الفصل 47
الفصل 47: عشية المحنة
تفكّر هان شوانجي لحظة، ثم قال للنمر الأبيض الصغير
«هل تعرف من هو أقوى مزارع روحي في كانغتشو الشرقية؟»
«لا أعرف»
هزّ النمر الأبيض الصغير رأسه وسأل بفضول
«من هو؟»
«ولا أنا أعرف»
قال هان شوانجي ببرود
«إذًا إن صادفتَ مثل هذا السيد، هل ستتمكن من تمييزه؟»
«ماذا لو كان هذا ملك الياو هو الوحش المرافق لخصمك؟ حتى لو فزت، فما العاقبة النهائية؟»
«لا بأس إن كنتَ ترغب فعلًا في الخروج، لكن إن سبّبتَ مشكلة فلا تذكر اسمي»
ما إن سمع هذا حتى تذكّر النمر الأبيض الصغير مصير من كانوا في طائفة يوي ياو، فسريعًا تخلّى عن فكرة التجوال
«أخطأتُ يا معلمي»
«همم»
«ازرع روحك بهدوء، وحين تصبح أقوى ملك ياو في عالم الروح تايشو، لن أمنعك من الخروج»
وسريعًا رسم هان شوانجي أفقًا كبيرًا
غير أنّ ظهور هذا ملك الياو، وصلته بنانغونغ وينجيان، ذلك المزارع العبقري في طريق السيف، أثارا فعلًا نقاشًا واسعًا
فملك ياو في العودة إلى الفراغ مخيف إلى حد بعيد
أما هان شوانجي فلم يشعر بشيء تجاه ذلك، فقوى الياو في هذا العالم ليست ضعيفة؛ فقد كانوا يومًا نِدًّا للبشر، ثم توالت نوابغ البشر واحدًا تلو آخر، فصار لهم التفوق في القارة تدريجيًا، ودُفع عدد كبير من الياو إلى ولاية العشرة آلاف شيطان
ومع ذلك ظلّ في أنحاء القارة يلوح ظهور بعض ملوك الياو الأقوياء
وهؤلاء الملوك لا يجرؤون غالبًا على شنّ هجمات واسعة النطاق، وإنما يحتلون بقعةً بعينها ويتّخذونها إقليمًا لهم، فإن تجرؤوا على مذابح كبيرة للبشر، تدخّل المزارعون المتقدمون من البشر بطبيعة الحال
كانت الحياة داخل الطائفة، وإن شابها شيء من الرتابة أحيانًا، تمنح شعورًا بالغ الامتلاء مع هذا التنامي المستمر في القوة
وذلك كان أمتع بكثير من الخروج لخوض المعارك
…
تجري الأعوام في الجبال من غير أن تُحسّ
وبلمح البصر مضى عام
في ذلك اليوم
فتح هان شوانجي عينيه ببطء
«أخيرًا بلغتُ اكتمال العودة إلى الفراغ»
ارتسمت بسمة على وجهه
«كما توقّعت، تبطؤ الزراعة الروحية في المراحل المتأخرة، لم أتوقع أن أحتاج أكثر من عشر سنوات لأبلغ حدّ الاكتمال في العودة إلى الفراغ»
تنفّس هان شوانجي بخفة وقد داخله شيء من التأثر
كانت الطاقة الروحية في جسده آنذاك كأنها نهر فسيح، وبلغت طاقته ودمه ذروة القمة
والمزارع الذي يصل إلى هذا الحد يصبح خارقًا بالفعل، قادرًا على تدمير مدينة كبيرة بحركة يد
«ما دمتُ بلغتُ الاكتمال، فيمكنني التفكير في اختراق»
«أين أعبر المحنة هذه المرة؟»
تأمّل هان شوانجي
فمحنة اتحاد الجسد أشدّ قوة، ولا يجوز الاستهانة بها
وكان ينوي أن يستخدم فن الرؤية السماوية ليعثر على موضع حسن، ثم يتعافى مدةً ويضبط حاله إلى الأفضل قبل الشروع
كل ما يتمناه ألا تتكرر التعقيدات الكثيرة هذه المرة
إنه يريد اختراقًا آمنًا وحسب
وإذ ذاك اندفع النمر الأبيض الصغير بحماس وقال
«يا معلمي، وجدتُ شيئًا جيدًا»
«ما هو؟»
«هذه الرُّخامة، أشعر أنها كنز»
قال ذلك وأخرج النمر الأبيض الصغير رُخامة من مكانٍ لا يدريه إلا هو
نظر هان شوانجي مليًا وشعر بألفة معها
«أليست هذه رُخامة قصر التنين الأزرق؟»
ثم تذكّر أنه يملك واحدة هو أيضًا، غير أنّ رخامتَه لم تُبدِ أي استجابة، حتى كاد ينساها مع الزمن
وقيل إن مغارة التنين الأزرق لذوي العمر الطويل لا تُفتح إلا حين يحصل جميع ذوي النصيب على الرُّخَم
وحينها يجتمع كثير من ذوي الحظ العظيم في تلك المغارة للتنافس على الإرث
«احتفِظ بها الآن، فهذه ستغدو ذات فائدة كبيرة لاحقًا»
ولم يُطِل هان شوانجي الكلام
هزّ النمر الأبيض الصغير رأسه موافقًا، ثم شرع يثرثر ببعض الأخبار التي سمعها
«يُقال إن ملك الياو في إقليم يونغ على صلة بطائفة الشيطان السماوي، ويستعد لاستهداف المدن التي تحميها طائفة شِنشوان»
«من أين سمعتَ هذا الخبر؟» سأل هان شوانجي وهو يقطب
«ألا تملك يا معلمي صديقًا حميمًا اسمه لو فان؟»
«يبدو أن الخبر جاء منه، وكثيرون في الطائفة يتداولون الأمر الآن»
«لكنني سمعت أن ملك الياو قال إنه إن سلّمت طائفة شِنشوان تلميذين اثنين فسيتوقف»
«أيّ اثنين؟» سأل هان شوانجي متعجبًا
«أحدهما لو فان، والآخر اسمه لين بوتيان» قالها النمر الأبيض الصغير بلا تفكير
«آه؟»
اهتزّ قلب هان شوانجي
لم يكن يتوقع أن يكون هذان الاثنان على صلة
لكنّه لم يُطِل التفكّر وسأل بدلًا من ذلك
«لا يمكن أن توافق الطائفة، أليس كذلك؟»
«بالطبع لا، إن وافقت فأين تضع طائفة شِنشوان هيبتها؟»
وقد أمضى النمر الأبيض الصغير أكثر من عشر سنوات في عالم البشر، فاكتسب شيئًا من طرائق تفكيرهم
«ملك ياو في العودة إلى الفراغ لا ينبغي أن يجرؤ على استفزاز طائفة شِنشوان، يبدو أن لهذا الرفيق سندًا وراءه» قال هان شوانجي بهدوء
«هل ستقف أسرة داشيا الإمبراطورية متفرجة؟»
«لا تعلم يا معلمي، أسرة داشيا الإمبراطورية منشغلة الآن ولا وقت لديها للتدخل في شؤون عالم الزراعة الروحية» قال النمر الأبيض الصغير بلهجة غامضة
«إمبراطور مينغ في هذا الجيل موهوب إلى حد استثنائي وطموح، وهو الآن في ذروته، ومنذ اعتلائه أصدر سياسات عديدة وأنشأ حرس الثياب المطرزة لمراقبة المسؤولين في جميع الأنحاء، وفي غضون مئة عام فقط لحقت القوةُ القومية بمستوى داشيا، وصارت الأسرة الإمبراطورية كلها صفًّا واحدًا كبرميلٍ من حديد، ومن الطبيعي أنها تخطّط للتوسع، والهدف الأول هو جنوب داشيا»
شرد هان شوانجي في التفكير
فعلى قارة جيوتشو تتجاور دول شتى، وكان الأمر كذلك في كانغتشو الشرقية، وكانت داشيا الأقوى بينها، تستحوذ على أكثر المناطق وفرةً بالطاقة الروحية، فيما تقوم أسرة دا مينغ الإمبراطورية جنوب داشيا على سواحل البحر
وقد بلغ هان شوانجي أيضًا أن سرعة صعود دا مينغ لا تنفصل عن طائفة هاو يويه العظمى
«إنها حقًا أزمنة مضطربة»
تنفّس هان شوانجي بخفة، غير أنّ عينيه عادتا إلى سكينتهما
أما الصراعات الخارجية وتبدّل الأسر الحاكمة فليست عنده إلا غيمًا عابرًا على طريق العمر المديد
وما هو أهم الآن أن يدخل مرحلة اتحاد الجسد
سكنت نفسه قليلًا، وبدأ يستنبط أنسب موضع لاختراق مرحلة اتحاد الجسد
ومرّت عبر وعيه سريعًا خيوطٌ غير مرئية من علاقات السببية، ومحاور روحية لعروق الأرض، وطاقة السماء والأرض، يستبعد بها المناطق المشؤومة، وما اضطربت فيه الطاقة، وما قد يجلب أعداء أقوياء
وبعد لحظة تجمّد النور في عينه الرأسية، مشيرًا إلى الجنوب الغربي
«إقليم يونغ، سلسلة جبال ختم الشياطين؟»
فكّر هان شوانجي في صمت
وتقول الأسطورة إن رأسًا شيطانيًا لا نظير له قد قُمِع هناك، فتسرّبت طاقته الشيطانية في عروق الأرض سنين طويلة، وتلوّثت بعض وحوش الياو في تلك الناحية، فغدت ضارية للغاية، وكثيرًا ما شكّلت سيولًا من الوحوش تهدّد مدن البشر
وكان المزارعون العاديون يتجنبونها كأنها الطاعون، وإن كان تلاميذ بعض طوائف الطريق القويم يدخلون أحيانًا ليصطادوا وحوش الياو ويقمعوا الشياطين
ومنذ أن اتخذ ملك ياو من هناك مقامًا له، صار هذا المكان أرضًا محرّمة في عيون كثيرين
ولكن ما دام قد بلغ اكتمال العودة إلى الفراغ، فلن يُعير تهديدًا كهذا كبير اهتمام
وكان فن الرؤية السماوية قدرته العظمى الفطرية، ولن يضره بطبيعته
«يا أبيض الصغير»
نظر هان شوانجي إلى النمر الأبيض الصغير
«نعم، يا معلمي؟»
«استعدّ، سنذهب إلى سلسلة جبال ختم الشياطين»
«سلسلة جبال ختم الشياطين؟!»
تألّقت عينا النمر الأبيض الصغير وقال بحماس
«هل سنقضي على ذلك الملك من الياو، ثم نأخذ الجبل لنا؟»
ولعله من غريزة سلالته، كان هذا الصغير متحمسًا للغاية لفكرة الاستحواذ على الجبال
«أنا ذاهب لعبور المحنة، ويمكنك أن تكون حارسي، فإن ظهر مَن لا يعرف قدره، فتدخّل» قال هان شوانجي بنبرة هادئة
وما إن سمع ذلك حتى لم يُطِل النمر الأبيض الصغير التفكير وقال بسرعة
«أوامرك يا معلمي، دَع الأمر لي»

تعليقات الفصل