الفصل 360
الفصل 360: ابن العالم السفلي، التسجيل عند عين بحر العالم السفلي
لم يكن ذلك روحَ الخراب، بل هيئةً تشبه فتىً مكسوًّا بتوهّج داكن رقيق، كأنه داخل شرنقة مظلمة
كانت عيناه مغمضتين بإحكام، وملامحه هادئة، كأنه غرق في أعمق نوم، وكانت هالته تتناغم بخفاء مع عين بحر العالم السفلي بل ومع أرض غويشيو هذه، حتى غدا كأنه جزءٌ واحدٌ معها
والأدهى أنه حتى وهو نائم، كان إيقاع داو لا يوصف يجري طبيعيًّا حوله، كأن هذا الموضع الموحش يعطف عليه، وهو بطبعه قريب من كل ما هنا
كانت روحانيته مناقضة للعُلى، مدهشة
“ما هذا…”
لاحظ جيانغ هاو هذا الكيان العجيب هو الآخر، فاشتدّ طبعه وقارًا
إن كيانًا يستطيع النوم في موضع كهذا فهو بلا شك استثنائي
وسّع الغراب السفلي عينيه أكثر وأطلق نعيقًا خافتًا
“يا للعجب… كيف يوجد حيٌّ في هذا المكان؟ لا، هذا الإحساس… ليس كحيٍّ ولا كميت…”
وما إن اقترب هان شوانجي والآخرون حتى بدا أن نسمة الحياة المنبعثة منهم حرّكت شيئًا على الفور
فالتوهج الداكن الذي يكسو جسد الفتى شيئًا فشيئًا تراجع مثل موجٍ ينحسر، وعاد يندمج فيه
ارتجّت أهدابه الطويلة قليلًا، ثم انفتحت ببطء عينان معتمتان عميقتان كعمق عين بحر العالم السفلي
وهبط فجأة ضغط غير مرئي مع نظراته
لم يكن هذا الضغط انبعاثًا متعمَّدًا، بل صادرًا عن محض وجوده، كأن إرادة أرض غويشيو برمّتها قد تراكمت عليه، فلهث جيانغ هاو في الحال وسأل
“ما خلفية هذا الشخص”
وامتلأت عينا الغراب السفلي بالحيرة كذلك
“لا أدري، في الحقيقة هذه أول مرة أصل هذا العمق، كنت في السابق لا أتقدم إلا خطوات قليلة ثم أندثر”
نظر هان شوانجي بهدوء إلى الفتى المستيقظ، ولمحة جِدٍّ لأول مرة تومض في عينيه
【ابن بحر العالم السفلي: تاي يي ذو العمر الطويل، المستوى الأول، ابن التسع سفليات، ذو حظ عظيم، رجل محنة، كائن فطري عظيم، مخلوق فطري وُلد من موتٍ لا ينتهي، موهبته لا تُجارى وفهمه باهر، أيقظه حضورك، وقلب طبعه وليد كطبْع طفل】
ابن التسع سفليات؟ لقب فخم فعلًا
ازداد اهتمام هان شوانجي قليلًا
لاحظ أن الطرف الآخر تاي يي ذو عمر طويل منذ الميلاد؛ موهبة من هذا الطراز نادرة حقًّا
كم محاكاةً سأحتاج لأحاكيه
سأل هان شوانجي بصمت في قلبه
【150 مرة】
“هذا…”
ولما رأى هذا الثمن المرتفع لم يملك هان شوانجي إلا أن يلهث خفية
يا للعجب
يبدو أن محاكياتي الثلاثين المتراكمة لا تكفي أبدًا
وبينما كان هان شوانجي يدهش سرًّا من هذا الرقم الفادح، كان ابن بحر العالم السفلي قد فتح عينيه تمامًا
مسحت نظراته، التي ملأها ارتباك وليد، هذا الخراب من حوله، ثم استقرت بحزم على هان شوانجي، الأقرب إليه والأكثر هالةً غموضًا وعُسرًا على الإدراك
وتذبذبت تلك النظرة الشفيفة اللامبالية لحظةً على نحوٍ غريب حين التقت هان شوانجي
وأمال رأسه، وفي حركته براءة طفولية وفضول
ثم، وتحت نظرات الدهشة من هان شوانجي وجيانغ هاو والغراب السفلي، نهض ابن بحر العالم السفلي ببطء
خطا خطوة إلى الأمام، متجاهلًا جيانغ هاو المتحفّز والغراب السفلي المرتجف، ومشى مباشرة إلى أمام هان شوانجي
ثم رفع رأسه، ونظر إلى هان شوانجي بعينين صريحتين طاهرتين، وخرج صوته الشفيف وفيه لمحةُ تردّد
“أ… أبٌ”
انفجرت هاتان الكلمتان في صمت أرض غويشيو كالرعد
واتّسعت عينا جيانغ هاو في الحال، وانفرج فمه حتى يكاد يتسع لبيضة
وانتفش ريش الغراب السفلي كله، وقفز مباشرة عن كتف جيانغ هاو وهو ينعق بصوت حاد
مركز الروايات هو موطن هذه الرواية، وأي ظهور لها خارجه سرقة واضحة. شكراً لقراءتك من المصدر العربي.
لا تجعل نسخة مسروقة تُغنيك عن المصدر الأصلي في مَجَرّة الرِّوايات، فهناك جهد يستحق التقدير.
“نعاق؟ أ… أب؟ أيها الكبير، متى… متى تركت أثرًا لك في هذا المكان الملعون؟ هذا… هذا بجوار عين بحر العالم السفلي”
بدا أن نظرته إلى العالم تلقت صدمة هائلة
وحتى هان شوانجي، وقلب داوه صلب كالصخر، اختلج وجهه اختلاجة لا تكاد تُرى في هذه اللحظة
حتى هو لم يحسب أن أمرًا كهذا سيقع
نظر إلى ابن بحر العالم السفلي، هذا المدهش المناقض للعُلى، وهو يناديه أبًا، فعجز لحظةً عن الكلام
كان هان شوانجي يدرك بوضوح أن ابن بحر العالم السفلي ليس مازحًا ولا متلاعبًا؛ بل هو إقرار وليدٌ غافل نابع من أصل الحياة، كأنه يعدّ هان شوانجي، أولَ من أيقظ وعيه وصاحبَ الهالة الجبارة، موضعَ اعتماد
بل لعل الغريزة الحيوية لدى الطرف الآخر قادته إلى الإقرار بأبٍ
“سعال”
سعل هان شوانجي سعالًا خفيفًا، وكتم ذلك الإحساس العبثي في قلبه، وحافظ على سكينته ظاهرًا وقال
“أنا لستُ أباك”
تنفّس جيانغ هاو والغراب السفلي الصعداء معًا، وقال كلٌّ منهما في نفسه: كما توقعت…
ولما سمع ابن بحر العالم السفلي هذا، ومض في عينيه أثرٌ واضح من حيرة وخيبة، فعقد جبينه قليلًا كأنه يحاول فهم المعنى
لم يكن يدرك علائق معقدة، لكنه كان يفهم على نحوٍ غريزي بعضَ الألفاظ
“لكن… أنت أيقظتني”
خرج صوته الشفيف وفيه إصرار، ومنطقه بسيط مباشر
“أنت أول من رأيته، وأنت الأقوى، فأنت أبي”
اختلج فم جيانغ هاو وهو يستمع، وكاد يضحك لكنه لم يجرؤ، فاكتفى بكتمان شديد، وكتفاه ترتعشان بخفاء
أما الغراب السفلي فغطّى فاه بجناحه، وخرج منه صوت “كوو” مكبوت، واضح أنه كان يحبس ضحكه بدوره
لم يتوقع قط أن يقع هذا الجبّار الأعلى هان شوانجي في موقف كهذا
نظر هان شوانجي إلى ابن بحر العالم السفلي العنيد، شاعرًا بأن الأمر مُربك… وفي قلبه شيء من طرفةٍ خفيّة
تروّى قليلًا، فلم ينفِ نفيًا جازمًا ولم يُقِرّ مباشرة، بل غيّر الأسلوب وسأل بفتور
“ألك اسم”
هزّ ابن بحر العالم السفلي رأسه، ولا تزال عيناه الداكنتان معلّقتين بهان شوانجي لا ترمش، كأنه ينتظر منحَه اسمًا
ومسح هان شوانجي بنظره هالته التي تكاد توافق أصل عين بحر العالم السفلي، وجوهره المولود من موتٍ لا يُحصى، فهاج في قلبه خاطرٌ وقال
“ما دمت قد وُلدتَ في بحر العالم السفلي، فَلْيكن اسمك… هان يو، ما رأيك”
“هان يو…”
ردّد ابن بحر العالم السفلي الاسم بخفوت، وكأن ومضةً من نورٍ ومضت في عينيه الخاليتين، ثم أومأ، وبدا راضيًا بالاسم، وحدّق في هان شوانجي من جديد، وفي نبرته لمحة وقارٍ لا تكاد تُلحظ
“شكرًا يا أبًا على منح الاسم”
عاد إلى النقطة الأولى
عجز هان شوانجي عن الكلام، ولم يملك إلا أن يأمر
“نادِني معلّمًا لا أبًا”
لا بأس أن يكون له تلميذ آخر، أما الابن فشيء آخر؛ يوهم بصورة لا تليق
“نعم، يا معلّم”
هذه المرة غيّر هان يو المخاطبة سريعًا، وقالها بوضوح وفي نبرته مسحةُ ابتهاج
كان سريع الفهم
وأومأ هان شوانجي سرًّا، فلو أنه واصل مناداته أبًا لغضب حقًّا
ثم حوّل نظره إلى الزرقة التي لا تزال تتمايل قريبًا، وقال لجيانغ هاو
“هدفك هنا، خذه بنفسك”
استفاق جيانغ هاو أخيرًا من المشهد العجيب، وتمالك نفسه سريعًا، وحدّق بخشوع في الزهرة العجيبة القريبة من متناول اليد، فقطفها ووضعها في كنزه السحري، وزفر طويلًا في قلبه
وفي الأثناء واصل هان شوانجي تقدّمه نحو عين بحر العالم السفلي، فانطلقت مطالعةُ المنظومة

تعليقات الفصل