تجاوز إلى المحتوى
الزراعة الروحية بدأت بتوقيع موهبة الخالد

الفصل 146

الفصل 146: اندماج الحدقتين، حديقة أدوية كونلون لذوي العمر الطويل

طبيعيًّا، لم يكن على هان شوانجي أن يقلق بشأن الترتيبات التفصيلية

في الحقيقة كانت هذه أيضًا بادرة خير من طائفة كونلون لذوي العمر الطويل تجاهه

وبالنسبة لطائفة كونلون لذوي العمر الطويل، المهيمنة على الولاية الوسطى وذات الجذور العميقة، فإن دعم طائفة شنشوان من الولاية الزرقاء الشرقية ليس إلا أمرًا هيّنًا

إذ ينبغي العلم أن هان شوانجي أنقذ واحدًا من أسلافهم من ذوي الصعود العظيم وتلميذ نواة في طائفة كونلون لذوي العمر الطويل

وكان هذا الجميل عظيمًا لا يُنكَر

تحدّثوا طويلًا، وتعلّم هان شوانجي من أفواههم كثيرًا من المعلومات التي لم يكن يسهل عليه الوصول إليها من قبل

وعند غروب الشمس تلونت جبال كونلون بذهب المساء

وبقيادة الشيخ لينغيون شخصيًّا وصل هان شوانجي ببطء إلى موضع الزراعة الهادئ الذي خصصته له طائفة كونلون لذوي العمر الطويل

كان هذا المكان على قمة تُدعى “قمة الصفاء السماوي”

البيئة هنا عميقة ساكنة، عيونٌ جارية وشلالات، وأشجار عتيقة، والهواء مفعم بطاقة النبات العذبة وحلاوة طاقة الينابيع الروحية، فتصفو النفس

وعلى القمة بُنيَ مبنى خيزراني بديع، يلفّه الضباب والسحاب، ويكشف مشهدًا بانوراميًا لبحر السحب المتلاطم وقمم كونلون البعيدة

أما الداخل فبسيط أنيق مكتمل الأدوات، ما يدل بوضوح على أنه كان يومًا موضع اعتزال لمزارع عظيم

ومن الجلي أن طائفة كونلون لذوي العمر الطويل اختارته على قصد، علمًا منهم بأن هان شوانجي يفضّل الأجواء الهادئة

ابتسم الشيخ لينغيون واستأذن بالانصراف، فبقي هان شوانجي وحده في المبنى الخيزراني

وخارج النافذة هوت آخر خيوط الشفق خلف القمم، ولم يبقَ سوى حفيف الريح بين أوراق الخيزران وهمس الينبوع الروحي البعيد، مما زاد العالم فراغًا ورحابة

أخرج هان شوانجي حصير التأمل للإدراك، وجلس متربعًا وأغمض عينيه برفق

“استلام المكافأة”

تمتم في قلبه وقد تملكه الشوق لنيل ميزة “الحدقتين”

وفي اللحظة التالية

اندفع تيار دافئ فجأة إلى عينيه

وشعر هان شوانجي بوضوح بتحول ما يطرأ على عينيه

دويّ

في أعماق حدقتيه بدا كأن الفوضى الأولى قد خُلِقت

كانت عيناه تتحولان وتسموان على نحوٍ يتعذر وصفه، وبدأت ظواهر شتى تتطور داخل حدقتيه

تنقّل الشمس والقمر، والطرق الست للولادة الجديدة، وعدد لا يُحصى من ذوي العمر الطويل ينحنون

بدت في تلك اللحظة وكأن نشأة الكون تتجلى داخل حدقتي هان شوانجي، تستقرئ تبدّل كل ظواهر العالم، وتُعرض طرق السماء والأرض العظمى كلها في عينيه، كأنما تنحصر كل الحقائق العميقة للعالم بأسره في حدقتين صغيرتين

وفي داخل المبنى الخيزراني بدا الزمن متوقفًا، حتى إن ضوء القمر المتسلل عبر النافذة توقّف لحظة

وبعد حينٍ طويل

ياللحدقتين… حقًا استثنائيتان

استوعب هان شوانجي ما فاض عليه من معلومات بعد اندماج الحدقتين، فامتلأ قلبه بدهشة وبهجة يعجز عن وصفهما

مع الحدقتين ازدادت قدرته على فهم طريق السماء والأرض العظمى

وصار يملك رؤية تنفذ عبر كل الأوهام، لا يقتصر أمرها على كسرها، بل تُشَرِّح حركات الخصم فورًا، وتُبطئ سرعته إلى ما لا نهاية، وتستنبط مواطن ضعفه

وعند هذه الدرجة صارت قدرة عين دونغشو العظمى شبه عديمة الجدوى بالنسبة له

وهذه ليست إلا القدرات الأساسية الفطرية

فوق ذلك، ترافق الحدقتين عدة تقنيات حدقية بالغة القوة

غير أن هان شوانجي لا يقدر حاليًا إلا على اثنتين: عينه اليمنى تطلق نور الإبادة العظيم، الحامل لحقائق الموت العميقة، وهو شديد الفاعلية

وعينه اليسرى تطلق أشعة الحياة، المفعمة بالخلق والحيوية التي لا تنضب، حتى إنها تعيد الشجر اليابس حيًّا

وهناك تقنيات حدقية أخرى أشد رعبًا، لكنها لم تُفتَح بعد في مجاله الراهن

ومع ذلك فقد أفادته فائدة عظيمة

“هل هذه… الهيئة السامية الفطرية”

روّض هان شوانجي ما في أعماق حدقتيه شيئًا فشيئًا حتى هدأ، وغدت عيناه لا تختلفان عن عينَي إنسان عادي مظهرًا، لكنهما أعمق وأكظم، كأنهما مجرّتا نجوم لا قرار لهما

ولا ريب أنها موهبة جبارة نادرة عبر العصور، حتى في العالم العلوي حيث النخب كالسحاب

إنها موهبة جسدية بالغة القوة

خارج النافذة كان بحر السحب يمور بلا صوت، وكان ضوء القمر كالطل

وظل المبنى الخيزراني صامتًا كما كان

جلس هان شوانجي متربعًا يعقد العزم على الأنس بهذه الحدقتين والتدرّب عليهما

وفي الوقت نفسه، على بُعد آلاف الأميال

طائفة شنشوان، قاعة سيد الطائفة

داخل القاعة عُلّقت الشموع العتيقة عاليًا، وتمايلت فوانيس خزفية مزججة بنورٍ وادع

وكان سيد الطائفة شوان ويزي منكبًّا على مكتبه، يخلّص أكوام شؤون الطائفة بدقة

الوضع الآن ليس كالسابق

فمع ذيوع سلسلة إنجازات هان شوانجي أدركت قوى كثيرة أن صعود طائفة شنشوان صار لا يُوقَف

حتى إن بعض القوى الكبرى وراء البحار بدأت تعقد صلات ودّ مع طائفة شنشوان، بل وتتواصل بمنتهى التواضع

مثل هذا المشهد لم يكن ليتخيله من قبل

وقد دخل مجاله الآن مرحلة اتحاد الجسد

حتى إن شوان ويزي أضحى يشعر هذه الأيام بشيء من “العناء”

فالدعوات اليومية للزيارة لا تُحصى كثرة، حتى اضطر إلى تصنيف القوى المختلفة بحسب الرتب

أما الحلفاء الذين لم يعينوا وقت حصار طائفة الشياطين السماوية فمن الأفضل الاستغناء عنهم

وأما من سبق أن احتكّ بطائفة شنشوان اصطدامًا

فلا حاجة إلى الالتفات إليه أبدًا

فجأة

اهتزّت تعويذة يشمٍ عتيقة من غير إنذار، وخفقت بنورٍ روحيٍّ ناعم

توقفت حركة شوان ويزي فجأة، وزال عنه إرهاق الشؤون في لحظة، وارتفعت روحه وطاقته دفعة واحدة

إنها تعويذة الاتصال اليشمية الخاصة بهان شوانجي

انجلت الأفكار المعقدة كلها في التوّ، فاعتدل جالسًا بحرصٍ لا شعوري، ثم فتح التعويذة

كانت رسالة هان شوانجي وجيزة

ستقيم طائفة كونلون لذوي العمر الطويل علاقات ودّ مع طائفة شنشوان، وعندها سيتباحث سيد طائفة كونلون معه في الترتيبات التفصيلية

ها

طائفة كونلون لذوي العمر الطويل

سقط قلمُه الروحي على الطاولة

لكنّه كأنه لم يشعر

ارتسم على وجهه العتيق أولًا الذهول والجمود، ثم احمرّ فجأة، واتسع فمه دون أن يضبط نفسه

هاهاهاهاها

كان شوان ويزي في تلك اللحظة كالطفل، يشير بذراعيه في كل اتجاه وترتجف لحيته من الفرح

“إقامة علاقات مع كونلون”

لقد فقد شوان ويزي كل وقاره

وغمره الفرح تمامًا

فهذا ليس خبرًا سارًا فحسب، بل كأن نور سعدٍ بتسعة ألوان انفجر من قبر الأسلاف لطائفة شنشوان، ورعودًا عظام دوّت في قاعة الأسلاف

وما معنى ذلك

معناه أن طائفة شنشوان وصلت صِلة بالملاذ المكرم الأعلى في الولاية الوسطى، طائفة كونلون لذوي العمر الطويل

وأن منزلة الطائفة ستتبدل تبدلًا يهزّ الأرض

وحتى لو صعد هان شوانجي آنذاك فسيحسب الآخرون ألف حساب قبل أن يتحركوا

وكل هذا

بفضل هان شوانجي

تنهد شوان ويزي على الفور متعجبًا من أيّ سعدٍ جلب لطائفة شنشوان مثل هذا الشخص

أما بالنسبة لهان شوانجي، فقد أعدّت له طائفة كونلون لذوي العمر الطويل أعلى درجات الضيافة ومنحته صلاحيات واسعة

يجوز له دخول أكثر مناطق الطائفة حرمة بحرية، ما عدا بعض الأراضي المحظورة

ولم يكن هان شوانجي على عجل لقصْد الأراضي المحظورة؛ ففي طائفة كونلون لذوي العمر الطويل مواضع كثيرة يمكنه التسجيل فيها

في هذا اليوم، قبيل الفجر، ولم تتبدد الضبابات الرقيقة بعد

في أعماق كونلون

غازات وسحب تلتف، ونباتات ذوي العمر الطويل في كل مكان

هذا الموضع تسميه طائفة كونلون لذوي العمر الطويل “حديقة الأدوية لذوي العمر الطويل”، وقد زُرِع فيها كثير من الجذور الروحية، وكلها نوادر يصعب العثور عليها في الخارج

وما إن وطئ هان شوانجي المكان حتى تدفقت نحوه طاقة روحية لا حد لها، حتى كادت تتكاثف قطَرًا

وكانت التربة السوداء تحت قدميه تنبض حيوية قوية

وإلى مدّ البصر، نقط ضوءٍ روحي، وألوان زاهرة، وأزهار غريبة وأعشاب نادرة في كل صوب، وغانوديرما روحية تنفث خيوطًا دخانية، وثمار قانية يتقاطر عليها الندى، وكروم ذوي العمر الطويل تلتف على أشجار عتيقة

وكانت هناك جذور روحية مجهولة تلفظ طاقة روحية، وعطرها ينعش القلب

وفي أعماق الحديقة، تحت شجرة خوخ عتيقة غير لافتة، جلس شيخ بثوب كتان رمادي خشن

كان الشيخ نحيلًا، ووجهه العتيق كأنه اندمج بالصخرة تحتَه، وهالته خافتة لدرجة أنك إن لم تتعمّد الإحساس بها فاتتك بسهولة

لكن في عيني هان شوانجي لم تكن طاقة ذوي العمر الطويل التي تسري حول الشيخ ضعيفة؛ فقد كان بلا ريب مزارعًا في الرتبة الثالثة من مجال الصعود العظيم

ومع وجود هذا الشخص حارسًا على أرضٍ كهذه من الكنوز، فإن أي سفهاء جهلة لو تجرؤوا على التطفل لما عرفوا كيف هلكوا

كان شيخ الحديقة في الأصل متأملًا مطبق الجفنَين، يمتصّ أنقى الطاقات الروحية في الحديقة

وما إن وطئ هان شوانجي الحديقة حتى فتحت عيناه العكرتان ببطء

كان الشاب الداخل إلى حديقة الأدوية، بثياب بيضاء كالثلج، ذا وجه وسيم غير مألوف في العالم البشري، ولا أثر لحدّة أو تعالٍ عليه

ذلك السَّمْت الوادع، ظاهرًا وباطنًا، بدا كأنه في وفاق مع إيقاع الطريق في هذا العالم، ما يجعل كل من يراه يستشعر له وُدًّا

“هذا الشيخ فنغ شيانزي يحييك يا رفيق الطريق هان”

نهض شيخ الحديقة وابتسامة صادقة على محيّاه

“لقد أسدى الرفيق هان للطائفة معروفًا عظيمًا، فلك أن تأخذ ما تشاء من هذه الحديقة”

كان صوته شيخًا لكن نبرته هادئة رصينة، يعامل هان شوانجي نِدًّا

التالي
146/396 36.9%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.