تجاوز إلى المحتوى
الزراعة الروحية بدأت بتوقيع موهبة الخالد

الفصل 359

الفصل 359: قبضة مسارات الولادة الجديدة الستة، وجود غامض

لمّا وقّع هان شوانجي إلى جوار هيكلٍ عظميّ لعظيمٍ شيطاني يشبه طائرًا عملاقًا، وحصل على أصلٍ قويّ نسبيًا لذاك العظيم الشيطاني، امتدّ في الظلام أمامه ظلٌّ مشؤوم بصمت كقطرة حبرٍ تسيل في ماءٍ صافٍ

تكثّف الظل بسرعة، فشكّل كيانًا هائلًا بارتفاعٍ شاسع، شبيهًا بذلك الطائر العملاق، لكنه لم يكن من لحمٍ ودم، بل بدا مؤلَّفًا من طاقة شريرةٍ خالصة تشي بغلٍّ يقشعرّ له البدن وبجشعٍ يبتغي ابتلاع كل حياة

كانت روح الخرائب هذه أوضح قوةً وأشدَّ عدوانًا من المخلوقات التي كانت تراقب خفيةً من قبل

ولعلّها رأت فعل هان شوانجي تعدّيًا على حوزتها، أو لعلّها رأته ومن معه فريسةً شديدة الإغراء

قال جيانغ هاو: «احذر يا أخي الأكبر»، وهو يعلم أنّ قوة هان شوانجي عصيّة على الإدراك، غير أنّه أمام هذا الوحش المرعب المولود من أرض غويشو لم يستطع كبح وخزة قلق

أما غراب العالم السفلي فارتاع حتى اندسّ فورًا في جلباب جيانغ هاو ولم يبدُ منه سوى عينين مذهولتين

يا للعجب، هذا الشيء ليس سويًّا

وما لبث أن أدرك أنّ هذا الكيان أمامهم ينبغي أن يكون أقوى من تلك الهيئة السوداء الرداء التي التقوها من قبل

وفي تلك اللحظة لم يملك إلّا أن يقلق: هل بوسع هان شوانجي التعامل معه

أوه؟ روح خرائب بمستوى هونيوان… أومأ هان شوانجي في نفسه، فهذه على نحوٍ ما أول مرة يواجه فيها خصمًا من المرتبة ذاتها

في عالم ذوي العمر الطويل تُعدّ قوى هونيوان مقاتلين من الصفّ الأعلى، ولهم في البلاط السماوي القديم منزلة ملك إمبراطوري ونفوذ عظيم

غير أنّ روح الخرائب هذه لا تملك من ذلك إلا الاسم؛ فهي لا تقاتل إلا بغريزة. قد تكون لقَدّيس دا لوو الذهبي لاتحادٍ عظيم قوّةٌ لا تُجتاز، لكنها أمامه محاولة تدعو إلى السخرية بلا ريب

وشتة حادّة دوّت مع أنينٍ خافت، فانطلق شعاع طاقةٍ مرعب من روح الخرائب بخفةٍ مدهشة، شقّ الفضاء في لحظة وهو يحمل قوة إفناءٍ لكل شيء متجهًا إلى هان شوانجي. وحيثما مرّ تحوّلت العظام والبقايا إلى غبار بصمت

ومع ذلك، وأمام هذا الهجوم العنيف الذي يكفي لجعل دا لوو الذهبي لاتحادٍ عظيم في وضع الاستعداد، لم يتباطأ هان شوانجي خطوةً واحدة

رفع بصره قليلًا لا غير وحدّق في روح الخرائب

وما إن وقع نظره حتى بدأ الهجوم الزاحف يتهدّم من مقدّمته بصمتٍ ويعود إلى العدم البدئي

راقب عن كثب. لم يكن صوت هان شوانجي مرتفعًا، لكنه بدا كأنه يحمل قاعدة داو عظيمة، فانطبع واضحًا في ذهن جيانغ هاو

تلك هي قبضة مسارات الولادة الجديدة الستة، وهي تقنية قبضة لا تُجارى كان قد وقّعها من قبل عند بوابة الولادة الجديدة في بحر العالم السفلي

وهذه اللكمة، وإن بدت بطيئة، فقد تجاوزت في الحقيقة حدّ الزمان والمكان

وحيث مرّت القبضة لم ينثنِ الفراغ ولم يتحطّم، بل عكس دورة الحياة والموت، وازدهارها وذبولها، في مسارات الولادة الجديدة الستة، كأنها تكثّف دورة الحياة والموت، والسبب والنتيجة، والجزاء، لجميع العوالم والكائنات التي لا تُحصى في ضربة واحدة

وربما كان هذا الموضع قريبًا للغاية من أرض الولادة الجديدة، إذ تنبّه في هذه اللحظة معنى حقٌّ لقانون الولادة الجديدة فدار حول قبضة هان شوانجي

شعرت روح الخرائب غريزيًا بتهديدٍ قاتل، فأطلقت صرخاتٍ حادّة مضطربة وحاولت أن تسحب هجومها وتعود ظلًّا لتهرب

لكن الأوان فات؛ فقد قفل مقصدُ قبضة مسارات الولادة الجديدة على جوهر وجودها

ووقعت القبضة

فكان ذلك الجسد الظلّي المرعب كأنه طُرح في مسار الولادة الجديدة، فطهّرته القبضة في لحظة، وتفتّت إلى نقاط ضوءٍ وتبدّد

كانت ولادةً جديدةً مسرَّعةً مليارات المرّات، جرّت قسرًا هذه الروح التي لا تعرف مفهوم الحياة والموت المعتاد إلى قانون المسارات الستة في المنشئ والفناء، وحدّدت لها موتها

ولم تستطع روح الخرائب المخيفة في طرفة عينٍ أن تصمد حتى نَفَسٍ واحد أمام اللكمة التي احتوت المعنى الحقّ الأعلى للولادة الجديدة، فعادت إلى العدم

سحب هان شوانجي قبضته ببطء، ووقف ويداه خلف ظهره كأنه لم يصنع سوى أمرٍ تافه، وأكمامه ترفّ برفق في ريح غويشو من غير أن يعلق بها غبار

ظلّ جيانغ هاو يحملق مذهولًا، وقد استولت تلك اللكمة التي تضمّنت المعنى الحقّ الأعلى للولادة الجديدة على روحه العظمى، فلم يفق لوهلة طويلة

لم يسبق له أن رأى تقنية قبضة بهذا العمق وهذه السطوة

لقد بدا مفهوم مسارات الولادة الجديدة الستة كأنه يفتح بابًا جديدًا لفهمه للداو

وشعر مبهمًا أن مشاهدة هذه الضربة ستعود عليه بفوائد لا تُقدّر في زراعته المقبلة

إلى أي حدٍّ وعيت. ما إن تردّد الصوت الهادئ لهان شوانجي من جديد حتى انتفض جيانغ هاو مستيقظًا من ذلك الوجد العميق

شكرًا على توجيهك، يا أخي الأكبر. لم يتردّد جيانغ هاو، وانحنى بعمق قائلًا: هذه اللكمة تحمل الحقيقة القصوى للولادة الجديدة، وهي بلا قرار. لقد أفادت هذا الأخ الأصغر كثيرًا… بل أنارته حقًا

وقد شعر بوضوح أنّ مشاهدة تلك اللكمة لم ترفع فقط فهمه لتطبيق القوة إلى مستوى جديد، بل الأهم أنّ مفهوم مسارات الولادة الجديدة الستة غرس في قلبه بذرةً ستقوده بإرشادٍ لا يُقاس في طريقه الآتي

وتلك فرصة لا تُقاس بقيمة

أومأ هان شوانجي قليلًا وبقي وجهه هادئًا، ثم قال ببرود: الداو يُدركه المرء بنفسه، والقوانين تُفهم بالنفس. وما تتمكّن من استيعابه من مفهوم هذه اللكمة فهو شأنُ قدرك أنت. إن رغبت في تعلّمها فتعال إليّ بعد دخولك مرتبة تايي الذهبي

حسنًا. هزّ جيانغ هاو رأسه بثقل، ولم يعد بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الشكر قولًا

كان فضل هان شوانجي عليه قد انطبع في قلبه

واتّجه نظر هان شوانجي مرة أخرى إلى عين بحر العالم السفلي. كان الضوء الأزرق السماوي يلمع في هدوءٍ على حافّة عين بحر العالم السفلي

لِنَذهب. قاد هان شوانجي جيانغ هاو والغراب، متجاهلًا النظرات الكامنة والأخطار من حولهم، ومضى قدمًا

وعلى الرغم من أنّ أرواح الخرائب ليست عالية الذكاء، فإنها تملك غريزةً أساسية في ابتغاء المنفعة واجتناب الضرر

وموتُ روح خرائب بمستوى هونيوان، وهي ممّا يُعدّ مهيمنًا في أرض غويشو، بهذه السهولة، أرعب بطبيعة الحال الأرواح الأخرى، فلم تجرؤ على استفزاز هذا الوجود المهيب، هان شوانجي

وأراح هذا هان شوانجي، فواصل التوقيع وهو يقترب من عين بحر العالم السفلي

وكلما اقتربوا ازدادت تلك القوة المرعبة التي تلتهم كل شيء وتعيده إلى العدم هولًا، كأنها ستجرد حتى قوانين داو الخاصة بهم وتمتصّها إلى ذاك الدوّام الأبدي المظلم

وكان الضوء الأزرق السماوي يدنو منهم أكثر فأكثر. ولمّا اقتربوا تبيّن لهم أنّ على الشعاب السوداء الكثيرة بجوار عين بحر العالم السفلي زهورًا زرقاء سماوية عديدة، حتى كأنها في كل مكان

رائع. انتعش قلب جيانغ هاو. وكلما اقترب ازداد وضوح ما يشعر به من هالةٍ لطيفةٍ تنبعث من داخلها، حياةٍ متدفّقةٍ لا تنسجم البتّة مع سكون أرض غويشو

تلك الحيوية لا تدلّ على فوران حياة، بل على هيئة مكبوحة إلى حدٍّ بعيد، كأنها تقاوم بصمت سكون الموت الذي يلفّ هذا العالم كله

وما إن قاد هان شوانجي الرجل والغراب نحو أقرب زهرة زرقاء سماوية

حتى لمح فجأةً أنّ ثمة هيئةً واقفةً بمحاذاة تلك الزهرة

التالي
359/396 90.7%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.