تجاوز إلى المحتوى
شيطان هاوية العوالم

الفصل 20: التجول

الفصل 20: التجول

بعد أكثر من عشر دقائق، توقفت عند المدخل عربة فاخرة تجرها أربعة خيول بيضاء نقية، وكانت عدة أعلام معلقة فوقها

صعد أورساكا إلى داخلها برفقة مدبرة المنزل وخادمتين جميلتين

لم تكن العربة فاخرة الزخارف من الداخل فحسب، بل كانت واسعة جدًا أيضًا؛ ولم تكن ستجد أي مشكلة في استيعاب خمسة أو ستة أشخاص

ومع ذلك، باستثناء أورساكا الذي جلس براحة تامة، بدت النساء الثلاث متحفظات بعض الشيء، وجثون باحترام إلى جانبه

لم يهتم بذلك، وقال للسائق بهدوء: “لا توجد وجهة محددة، تجول في الأنحاء فحسب”

نظر أورساكا عبر ستائر العربة إلى آثار الدماء التي كانت لا تزال ظاهرة بصورة خافتة على جوانب الطريق، ونادرًا ما خلا ذهنه من التفكير؛ فلم يكن يفكر في أي تعويذة، ولا في الخطوة التالية من خطته

بل كان يتأمل بهدوء المشاهد المحيطة، التي تشبه مدن العصور الوسطى الغربية في حياته السابقة

وبصفتها عاصمة ملكية لدولة تمتلك تاريخًا يمتد آلاف الأعوام في عالم سحري، كانت عاصمة إمارة ماردون أضخم بلا شك من المدن القديمة على الأرض، فقد بلغ ارتفاع أسوار المدينة وحدها نحو خمسة وعشرين مترًا، وكانت الطرق مرصوفة بعناية وينظفها أشخاص مخصصون لذلك، في اختلاف تام عن الظروف القذرة للعصور الوسطى الغربية على الأرض، حيث كانت الفضلات منتشرة في كل مكان

كانت الثقافة والحضارة متقدمتين كثيرًا مقارنة بالأرض القديمة، لكن التقنية لم تتطور كثيرًا بسبب ضغط القوى الخارقة وتشابك مختلف القوى، فبعد سبعة أو ثمانية آلاف عام، ربما لم تصل إلا بالكاد إلى مستوى عصر النهضة في العصور الوسطى

لكن بما أن العلامات بدأت بالظهور بالفعل، فقد توقع أورساكا مسبقًا أن تزدهر التقنية مستقبلًا وتقمع القوى الخارقة

كان نظام القوى الخارقة في هذا العالم ضعيفًا في النهاية بسبب محدودية تركيز الطاقة، ولم يكن قادرًا على فرض قمع مطلق على الفانين، وبمجرد أن يمتص الفانون ما يحتاجون إليه للنمو، فلن تستطيع القوى الخارقة استعادة زمام التاريخ أبدًا، ولن تصبح سوى رمال وحجارة تجرفها السيول

لم يحمل أورساكا أي تحيز أو إعجاب خاص تجاه التقنية، لكنه رأى أن مسار التقنية في مراحله الأولى أسهل فعلًا من طريق التعاويذ، لأنه يستفيد من كثرة الأعداد لجمع الحكمة

فالمسار الخارق، مقارنة بقوة الجماعة، يهتم أكثر بالاستعداد الشخصي والموهبة الفطرية!

من يمتلك القدرة ينجح، ومن لا يمتلكها يفشل، وقد تنتج صيغة تعويذة واحدة آثارًا مختلفة تمامًا بين أيدي أشخاص مختلفين، مما يمنع انتشارها على نطاق واسع، أما المسار التقني فكان مختلفًا تمامًا؛ إذ لا يتغير معنى الصيغة الحسابية باختلاف استعداد الشخص، ولا توجد سوى فروق في الذكاء والقدرة على الفهم

ومن هذه الناحية، وبالنظر إلى سهولة تعميمه وحدها، كانت التقنية أفضل

حتى الهاوية لم تخل من كائنات تسلك المسار التقني، مثل شياطين المفاعلات النووية الموجودة في ذكريات إرثه، والتشوهات اللحمية الميكانيكية وما شابهها، كما كان من الطبيعي جدًا أن يحمل الجميع الأسلحة ويطلقوا أصواتًا مدوية!

لكن إحدى مشكلات الجانب التقني هي أنه بعد الانتقال إلى عالم مختلف، قد تختلط البيانات بسهولة أو تفشل الصيغ الحسابية بسبب اختلاف القواعد الأساسية للعالم، ومن يحالفه الحظ لن يستطيع استخدامها مؤقتًا فحسب، أما سيئ الحظ فقد تمحوه قوة رفض العالم في مكانه

فعلى سبيل المثال، قد تعطي صيغة فيزيائية ناتجًا يساوي 1 في العالم الأول، بينما تعطي ناتجًا يساوي 15 في العالم الثاني، وكان هذا أمرًا غير مقبول تمامًا بالنسبة إلى المنتجات التقنية الدقيقة

لذلك، فرغم أن قيادة سفينة فضائية لشن حملة على عالم مختلف كانت فكرة جيدة، فإنها كانت معرضة أيضًا للسقوط المتكرر وموت ركابها عند عتبة موطنهم

ولم تكن سوى قلة نادرة جدًا من القوى الواقفة عند قمة الحضارات التقنية قادرة على تجاهل قواعد المستوى المختلف، وتغيير القواعد الأساسية للعالم كما تشاء لتوسيع مستعمراتها، ومعاملة الأكوان المتعددة كأنها مرعى خاص بها

وعلى الرغم من ثقة أورساكا بقدرته على سلوك الجانب التقني بمساعدة النظام، فإن اهتمامه لم يكن هناك

ففي النهاية، لم يكن عليه سوى الاهتمام بنفسه وتجنب المتاعب، ولم تكن هناك فائدة من سلوك الجانب التقني، الذي يبرع في تطوير المسارات الجماعية وبناء الحضارات، ومجرد التفكير في اضطراره إلى تسلق شجرة التقنية داخل مكان مثل الهاوية، حيث القواعد فوضوية، جعله يشعر بأنه يسعى إلى الهلاك

ولن يمنحه أبناء جنسه الودودون فرصة للتطور ببطء، وبالمقارنة مع ذلك، كان سلوك المسار الخارق واستخدام العضلات والتعاويذ لضرب كل من يعترض الطريق حتى الموت أكثر واقعية

تحركت العربة عبر شوارع العاصمة الملكية، وكان عامة الناس يلقون عليها نظرات فضولية من وقت إلى آخر

ولم يصادف أورساكا أي شخص أعمى عن مكانته، بل على العكس، ابتعد الجميع عن عربته بأدب واحترام، ومنحوا الأعلام الملكية المعلقة فوقها ما يكفي من التقدير

جعل ذلك أورساكا، الذي شعر ببعض الملل، يضيق عينيه قليلًا، ويسند خده إلى يده، ويراقب بلا نشاط أحوال الناس المختلفة خارج النافذة عبر الستائر

‘كم هو ممل، أريد العثور على شخص أقاتله…’ فكر بعجز

لاحظت مدبرة المنزل أن أورساكا يشعر بالملل، ففكرت للحظة، ثم سألته باحترام وبصوت خافت: “سيدي، هل ترغب في زيارة نادي القمة أم حديقة الوحوش؟ فهما أكثر مكانين يحبهما نبلاء العاصمة الملكية”

كان نادي القمة أفضل دار ترفيه في العاصمة الملكية، وكان معظم العاملات فيه نساء من أصول جيدة تعرضت عائلاتهن لمصاعب، وتفوقن كثيرًا على العاملات العاديات في المظهر والثقافة، ولم يكن المكان يستقبل عادة سوى النبلاء والتجار الأثرياء، أما حديقة الوحوش فكانت تقوم على الفكرة نفسها التي قام عليها مدرج الوحوش الروماني، وكانت من أكثر وسائل الترفيه بدائية وقسوة، إذ تستخدم حياة المحكوم عليهم بالموت والعبيد للتسلية، ويمكن اعتبارها أكثر أشكال الترفيه رواجًا في العاصمة الملكية

كان عامة الناس والنبلاء كثيرًا ما يراهنون على المنافسات داخل حديقة الوحوش، وقد خسر كثيرون كل ما يملكون وأفلسوا بسببها

بعد أن فكر في الأمر، قال أورساكا: “لنذهب إلى حديقة الوحوش، فلا أهتم بأماكن مثل نادي القمة، وإذا أردت بعض التسلية، فوجودكن بجانبي يكفيني”

على الرغم من أن عرق الشياطين لم يكن يهتم كثيرًا بقيود التعامل، فإن ذكريات حياته السابقة بصفته إنسانًا جعلته يميل إلى الخصوصية، ويشعر بشيء من التملك الغريب في هذه الأمور، ولذلك لم يكن مهتمًا بوسائل الترفيه العامة، وإذا أراد الصحبة، أفلم تكن مدبرة المنزل والخادمتان بجانبه موجودات لهذا الغرض؟

وبما أن جيم ووز رتبهن خصيصًا لخدمته، فلا بد أنهن من أعلى مستوى في جميع الجوانب، فهل يمكن أن يكن أقل من العاملات الرفيعات في تلك الأماكن؟

عند سماع كلمات أورساكا، احمر وجه مدبرة المنزل، لكنها لم تقل الكثير

مَــجـرَّة الـروايَات هي المالكة الحصرية لهذه الترجمة، شكراً لكونك قارئاً وفياً لموقعنا. galaxynovels.com

وبصفتها مدبرة منزل نبيلة، وعلى الرغم من أن مكانتها كانت أعلى بكثير من عامة الناس، فإنها لم تكن قادرة على مخالفة سيدها، لأن جميع سلطاتها جاءت من أورساكا، كما أنها كانت مستعدة نفسيًا منذ وقت طويل لأداء كل ما يدخل ضمن واجباتها

وبصفتها امرأة جميلة وحسنة الهيئة، كانت تعرف بوضوح أن حسن الحضور واللباقة من أهم المزايا التي تمتلكها

وعندما اختيرت لتلقي تدريب مدبرات المنازل، كانت تتمنى مرارًا أن تقابل سيدًا صالحًا

أما أورساكا، سواء من حيث طباعه أو مظهره أو مكانته التي جعلت حتى ولي العهد يتعمد التقرب منه، فيمكن وصفه بأنه أفضل سيد قد تحصل عليه!

بل تجاوز توقعاتها الأولى بكثير، وجعلها تشكر حظها كثيرًا، ولذلك لم تجد سببًا لمعارضة أي شيء…

لكن ما لم تكن تعرفه هو أنه لو علم أورساكا بأفكارها، لقال بالتأكيد إن الحكام الذين ترجّت عونهم إما عميان أو هالكون، ما دام شيطان مثله استطاع التسلل بينهم وإكمال العدد، وباختصار، لم يعد هناك أمل فيهم!

بعد وقت قصير

توقفت العربة أمام بوابة مقوسة عملاقة منحوتة من الرخام

ارتجف فورًا عدة شبان يرتدون زي الخدم عندما رأوا طراز العربة والأعلام المألوفة المعلقة فوقها!

وبابتسامات متملقة أشد حميمية من ابتساماتهم لآبائهم، نقلوا باحترام درجة صغيرة مصنوعة من خشب الماهوغني، ووضعوها بجوار العربة لتكون موطئًا لقدم الزائر

فُتح باب العربة، ونظر أورساكا إليهم من الأعلى للحظة، ثم نزل فوق الدرجة الصغيرة

وتبعته مدبرة المنزل والآخريات عن قرب، ووقفن باحترام إلى جانبه، بحيث أمكن معرفة صاحب المكانة من النظرة الأولى

أسرع رجل في منتصف العمر، ممتلئ الجسد قليلًا ويرتدي ملابس مناسبة، نحوهم بابتسامة على وجهه، وكان على وشك إلقاء التحية

لكن عندما رأى مظهر أورساكا الوسيم والشرير، تجمد تعبيره للحظة!

شعر قرمزي وعينان حمراوان ببؤبؤين ذهبيين؛ حتى هو، رغم معرفته الواسعة وخبرته الكبيرة، لم ير قط ملامح كهذه

لكن الابتسامة عادت سريعًا إلى وجهه، وقال لأورساكا: “سيدي، أنا أحد المشرفين هنا، وأدعى مانان أورتيس، تبدو غير مألوف للغاية، فهل هذه أول مرة تزور فيها المكان؟”

حرّك أورساكا أنفه قليلًا، وشم رائحة أحبها

أدار رأسه ونظر إليه باهتمام، ثم سأله: “نعم، هل لديك أي عروض ممتعة تقترحها؟”

عندما رأى الطرف الآخر أن أورساكا مهتم قليلًا، قال بحماس: “كنت أتساءل عن سبب عدم رؤيتي لك من قبل؛ ففي النهاية، أنت لافت للنظر إلى درجة أنني لو رأيتك سابقًا لما نسيتك، لكنك جئت فعلًا في الوقت المناسب اليوم، فمبارزة بين أسد تشييا السحري وفارس عظيم ستبدأ قريبًا، وكلاهما من أفضل ما أنفقت غرفة التجارة أموالًا طائلة للحصول عليه، ويمتلك كل واحد منهما قوة تكفي لهزيمة مئة شخص، وستكون المواجهة بالتأكيد أحد أبرز عروض هذا العام!”

أومأ أورساكا وقال ببساطة شديدة: “أوه؟ هذا ليس سيئًا، رتب لي مقعدًا، من أفضل نوع”

“حسنًا، أضمن لك ترتيب أفضل مقعد، لكن بما أن هذا عرض مهم، فسيكون السعر أعلى قليلًا من المعتاد، وسيبلغ 700 عملة ذهبية…”

“لا مشكلة”

لوّح أورساكا بيده بلا اكتراث، مشيرًا إلى مدبرة المنزل لتدفع المال

راقب مانان أورتيس أورساكا بينما يقوده أحد خدم حديقة الوحوش إلى الداخل، وبعدما ظل وجهه مشرقًا بابتسامة بسبب إتمام صفقة جديدة، عقد حاجبيه بصورة يصعب ملاحظتها

‘هجين؟ أم شيء آخر؟’

‘آمل ألا يؤثر في الخطة…’

لم يسمع قط عن أي عرق شبيه بالبشر يمتلك شعرًا أحمر وعينين بهذه الخصوصية، فقد كانتا تشبهان عيني التنين الأسطوريتين، ومجرد تحديق أورساكا فيه منحه شعورًا غريبًا يصعب وصفه، وجعله لا يرغب مطلقًا في التواصل معه

لكن العلم الملكي المعلق فوق تلك العربة، إلى جانب طباعه وهيئته المليئتين بهيبة نبيلة يصعب وصفها، جعلا مانان أورتيس لا يجرؤ على إثارة شكوكه إطلاقًا، ولم يكن أمامه سوى معاملته ودعوته إلى الداخل كما كان يفعل مع الضيوف العاديين

سار أورساكا داخل الممر المزخرف بفخامة، وهو يدندن بأغنية أطفال مرعبة شائعة في إمارة ماردون، وكان مزاجه جيدًا للغاية

‘يا لها من رائحة خطايا كثيفة؛ أشعر كأنني عدت إلى الهاوية، يا له من إحساس مألوف…’

كان لهذا المكان مظهران في عينيه

أحدهما الفخامة المبهرة التي تراها العين المجردة، والتي حملت داخل ترفها إرثًا ثقافيًا عميقًا، ومن الواضح أنها مرت بتراكم تاريخي طويل، أما المظهر الآخر فكان أن كل شبر من الأرض يفوح بالخطايا، كما لو أنه طُلي بطبقات لا تُحصى من الدماء، وظلت أحقاد لا حصر لها عالقة هنا منذ زمن طويل، بل تشبثت بالمكان بقوة

حتى كثير من ساحات القرابين التابعة للطوائف الشريرة لم تمتلك هذه الصفة، ولم يكن الوصول إلى هذه الدرجة ممكنًا إلا بعد تراكم أعوام طويلة

بل إن الخطايا والقسوة الموجودة فيه جعلتا أورساكا يتذكر أبناء جنسه البسطاء الموجودين في الهاوية

التالي
20/110 18.2%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.