الفصل 101: الانسحاب
الفصل 101: الانسحاب
لم يكن الحاجز وحده
فباستخدام أجسادها الضخمة كالجبال
راحت كثير من وحوش الهاوية، فور زحفها من تحت الأرض، تدمر أسوار المدينة وحتى المخابئ الدفاعية بخبث
كانت تلك المباني المشيدة من الحجارة الصلبة متينة بما يكفي لحماية معظم الضعفاء حتى من دون تعزيز الحاجز، وربما لم تكن معدات الحصار قادرة على إلحاق الضرر بها، لكنها بدت عديمة القيمة تمامًا أمام هذه الوحوش العملاقة التي جعلها أورساكا تتحور خصيصًا
كان الأمر أشبه بشخص بالغ يهدم كوخًا من القش، فكل ركلة تفتح ثغرة من دون الحاجة إلى أي جهد
وكانت ضربة عشوائية من أحد ذيولها كافية لقذف أشياء تزن آلاف الأطنان إلى أعالي السماء
أما الاصطدام العشوائي، فكان يجعل أسوار المدينة المتينة تهتز بعنف وتغطيها شقوق واضحة
كانت ببساطة أشد آلات الهدم عنفًا، وخلال لحظات قليلة، انهارت مساحات واسعة من الأسوار والمباني
ومن دون تأثير الصد الذي وفرته تلك المباني الخاصة
بدأت الأرض الملوثة وخط الدفاع في هذه اللحظة يتصلان رسميًا بعضهما ببعض
وبدأت كميات هائلة من الغازات السامة وغيرها من العوامل الضارة تتدفق إلى داخل خط الدفاع، وتلوث مناطقه الداخلية باستمرار
وأمام وضع كهذا
لم تكن أليسون وحدها، بل شحبت وجوه جميع الموجودين داخل خط الدفاع
لقد عرفوا أن الوضع اتخذ أسوأ منحى ممكن
وقف هنري على شرفة مقر إقامته، وراقب العدد الكبير من الوحوش الشبيهة بالأفاعي وهي تعيث فسادًا داخل خط الدفاع، إلى جانب الحاجز الذي تبدد بالكامل
وأمام هذا الوضع المفاجئ، ومن دون أي استعداد نفسي، وحتى مع خبرة هنري موير الواسعة ورباطة جأشه
فرغ ذهنه تمامًا، وامتلأ تعبيره بعدم التصديق، وكان من الواضح أنه لم يستوعب ما حدث في الوقت المناسب
وبعد فترة من الصمت، ومع ارتعاش خده قليلًا، تنهد أخيرًا بعجز، واستخدم مباشرة الأداة التي يحملها معه لإصدار أمر بالانسحاب إلى جميع أنصاف الحكام وممثلي الأعراق داخل خط الدفاع
وأمرهم بأخذ الجنود غير المصابين ومغادرة هذا المكان عبر مصفوفة الانتقال في أسرع وقت ممكن
لم يعد للصمود عديم الجدوى أي معنى
فمن دون التعزيز الذي كان يوفره الحاجز الخارجي، وبعد انهيار معظم المنشآت الدفاعية، لم يعودوا يمتلكون بقوتهم الحالية القدرة على مقاومة هذه الموجة من وحوش الهاوية
ولن يؤدي البقاء هنا إلى أي نتيجة سوى الموت
وكان ذلك بالتأكيد ضربة هائلة للقوى الأصلية في هذا العالم
ولذلك، كان على هنري موير أن يأمرهم بالمغادرة، فهو لن يسمح لهم بإهدار حياتهم في أمور عديمة المعنى كهذه
وأمام أمره، اختار أصحاب القوة الكثيرون جميعًا قبوله بعد فترة من الصمت
وبدؤوا الاستعداد للإخلاء
وبما أنهم تمكنوا من القدوم إلى خط المواجهة للخدمة، فمن الطبيعي أنهم لم يفتقروا إلى شجاعة القتال حتى الموت، لكنهم عرفوا أيضًا أن الوقت الحالي ليس مناسبًا للاندفاع الأعمى
لأن ذلك لن يحقق أي فائدة سوى إضعاف القوى الأصلية بدرجة أكبر
لذلك، حتى لو شعروا بالإحباط، وحتى لو لم يكونوا راغبين في ذلك
لم يكن أمامهم سوى ابتلاع هذا الشعور المرير
وبينما راقب هنري موير خياراتهم، أطلق زفيرًا بطيئًا، ووضع جهاز الاتصال في يده جانبًا، ثم تمتم لنفسه: ‘كنت أظن في الأصل أننا نستطيع الصمود شهرًا أو شهرين آخرين…’
فوفقًا لخطته، ما دام قادرًا على الحفاظ بصعوبة على النظام داخل خط الدفاع، فسيستطيع، بصفته الطرف الخاسر، شراء بعض الوقت مرة أخرى للممالك المختلفة خلف خط الدفاع، مما يمنحها مدة كافية نسبيًا لتعزيز خط الدفاع الثاني وحشد القوات من الأماكن الأخرى
وبهذه الطريقة، حتى لو ازداد الوضع سوءًا بسبب انهيار خط الدفاع هذا، فسيظلون قادرين بالكاد على حماية أنفسهم
لكن التغير المفاجئ في الوضع خلال هذه اللحظة باغته مرة أخرى
فمن وجهة نظره
كان المدبر الخفي يعرف بوضوح أن إطالة الأمر لن تحقق له أي فائدة، ولذلك رفض تمامًا منحه فرصة للمماطلة، واستعد لحسمهم مباشرة بضربة واحدة
راقب هنري الوحوش العملاقة وهي تعيث فسادًا في المسافة، وسحب بصمت السلاح الموجود عند خصره
ثم اختفى من مكانه في لحظة، واندفع بسلاحه نحو أحدها
وعلى الرغم من أنه تولى مسؤولية الشؤون الداخلية منذ استلامه خط الدفاع، ولم يخض قتالًا منذ عقود، فإن مهاراته لم تتراجع كثيرًا، وتمكن خلال بضع حركات من إصابة ذلك الوحش، الذي اقتربت قوته من الرتبة الأسطورية، بجروح خطيرة
ومع ذلك، لم يشعر بأي ارتياح في قلبه، بل ازداد ثقله
لأنه بمجرد نظرة عشوائية، استطاع رؤية آلاف الأفاعي العملاقة المشابهة وهي تتجول داخل خط الدفاع وتدمره
وفي نظره، ظلت بنية حياة هذه الأفاعي العملاقة بدائية إلى حد ما، ولا بد أنها ظهرت خلال هذه الفترة القصيرة، ولم يكن هناك اختلاف جوهري بينها وبين الوحوش التي تحولت من مختلف الأعراق وحتى الأشياء المتنوعة داخل خط الدفاع
لكن هذا كان يعني أيضًا أن جانب وحوش الهاوية أصبح يمتلك القدرة على إنتاج وحوش قوية بأعداد هائلة خلال فترة قصيرة
ويجب معرفة أنه رغم ضعف هذه الوحوش الشديد أمامه، فإن ذلك لم يغير حقيقة أن قوتها كانت قريبة من الرتبة الأسطورية، ولو أرادوا تنمية أصحاب قوة بهذا المستوى، لاحتاجوا إلى عدة عقود على الأقل
أما جانب وحوش الهاوية، فقد أنتج خلال أكثر بقليل من عشرة أيام مجموعة هائلة تحت أنظارهم مباشرة
فكيف له ألا يشعر بالصدمة
وعندما تذكر الأعوام المئة الماضية، وجد أن تلك الوحوش ماتت على دفعات، فلم تمت بأيديهم فحسب، بل كانت تتقاتل فيما بينها كثيرًا، ومع ذلك لم يحدث قط أي نقص في أعدادها
وفكر بذهن شارد: ‘هل يمكن أنها تنمو حقًا من الأرض؟ هل هذا هو سبب عجزنا عن قتلها جميعًا مهما فعلنا؟’
ومن دون أن يدرك، كان قد خمن الحقيقة تقريبًا
فعلى الرغم من أن الشياطين لا تنمو من الأرض، بل تنشأ من ستيكس، فإنها في النهاية نوع من الكائنات التي تُنتج بأعداد هائلة
وما لم يجف ستيكس، فإنها تتكاثر أسرع من الثوم المعمر، وتشبه خطوط الإنتاج أكثر من خطوط الإنتاج نفسها، ومهما اندفعت نحو الموت، ستظل منها كميات هائلة تركض في كل مكان
لكن ما لم يتوقعه هو أن هذه الوحوش الشبيهة بالأفاعي، رغم أنها ظهرت بالفعل خلال بضعة أيام فقط، فإن الطاقة التي استُهلكت في نموها جاءت من احتياطيات الطاقة التي تراكمت لأكثر من مئة عام داخل عقد الحاجز الموجودة تحت الأرض
كان وضعهم يعادل استخدام أورساكا لهم ليستعير دجاجة تبيض له
ولولا مساهمتهم السخية
لما استطاع أورساكا جمع كل هذه الطاقة حتى لو استنزف نفسه بالكامل، ولما سنحت له فرصة إظهار قدراته
وكان أقصى ما يستطيع فعله هو العبث بأسلوب الشر المقيم أو النموذج الأولي، وإثارة اشمئزاز السكان داخل خط الدفاع وتقليل قوتهم القتالية باستمرار، لكنه لم يكن ليتمكن مطلقًا من عرض نسخة سحرية من الأناكوندا
وكان من الممكن القول إن نجاحه في القضاء على خط الدفاع هذا دفعة واحدة فاق توقعات أورساكا أيضًا، لأن خطته الأولية لم تكن سوى تنفيذ خدعة تعتمد على التنسيق بين الداخل والخارج
لكنه غير رأيه فورًا بعد عثوره على عقد الحاجز تلك
‘بما أن تلك الحواجز عاجزة عن اكتشاف طاعوني، فلماذا لا أحدث ضجة هائلة؟’
وبهذه الفكرة، أثار أورساكا المنطلق بلا قيود الوضع الحالي كله

تعليقات الفصل