكلي فحسب”
ربط الزجاجة بمهارة إلى الحزام حول خصره، وكان مزينًا بنقوش عاجية، ثم أخرج خنجرًا عظميًا من صدره
“المعاملة بالمثل”
تحدث العرف الفضي بالصوت العميق المميز للقناطير، “هذا منحوت من أنياب ماموث عملاق، وفيه أنماط سحابية تحمل بركاتنا للمسافرين، ويمكنه جلب الحظ الجيد”
ومضت عينا نيك بلمحة مفاجأة، ثم ازدادت ابتسامته إشراقًا
أخذ الخنجر العظمي بكلتا يديه، وتحسس بأطراف أصابعه النقوش الدقيقة على العاج، ثم دسّه في صدره
على خلاف ساحر المستذئبين البارد سابقًا، كان هذا القنطور وديًا بوضوح أكبر
في الحقيقة، كان العرف الفضي، بصفته قائد الصيد في عشيرة العرف الأبيض، معتادًا على التعامل مع السفن التجارية على طول نهر إستونيا، ويعرف جيدًا كيف يجعل الطرفين يشعران بدفء مريح في تبادلهما، كما كان هو نفسه اجتماعيًا
أما قدرته على إغضاب التنين الحديدي ثم نيل غفرانه في النهاية،
فكانت كافية لإثبات “حكمة” العرف الفضي
بعد المجاملات الأولية، دخل الطرفان رسميًا في إجراءات التجارة
أنزل طاقم السفينة التجارية البضائع بكفاءة
نُقلت براميل من طاقة النفط الأسود اللزجة بحذر ورُصّت في أكوام صغيرة
وُضعت الحلوى الرقيقة وصناديق الخمر الخشبية معًا، وامتزجت رائحة الكراميل السكرية بروائح الكحول اللاذعة في نسيم الليل، بينما رُتبت أدوات الخيمياء الثمينة بعناية، عاكسة لمعانًا متنوعًا تحت ضوء القمر
جلب القناطير منتجات خاصة من منطقة الحدود
خامات ثقيلة من خام الحديد المغناطيسي الرمادي موضوعة في سلال منسوجة من الروطان، وكانت أسطحها مغطاة بأنماط حلزونية طبيعية، وجلود وحوش معالجة ناعمة وسميكة، ومخالب وأنياب مصنفة ومربوطة، ولا تزال حوافها الحادة تحمل رائحة دم خفيفة
وكان أكثر ما يلفت النظر صندوقًا
عند فتحه، عكست الأحجار الكريمة السماوية شظايا ضوء أزرق سماوي تحت ضوء المشاعل، رائعة إلى حد لا يوصف
“لا بد أن هذه الجواهر السحرية انتُزعت من مناجم دوقية ريموند”
بقي نيك هادئًا وفكر سرًا
رغم أن مصدرها لم يكن مشروعًا تمامًا، فإن لديه الكثير من الطرق لبيعها، ولم تكن مشكلة كبيرة
بينما كان المرؤوسون يحصون البضائع
دخل نيك والعرف الفضي في حديث عابر
أظهر العرف الفضي فضولًا تجاه أسلوب حياة وثقافة البلدان الجنوبية خارج منطقة الحدود، وقدم نيك بلا ملل ثقافة اتحاد لوثرن
كان كلاهما ماهرًا في التواصل، ويعرفان كيف يتصرفان، مما جعل علاقتهما أقرب بكثير عبر هذا التبادل
ومع ميل ضوء القمر غربًا، كانت كل البضائع قد أُنجزت معاملتها بالكامل
خفض نيك صوته، وفيه بعض الترقب والتوتر، وسأل: “زاكلي، إلى جانب التجارة العلنية… هل توجد بالصدفة أي تعليمات أخرى؟”
ابتسم العرف الفضي ابتسامة عريضة، وأومأ برفق
“اجعل قومك يبقون في أماكنهم”
“اتبعني”
عند تلك الكلمات، اتسعت ابتسامة نيك أكثر
أمر أعضاء سفينة الكنز بالبقاء هنا والانتظار، واقترب من القناطير مرة أخرى، ثم صعد بتعثر إلى ظهر محارب قنطور تحت إرشاد العرف الفضي، متجهًا أعمق نحو الشمال داخل منطقة الحدود
كانت سرعة القناطير عالية جدًا
كانوا يحملون كمية كبيرة من البضائع، وحوافرهم تترك آثارًا متفاوتة العمق على الأرض، ومع ذلك حققوا سرعة خاطفة حتى تحت الليل، وكانت أجسادهم الطويلة القوية تجمع بين القوة والسرعة، لكنها لم تقدم أي راحة على الإطلاق
لم يكن نيك معتادًا على ’الركوب’”
كان يُقذف حتى شحب وجهه، وشعر كأن أحشاءه تتقلب داخله، بينما تحول المشهد أمامه إلى ضباب من الألوان
لم تكن هناك لجم على القناطير، مما أجبره على التعلق بلا حياء بإحكام بالخصر والبطن العضليين القويين لمحارب القنطور الذكر حتى لا يسقط بالخطأ

تعليقات الفصل