الفصل 42: عودوا! أعيدوني فورًا!
الفصل 42: عودوا! أعيدوني فورًا!
قبل بضع دقائق، في بحر الضباب
كان رجل ضخم البنية يقبض بإحكام على سيف طويل، ويوشك أن يهوي به بلا رحمة على لود، لكن النصل توقف فجأة في اللحظة التي بدأ فيها بالهبوط، وتحول تعبيره الشرس تدريجيًا إلى تردد شديد وهو يسأل بحذر
“السيد لود، هل يجب أن أقطعها حقًا؟”
“توقف عن الهراء واقطع!” قال لود الأعرج وهو يضغط على أسنانه، ثم مد يده اليمنى مباشرة إلى الأمام، كاشفًا عن بصمة لهب بارزة جدًا على ظهرها
أثناء حديثه، ارتجف قلب لود من الألم، لكن هذا كان خيارًا اتخذه في يأس كامل
منذ البداية، لم يكن يثق كثيرًا بعملية الإنقاذ الجريئة والسخيفة التي اقترحها أحد السحرة، ولهذا، حين اكتشف الفوضى المفاجئة في بلدة الميناء ورأى أن جميع الخطط السابقة انتهت قبل أن تبدأ، حكم لود فورًا بأن السحرة الباقين في بلدة الميناء سينتهون قريبًا
ولهذا اتخذ لود قرارًا سريعًا، فنظم رجاله وفروا بينما كانت بلدة الميناء غارقة في الفوضى
وبفضل تركيز الكرسي المكرم معظم جهده على التعامل مع لين والآخرين، تمكنوا من السيطرة على السفينة دون عناء كبير، ثم حملوا ما يسهل نقله من أشياء ثمينة وأبحروا بعيدًا عن بلدة الميناء
الشيء الوحيد الذي كان يقلق لود الآن هو بصمة اللهب على يده، فإذا اكتشف ذلك السيد الساحر أنه هرب وهو في خطر، فقد يجر لود معه إلى عالم الجحيم قبل أن يموت
وبسبب فهمه المحدود للسحر، لم يجد سوى حل واحد، وهو قطع اليد
أمسك الرجل المفتول بالسيف بتردد، ولم يجرؤ على الضرب، وكان مزاج لود يتقلب معه حتى انتزع منه السيف الطويل بضيق، فالأفضل أن يفعلها بنفسه بدلًا من التعامل مع هذا التباطؤ
“أيها الرئيس، إشارة! إنها إشارة!”
عند مقدمة السفينة، صاح أحد البحارة فجأة، فرفع لود رأسه غريزيًا ورأى كرة نار ترتفع من رصيف الميناء ثم تنفجر في سماء الليل
تفاجأ لود كثيرًا، فقد ظن أن ذلك السيد الساحر الماكر والقاسي قد مات على الأرجح، لكنه لم يتوقع أن يتمكن الرجل فعلًا من القتال حتى يعود إلى رصيف الميناء
عند هذا التفكير، لم يستطع إلا أن ينظر إلى مساعد القبطان الذي كان يحمل منظارًا خيميائيًا
“أرى عددًا كبيرًا من الحرس المدرع الأسود، لقد خرجوا جميعًا! ورئيس الأساقفة أنسيوك موجود هناك أيضًا! يبدو أن أولئك السادة السحرة محاصرون…” قال المساعد وهو يبتلع ريقه بصعوبة
فهم لود فورًا، لقد لاحقوهم حتى هنا، وبعد لحظة من التفكير، قال بصراحة
“أطلقوا دفعة من سهام النار وفق الخطة، ثم نبحر فورًا لعبور البحر!”
بما أن الطرف الآخر نجح في جذب أنسيوك والآخرين إلى المكان المتفق عليه، فلن يتصرف بلا قلب تمامًا، إذ إن إطلاق دفعة من مسافة بعيدة لا يكلف الكثير، أما الرسو لالتقاطهم فذلك غير وارد
لم يصدق لود أن الطرف الآخر يستطيع فعل شيء وهو في هذا المأزق
فليس الأمر كما لو أنه يستطيع أن يرتقي إلى ساحر عظيم في مكانه، ثم يستخدم بعض التعويذات لإبادة آلاف الحراس النخبة هؤلاء، أليس كذلك؟
سيكون ذلك سخيفًا إلى حد لا يصدق
أخرج أكثر من 300 بحار وحارس فورًا أقمشة مشمعة أعدت مسبقًا، ولفوها حول السهام وأشعلوها بالمشاعل، ثم شدوا أقواسهم وأطلقوا السهام إلى البعيد في مسار قوسي مرتفع دون أي اهتمام بالدقة، ففي النهاية، كان أمر السيد الساحر بسيطًا، إصابة رصيف الميناء فحسب
مَــ.ــجَــرَّة الــ.روايـات: الفصل خيالي، فلا تحاول تجربة أي تقنيات قتالية أو سحرية في المنزل!
ألقى لود عليهم نظرة ثم أشاح بوجهه، وهو يحرك السيف الطويل في يده ذهابًا وإيابًا
هل يقطع أم لا يقطع… وكم يجب أن يقطع بالضبط… كان هذا سؤالًا يستحق التفكير
وفي اللحظة التي حسم فيها لود أمره ليستعد للفعل، اهتزت السفينة كلها بعنف فجأة، ودوّى في أذنيه هدير كالرعد، تبعه اصطدام هائل طرحه أرضًا، فتدحرج حتى وصل إلى قاعدة الصارية وارتطم رأسه بقوة بالعارضة العرضية
كان رأس لود يطن، وابتلت ملابسه من الأمواج المتلاطمة، واستغرق وقتًا قبل أن يتمكن من الإمساك بخصره وبطنه المؤلمين والجلوس، ثم رفع رأسه وسأل مساعد القبطان، “ماذا حدث؟ هل اصطدمنا بعاصفة؟”
لكن رغم سؤاله، لم يجبه مساعد القبطان، بل ظل يحدق بذهول نحو رصيف الميناء ويتمتم لنفسه، “انتهى الأمر، انتهى كل شيء…”
“ما الذي انتهى؟” عبس لود بضيق
هل يمكن أن تكون المعركة عند الرصيف قد حسمت، وأن أولئك السحرة قد انتهوا جميعًا؟
استدار لود لينظر، وبعد أن رأى المشهد أمامه بوضوح، لم يستطع إلا أن يلهث
حينها فقط أدرك أن السحرة لم ينتهوا، بل إن بلدة الميناء بأكملها هي التي انتهت
كانت سحابة غبار هائلة ترتفع فوق المدينة، وفي وقت ما، أضيئت سماء الليل التي كانت خافتة في الأصل حتى صارت حمراء نارية ساطعة، كأن شيئًا مزق الظلام
تحول الرصيف الذي كان مزدهرًا وجميلًا إلى مشهد من الخراب، وتصاعد دخان كثيف في كل مكان، واجتاحت موجة حرارة عاتية السماء فصبغتها بالأحمر، وكان مطر كثيف من النار يهطل من سحابة الغبار الهائلة، مكونًا منظرًا مرعبًا
ابتلع لود ريقه بصعوبة، وارتجفت ساقاه قليلًا، فرغم أنه كان بعيدًا إلى درجة لا تسمح له برؤية ما يحدث عند الرصيف بوضوح، فقد فهم أن الحرس المدرع الأسود وكهنة الكرسي المكرم لم يكونوا يساوون شيئًا أمام هذه القوة
هل أخطأ في تقديرهم حقًا؟ هل كان الطرف الآخر ساحرًا عظيمًا يخفي قوته بعمق؟
كانت الألعاب النارية التي يتحدث عنها الطرف الآخر مرعبة إلى هذا الحد فعلًا… مسح لود العرق البارد عن جبينه، فسقوط مدينة ميناء كان بالفعل أروع منظر رآه في حياته
“السيد لود، هل نعود الآن؟” سأل أحد البحارة بتلعثم
وقبل أن يجيب لود، انطلق من الرصيف شعاع ضوء ساطع، شعاع موت، وضرب البحر مباشرة على بعد 100 متر، رافعًا رذاذًا من الماء إلى عشرات الأمتار، فاهتزت السفينة الشراعية بعنف مرة أخرى، وقفز لود فورًا وهو يصرخ بذعر
“عودوا! عودوا فورًا!”
أسرع البحارة على السفينة إلى سحب الأشرعة وتعديل المسار، ولم يجرؤوا على التأخر ولو للحظة واحدة
في نظر الجميع، كان ذلك دون شك تحذيرًا واضحًا من السيد الساحر
فإن لم يعودوا الآن، فمن المرجح أن تضرب التعويذة التالية السفينة مباشرة
غيّر لود ملابسه بسرعة إلى مجموعة ملابس لائقة ورتب مظهره، ورغم أن ساقيه كانتا لا تزالان ضعيفتين قليلًا، فقد ارتدى ألطف ابتسامة لديه استعدادًا لاستقبال ذلك السيد الساحر القاسي، ولم يذكر أمر قطع يده مرة أخرى
أما الرجل الضخم القريب منه، فكان يسحب حبال السفينة بكل قوته، ممتنًا جدًا لحكمه السابق، ولحسن الحظ أنه لم يضرب قبل قليل، وإلا لكان هو من يقتل الآن

تعليقات الفصل