الفصل 147
الفصل 147: استعادة ذكريات الماضي تحت شجرة الخوخ
لمّا رأى الشيخَ حارسَ الحديقة يظهر أمامه في لمح البصر، ابتسم هان شوانجي ابتسامة خفيفة، وضمّ قبضتيه محييًا وردّ التحيّة
«رفيق الداو فنغ شيان، تكرّمتَ كثيرًا؛ ما فعلتُه ليس معروفًا كبيرًا، بل مجرّد جهد يسير
سمعتُ طويلًا أنّ حديقة أدوية كونلون طويلة العمر تجمع النوادر من شتى الأصقاع، واليوم تجاسرتُ فأقلقتك لأُلقي نظرة على أساس الطائفة طويلة العمر، وآمل ألّا يمانع رفيق الداو»
«هاهاها، تبالغ يا رفيق الداو، فهذه الحديقة لا تخفي أسرارًا عظيمة، تفضّل وتصفّح كما تشاء» ضحك فنغ شيانزي ضحكة وادعة وقد تكوّن لديه أصلًا انطباع حسن عن هان شوانجي، وحين رأى تواضعه ازداد في قلبه وُدّ غريبٌ لهذا الصغير
حتى لو كان هذا الصغير أقوى منه
وسار فنغ شيانزي بجِدٍّ وهو يقدّم هان شوانجي قائلًا
«تفضّل يا رفيق الداو وانظر، هذه «كرمة دمّ التنين بنخاع اليشم» وجدتها في أطلال قديمة، وعصارتها كهشيم دمّ التنين ونخاع اليشم، ولها آثار باهرة في صقل الجسد وصياغة الروح السماوية
وهذه «لوتس زهرة الكنز ذات الألوان السبعة»، تخرج سبع زهرات في نبتة واحدة، وهي كنز رفيع لفهم الداو وصناعة الحبوب
وهذا «عشب قطبيّ التنين والعنقاء»، لا ينمو إلا حيث يلتقي القُطبُ الشديد من البرد بالقُطب الشديد من الحرّ، وفيه قوة الينّ الشديد واليانغ الشديد»
كان يذكرها كأنها جواهر موروثة في عائلته، وفي حديثه نبرة فخر خفيّة لا تكاد تُرى
فهذا المكان في الأصل كنز كونلون، وهو أيضًا إرث مزارعي الأدوية من ذوي العمر الطويل، وما في هذه الحديقة من دواء طويل العمر ودواء روحي هو حصيلة سنين لا تُحصى لسلسلتهم، وشاهدٌ على ماضيه كذلك
أصغى هان شوانجي مبتسمًا، وجال ببصره ببطء على ما في الحديقة من نباتات روحية، وتحت حدقتيه المزدوجتين كانت خصائص كل دواء روحي وحتى مسار نموّه جليّة تمامًا، بل كاد يدرك القوانين الخفيّة للسماء والأرض الجارية فيها
ففي السماء والأرض تحتوي الأشياء كلّها على مبادئ
وهذه كنوز السماء والأرض أولى بذلك، فهي مولودة من خلاصة السماء والأرض، وحتى إن لم تُستهلك، فمجرّد الملازمة الطويلة لها يعود على المرء بفوائد جمّة
«إن راق لك شيءٌ هنا فخذه بلا تردّد» قال فنغ شيانزي مبتسمًا
«لا حاجة» هزّ هان شوانجي رأسه، إذ لم يُرِد أن يأخذ على حساب غيره
ومشى ببطء إلى شجرة الخوخ التي كان فنغ شيانزي يقف عندها من قبل
كانت أغصان هذه الشجرة ملتوية كتنّين أزرق يلتفّ، ولونها أرجوانيًّا داكنًا، غير أن لحاءها أملس كاليشم الدافئ
والأوراق قليلة، كل ورقة كريشة عنقاء، يتدفّق فيها ضياء سماوي
وثمرها على الغصون في حجم قبضة اليد، بلّوريّ شفيف، يتألّق ضياؤه
وكان ما يحويه هذا الثمر من حياة وإيقاع داو يفوق كلّ النوادر الأخرى في الحديقة
«خوخ بانتاو…» تمتم هان شوانجي برفق مُعجبًا
«يا لنباهة رفيق الداو هان» كان فنغ شيانزي يراقبه، وازداد الإعجاب في عينيه وضوحًا
ومسّ لحيته المشيبة قائلًا وفي صوته لمحة حنين
«نعم، إنّه خوخ بانتاو، وهذه جذرٌ روحيّ زرعه بنفسه منذ سنين لا تُعدّ أحدُ ذوي العمر الطويل من مرحلة الصعود العظيم مؤسّسُ كونلون»
«يثمر خوخ بانتاو مرّة كل 3000 سنة، غير أنّ هذا الخوخ لم ينضج بعد، وليس امتناعي عنه بُخلًا»
امتلأت كلماته فخرًا واعتزازًا، فهذا أيضًا أغلى ما يفاخر به حارسًا للحديقة
لكن فكر هان شوانجي كان قد خطفه صوت آخر
【تمّ رصد موضع تسجيل بخمس نجوم】
【هل ترغب في إجراء التسجيل؟】
انطلق التنبيه المألوف البارد للنظام مباشرة في ذهن هان شوانجي
«النظام، تسجيل» قالها هان شوانجي في سرّه دون أن تتغيّر قسماته
【تهانينا للمضيف على التسجيل بنجاح في حديقة أدوية كونلون، لقد حصلت على «خوخة بانتاو ذات 9000 سنة»】
【خوخة بانتاو ذات 9000 سنة: فاكهة طويلة العمر من الطبقة العليا غذّاها نبض أرض كونلون طوال 9000 سنة، أكلُها يمدّ العمر 3000 سنة، ويهذّب أصل الجسد طويل العمر، ويقوّي أساس داو الروح السماوية، وله فرصة لإيقاظ أو تعزيز بصمة السلالة القديمة الخفيّة في الجسد】
خوخة بانتاو ذات 9000 سنة
اضطرب فكر هان شوانجي، ودخل وعيُه فورًا فضاء النظام
فوجد ثمرة روحية بحجم قبضة رجل بالغ قد ظهرت في ركنٍ هناك
كانت هذه الثمرة الروحية تكاد تطابق ثمار الخوخ على الشجرة شكلًا، غير أنها أشدّ حمرة وتفوح منها خيوط من هالة طويلة العمر
احترام جهد المترجم يبدأ بقراءة العمل من مَجَرَّة الرِّوايات لا من النسخ المنقولة.
«أهذه هي خوخة بانتاو؟» ابتهج قلب هان شوانجي
مع أنّها ليست على الأرجح الثمرة المنسوبة لشجرة خوخ بانتاو للأسطورة عن الملكة الأم في الغرب
وبحسب ما يعرفه، فإن أكل خوخة بانتاو الحقيقية يفضي إلى صعود طويل العمر ودوام الحياة
غير أنّ نضجها على هذه الشجرة طوال 9000 سنة لا يزال كنزًا رفيعًا في عالم البشر
«بعد أكل هذه الخوخة سيرتفع تدريبي كثيرًا، حقًا إنه موضع كنز ممتاز» هزّ هان شوانجي رأسه قليلًا
فبعد بلوغ مرحلة الصعود العظيم لم تعد كنوز السماء والأرض العاديّة ولا الحبوب الروحية تُجدي عليه أثرًا
وأما الحبوب طويلة العمر فليست بضاعةً دارجة، وهي نادرة أيضًا بين مكافآت التسجيل الكثيرة، بل إن مواضع التسجيل ذات الأربع نجوم لا تُخرجها على الدوام
وكان هان شوانجي راضيًا تمام الرضا
وعلى قول فنغ شيانزي فإن هذه الشجرة من خوخ بانتاو لا تنضج إلا كل 3000 سنة
وأما خوخة ذات 9000 سنة فالغالب أنها نادرة لا تُرى إلا مرّة في 10,000 سنة
حافظ هان شوانجي على سكون ملامحه، ونظر إلى فنغ شيانزي بابتسامة لطيفة وقال
«حين أتأمّل هذه الشجرة يخطر لي خوخٌ عاديّ زرعناه في فناء بيتنا حين كنت صغيرًا، وكان موعد نضجه أسعد أوقاتنا نحن الصغار
واليوم، وقد رأيتُ نوعًا طويل العمر، اتّسعت آفاقي وأثار ذلك في النفس خواطر»
لم تكن هذه الكلمات مختلقة؛ فلم يختلق هان شوانجي شيئًا
وحين سمع فنغ شيانزي ذلك شعر قلبُه العتيق براحة خفيفة
ورأى الصدق في عيني هان شوانجي، فدارت الأفكار في رأسه
«لرفيق الداو هان صِلة بخوخ بانتاو، بل يثير فيه ذكريات، وهذه سعادةٌ من القدر» واتّسعت ابتسامة فنغ شيانزي قائلًا بسخاء
«لقد أنقذتَ شيخ كونلون وتلميذه، فإن لم تمانع يا رفيق الداو فلدَيّ خوخة بانتاو أستطيع أن أهبك إيّاها»
وما إن قال ذلك حتى همّ بالمغادرة
«تمهّل يا رفيق الداو» ابتسم هان شوانجي وأوقفه وهزّ رأسه برفق، وجالت عيناه على الجذر الروحي في الحديقة
«هذا الشيء نفيس، وعطاء رفيق الداو محلّ تقدير عند هان، لكن ما يريده هان ليس خوخة بانتاو»
ومدّ إصبعه مشيرًا إلى شجرة الثمر
«إنّما يرغب هان في أن يمكث تحت هذه الشجرة مدّة من الزمن، أذلك ممكن؟»
«هاه؟» تملّكه الذهول
فالحديقة كلّها تفيض بالنوادر، وثمرة خوخ بانتاو كنز لا يُقدّر
غير أنّ الطرف الآخر يقول إن طلبه الوحيد… أن يتدرّب هنا
كان هذا الطلب هيّنًا إلى حدّ فاق التصوّر، وللحظة لم يدرِ كيف يجيب
لكن حين نظر فنغ شيانزي إلى عيني هان شوانجي الصافيتين ازداد احترامه له
حقًا إنها سَمْتُ الأستاذ
ففي فعله معنًى عميق؛ لا جشع ولا تملّك، وإنما يطلب لحظةَ بصيرة وتأمّل
وإذ فكّر في ذلك شعر فنغ شيانزي بشيء من الحرج في قلبه
فلو شاع الخبر لَبَدا كأنّه بخيل للغاية
غير أنّه ما لبث أن أجاب وهو ينظر في عيني هان شوانجي
«حسنًا حسنًا حسنًا، تدرّب هنا كما تشاء يا رفيق الداو، وإن حاول أحدهم أن يطردك فسيكون هذا العجوز أول مَن يعترض»
«شكرًا لكرم رفيق الداو» ابتسم هان شوانجي ابتسامة لطيفة
وفي المدّة التالية جلس هان شوانجي هنا متربعًا يتدرّب في هدوء
وكان بطبيعة الحال إنما يبتغي ذريعة للبقاء هنا
وكان المقصود الأهم أن يُجري التسجيل يوميًّا

تعليقات الفصل