الفصل 4: المتهورون يهلكون بتهورهم
الفصل 4: المتهورون يهلكون بتهورهم
تخيل بليني الأمر في ذهنه، فلو فتش هذه الخزانة من دون أن يعرف ما فيها، لكان خصمه قادرًا على شن هجوم مفاجئ مستخدمًا الملابس غطاءً، وإذا فشل، لقفز من النافذة…
كان هذا بلا شك أفضل مكان للاختباء في الغرفة كلها
بعد أن أدرك ذلك، لم يتردد بليني لحظة واحدة، وسحب سيفه من دون أي إنذار…
تردد في الغرفة صوت خافت لاحتكاك النصل بالغمد…
وفي لحظة تقريبًا، غاص النصل الفضي في الخزانة الخشبية كأنه يمر عبر زبدة، ثم سحب بليني سيفه أفقيًا، فشق الخزانة المغلقة إلى نصفين
تطايرت شظايا الخشب وقطع القماش الممزقة في الهواء، لكن المشهد المتوقع لتدفق الدم لم يظهر…
عقد بليني حاجبيه قليلًا بدهشة، هل أخطأ في تقديره؟ هل كان هذا الهدف مهملًا إلى درجة ترك هذه الأشياء في الغرفة؟
تفاجأ أندريه من سحب شريكه لسيفه فجأة، وكان على وشك السخرية من سوء تقدير بليني، حين امتد سيف قصير فجأة من الظلال الداكنة في الفجوة الضيقة بين رف الكتب والجدار، وانقض نحو عنق أندريه
كان لين هو من تحرك
في اللحظة التي اكتشف فيها أندريه وبليني العملات والمخطوطة فوق الطاولة، عرف لين أنه لم يعد قادرًا على الاختباء هذه المرة
لم تكن الفجوة الضيقة التي اختبأ فيها تملك أي ساتر، واعتمدت فقط على الظلال وخداع البصر لإخفائه
كان هذا دون شك مكانًا خطيرًا للغاية، لكن الاثنين وصلا بسرعة كبيرة، ولين، الذي كان ذهنه في فوضى تامة بعد انتقاله إلى هذا العالم، لم يملك وقتًا للعثور على مكان أكثر ملاءمة، ولم يملك وقتًا لإعداد أي شيء، بل لم يجد حتى وقتًا لالتقاط الرق الذي سقط على الأرض
وما إن يكتشف الاثنان أنه لا يوجد أحد داخل الخزانة ويبدآن بتفتيش الغرفة بعناية، فسيعثران عليه بسرعة
لذلك تحرك لين من دون تردد
ومن أجل القدرة على الفتك، لم يستخدم لين نصل الصقيع الذي أتقنه وحسنه للتو، ففي مسافة لا تتجاوز 3 خطوات، كان السيف القصير أكثر موثوقية بكثير من ذلك “السحر” الذي يتحكم به
واختار التوقيت في اللحظة التي خفف فيها أندريه حذره عند رؤية شظايا الخشب المتطايرة
لكن هذه الضربة التي بدت مؤكدة انحرفت عن مسارها، ففي اللحظة التي هاجم فيها لين، اندفع إلى قلب أندريه شعور قوي بالخطر
قبل انضمامه إلى فرقة صيد السحرة، كان أندريه مرتزقًا مشهورًا، وعاش سنوات طويلة على الحد الفاصل بين الحياة والموت، وكان يعرف هذا الإحساس المتغلغل في العظام جيدًا للغاية
ويبدو أن حدسه الحاد أنقذه مرة أخرى، ففي اللحظة التي انقض فيها السيف القصير، استجمع أندريه كل قوته ليلوي جسده، فتجنب قطع رأسه
لكن هجوم لين المفاجئ كان سريعًا جدًا، ورغم أن أندريه تحرك للمراوغة فورًا، فإنه لم يستطع تفاديه بالكامل، فمر السيف القصير الحاد بمحاذاة عنقه، وترك جرحًا عميقًا ينزف
اندفع الدم القرمزي باستمرار من الجرح، وشعر أندريه بالصدمة والغضب معًا، فقد نبهه الألم في عنقه إلى أنه كان على وشك الموت
“أيها الحقير!” صاح أندريه بغضب، ولوح بسيفه محاولًا شطر لين من رأسه حتى قدميه
كانت ضربة السيف سريعة وثقيلة، وبالكاد تمكن لين من الاستجابة في الوقت المناسب، لكن جسده صدها بصورة غريزية، وتردد في الغرفة باستمرار صوت احتكاك النصلين
لم يسبق للين أن خاض تجربة سحب سيف وضرب شخص، لكن لحسن الحظ، كان صاحب الجسد الأصلي، كارل، متدربًا جيدًا، وما زالت ذاكرة عضلاته باقية
وكان كارل يعتمد على فنون السيف الممتازة هذه لردع الجيران ذوي النيات السيئة في الأحياء الفقيرة
لكن خصمه هذه المرة لم يكن قاطع طريق غير مدرب، بل صياد سحرة شرب جرعة نعمة الحاكم، وتفوق قدراته قدرات عامة الناس بكثير، كما أن ضرباته كانت قاسية بلا رحمة…
مَجـرَّة الرِّوايَات والمترجم يتمنّون لكم قراءة ممتعة ولا تنسوا الصلاة على النبي ﷺ.
لم تكن طريقة أندريه في استخدام السيف منظمة، لكن كل ضربة كانت شرسة، وبعد 3 اشتباكات فقط، شعر لين بألم حاد في راحة يده، وكاد يعجز عن تثبيت السيف القصير
“مت!” زأر أندريه، ولوح بسيفه الطويل ليبعد السيف القصير، ثم مد يده اليسرى، وأطبقت أصابعه الغليظة بقوة على عنق لين
احمر وجه لين بشدة تحت ضغط عنقه، وبدأ وعيه يضيع بسرعة
“تحذير، الهدف المتفق عليه يواجه خطرًا شديدًا على حياته، وفقًا للمادة 37 من قانون الإدارة الذكية الفيدرالي، سيجري الاتصال تلقائيًا بأقرب مسؤول إنفاذ للقانون…”
أعاد التنبيه المفاجئ في ذهنه وعي لين من هاوية اليأس، وظهرت في قلبه لمحة أمل في النجاة
“تحذير… لا توجد إشارة… تحذير… لا يوجد اتصال بالشبكة… يرجى التوجه فورًا إلى أقرب مكان مرتفع، والبحث عن إشارة قمر صناعي، ثم الاتصال سريعًا برقم الاستغاثة الفيدرالي…”
اللعنة!
شتم لين في داخله، ثم تذكر أنه انتقل إلى عالم آخر، ولم يكن متأكدًا حتى من أنه ما زال في الكون نفسه
اللعنة، كان عليه أن يدخر المال لشراء سفينة جديدة وترقية ذكاء هذا الشيء الرديء… من أين سيجد إشارة قمر صناعي الآن؟
وحتى لو وجدها، فهل يفترض أن يطير ضباط الاتحاد إليه في سفينة فضائية لإنقاذه؟
لكن لم يكن لدى لين وقت للندم الآن، فاليد التي تمسك عنقه كانت تشتد قليلًا قليلًا، كأن حاصد الأرواح جاء ليأخذ حياته
“تحذير… لا توجد إشارة، يجري تفعيل بروتوكول الطوارئ، تحليل أعلى احتمال للبقاء، وبناءً على اتفاق المستخدم، يجري الاتصال الذاتي بالشبكة العصبية…”
أصبح التنبيه في ذهنه أكثر إلحاحًا، لكن لين لم يعد قادرًا على سماعه، إذ شعر في هذه اللحظة كأن دماغه انفجر، وكأن نفسه انفصلت عن جسده، تراقب هذا العالم في حالة غريبة
امتدت قوته الروحية المتناثرة كتموجات الماء، وأصبح إدراكه للعناصر أوضح فأوضح……
“شعر بني، وعينان سوداوان، يبدو أننا عثرنا على الشخص الصحيح”، قال بليني وهو يرى أندريه يسيطر على الهدف بسهولة، فرفع يده عن مقبض سيفه، وبدلًا من ذلك بدأ يتفحص لين
“أنت قادر نوعًا ما أيها الفأر الصغير، وتجيد الاختباء، ربما علينا قطع يد وساق فقط…” قال أندريه بسخرية، وهو يلمس الجرح النازف في عنقه بيده اليسرى
ربما كان ذلك مجرد وهم، لكن أندريه شعر بضيق خفيف في التنفس، واستمر غضبه في التصاعد
ولولا أنه تذكر فجأة أن الشخص الحي يساوي أكثر من الميت، لكان أراد قتل لين فورًا
لم يهتم بليني باقتراح شريكه القاسي، واكتفى بتذكيره بلا مبالاة، “يكفي قطع يد واحدة، وإلا فسيتعين عليك التفكير في طريقة لحمله بنفسك في طريق العودة، وتذكر أن تنفذ الأمر بدقة، لا تدعه ينزف حتى الموت في الطريق!”
كان أندريه يدير ظهره إلى بليني، ولم يجد وقتًا للرد، فقد تحول وجهه إلى أزرق أرجواني، وسقط السيف الطويل من يده اليسرى إلى الأرض بصوت ثقيل، وأصبح تنفسه المضطرب سريعًا أكثر فأكثر، وفي تلك اللحظة، بدا كسمكة أخرجت من الماء، كأن قلبه ورئتيه على وشك الانفجار
قبل 10 أعوام، عندما ابتلعته الدوامة العظمى في بحر الضباب، اختبر أندريه هذا الشعور الخانق القريب من الموت، فكان التنفس رفاهية كاملة، ولولا حظه الجيد، لكان قد دفن في قاع البحر منذ ذلك الوقت
لكنه لم يكن الآن في أعماق البحر، كما أن الهجوم السابق لم يقطع قصبته الهوائية بوضوح…
لهث أندريه بحثًا عن الأكسجين، لكن حالته لم تتحسن، بل ازدادت سوءًا، حتى كادت عيناه الرماديتان تخرجان من محجريهما
أي نوع من الشعوذة هذه؟ أدرك أندريه فورًا أن متدرب الساحر أمامه هو السبب، لكن رد الفعل الخانق الشديد جعله يفوّت فرصة الهجوم المضاد، وأصبحت قوة اليد التي تطبق على عنق لين أضعف فأضعف
وفي الوقت نفسه، تحرك لين الذي كان رأسه متدليًا فجأة، فانفتحت عيناه المغلقتان بإحكام، وفي اللحظة ذاتها، سحب كل الأكسجين المحيط به دفعة واحدة، وطعن بسيفه القصير مباشرة نحو حنجرة أندريه

تعليقات الفصل