الفصل 106
الفصل 106: شياو باي يتحرّك، ونهاية قصر السيف للنهر العظيم
في تلك اللحظة، في زاوية المكان
ارتعد بي تشينغفنغ —الذي أُنزِلَت منزلته حتى بات يبيت على الأرض— واعتراه ذعر شديد
بوصفه مزارعًا سابقًا في مرتبة عجلة القمر، كانت معارفه أوسع من معارف طائفة لوو فِنغ ومن معهم بكثير
فهو لم يميّز أنّ هذا كائن تنين فيضاني فحسب، بل ومن هيئة جسده والهالة التي تفوح منه أدرك أنّه يتجاوز عجلة القمر بكثير
أتراه تنينًا فيضانيًا من مرتبة عجلة الشمس
وما إن خطر له هذا الاحتمال حتى انكمشت حدقتاه وسقط في هوّة من الفزع
إذ إنّ الأقوى في إقليم تياندو اليوم لا يعدو أن يكون حاكم الإقليم وقد بلغ قمة مرتبة عجلة القمر
وبكلمة، لو نقّبت في أرجاء إقليم تياندو لما وجدت وجودًا ثانيًا في مرتبة عجلة الشمس
فمن أين خرج هذا التنين الشمسي من جبل كانغوو
وتحت أنفاس متوترة وعيون شاخصة من الجميع
مسح شياو باي المكان بنظراته ثم توقّف طرفه عند بي تشينغفنغ
وبعد أن قارن الملامح التي زوّده بها سيّده وتثبّت منها، أطلق وعيًا سماويًا حاكى به صوتًا وقال: اتبع…ني
ولمّا رأى قوم طائفة لوو فِنغ أنّ التنين إنما جاء من أجل بي تشينغفنغ وحده، شعروا بانفراج في صدورهم وزفروا أنفاسهم
ثم —وكأنّهم متفاهمون— رمقوه بنظراتٍ غريبة
يا فتى، ما أشدّ نحسك
فالآن ليس أنّ زراعتك قد أُبطلت فحسب، بل صرت هدفًا لهذا التنين أيضًا، ولعلّك ستكون لقيمته التالية
هبط قلب بي تشينغفنغ وشعر بأنّ أمرًا ما ليس على ما يُرام
وكان يوشك أن يرفض، لكنّه —بعد أن رأى تلك العينين القانيتين وتلك الهالة المرعبة— كفّ في لحظته عن هذه الحماقة
أخذ نفسًا عميقًا وجمع شجاعته وخرج يمشي تحت أنظار الجميع
وقبل أن ينطق بكلمة، رأى شياو باي يمدّ مخلبًا فيقبضه كما تُقبض لعبة صغيرة
ثم اندفع إلى السماء وحلّق نحو الأفق واستقرّ في بحر الغيوم
سلسلة حركاتٍ انسيابية كالسحاب الجاري والماء المنساب، اكتملت دفعةً واحدة
ولم يبقَ في المكان إلا قوم طائفة لوو فِنغ
رفعوا رؤوسهم ينظرون إلى السقف الذي انتُزعَ فوقهم، واستولى عليهم ذهول بالغ
ثم تبادلوا النظرات وقد غمرهم الإنهاك
وفي تلك الساعة شعروا فجأة بأنّ ريح اليوم صاخبة على نحو غير معتاد
وفي الوقت نفسه، عاليًا في السماء
تحت سرعة شياو باي الهائلة، شحب وجه بي تشينغفنغ من لفحات البرد المحيط وأخذ يرتجف
فانتبه شياو باي إلى اضطرابه، وخشي أن يتجمّد قبل بلوغ المقصد، فأطلق فورًا دفقةً من القوّة الروحية طوّقته ودفّأته وعزلته عن المؤثرات الخارجية
فهدأت ملامح بي تشينغفنغ قليلًا
لكن قبل أن يزفر الصعداء سمع شياو باي يقول فجأة: أين قصر سيفك ذاك؟ دلّني على الطريق
وما إن سمع هذا حتى كان كأنّ صاعقة ضربته فتجمّد جسده
ومن نبرة هذا التنين الشمسي أدرك نية الطرف الآخر
غير أنّ قصر السيف للنهر العظيم إرثٌ توارثته الأجيال، فكيف يُباد على يديه
وعلى هذا عضّ على أسنانه واختار الصمت رافضًا
فلم يكد يرى شياو باي ذلك حتى ضاق عن السؤال، وأرخى المخلب قليلًا ليسقط بي تشينغفنغ من علوّ شاهق
وفي السقوط الحرّ فقد بي تشينغفنغ اتّزانه
وكانت الريح الباردة تخدش وجهه بعنف، وكلّ ما سمعه صفيرٌ متواصل
وانتشرت في قلبه موجة خوف طاغية
ولم يدرِ أنّ هذا التنين سيقذفه هكذا بلا كلمة واحدة
ولمّا دنت الأرض أكثر فأكثر، فاض في قلبه ندم حارق
العيش ذليلًا خير من الموت، فلماذا تظاهر بالصلابة
وعلى أيّ حال، لو أراد الطرف الآخر الاستقصاء لوجد —لا محالة— موضع قصر السيف للنهر العظيم
فالتضحية بحياته كي لا يبوح ويكسب أيامًا قليلة لتأخير دمار القصر عملٌ غير حكيم ولا مجدٍ
وعلى هذا فسلامتي أولى
لأكن أنا الشرارة الأخيرة لقصر السيف للنهر العظيم، فلا تنقطع سلالة الأسلاف
أما إن متُّ أنا أيضًا فحقًا سيباد القصر
وفي غمرة الندم انقطع عنه شعور السقوط فجأة
نظر إلى جانبه حائرًا، فإذا بالتنين الشمسي يعود فيقبضه بمخلَبه
آخر فرصة… دلّني على الاتجاه
تقطّعت كلمات شياو باي في سمعه، فأحسّ بي تشينغفنغ كأنّه نجا من هلاك محقّق
ولمّا استعاد ما جرى، لم يتردّد هذه المرّة، فمدّ إصبعًا مرتجفًا وأشار: هناك… في ذلك الاتجاه
وما إن سمع الجواب المرضي حتى أطلق شياو باي زئيرًا خافتًا وتسارعت سرعته على الفور
فهذه أول مهمة كلّفه بها سيّده، ولا يجوز أن يعيث فيها خطأ، بل يجب إنجازها على أكمل وجه
وعلى هذا اندفع بأقصى طاقته يخترق بحر الغيوم سريعًا
وباعتماده على سرعته الجبارة بلغ علوّ قصر السيف للنهر العظيم بعد وقت وجيز
ثم أمال رأسه قليلًا يتأمّل المشهد في الأسفل
جبل سامق يشقّ السحب كأنّه سيف عظيم لحاكم سماوي مغروس في الأرض
وعلى كتفه قامت مجموعة قصور مهيبة
ولمّا رأى ذلك، ورغبةً في حسم القتال سريعًا ليعود إلى الاستحمام في النبع الروحي، حشد شياو باي قوّته كلّها ولوّح بمخلَبه التنيني مسددًا ضربة بكامل طاقته
نور… إشعاع ساطع باهر يهوي من السماء كأنّه يقلب الليل نهارًا
ضربة تعادل التحوّلات الكثيرة
ونزلت قوّة مدمّرة مغمورة بطاقة روحية مهولة على مجمّع القصور، فانطلقت تعصف وتطيح بكل شيء
فتحطّمت القصور في لحظة، واجتاح الأثر الارتدادي العاتي الأرجاء، ومع موجات الصوت والانفجارات الصوتية غطّى أرض القصر كلّها في سرعة
وانفجرت قوّة قتالٍ رهيبة من ذرى أسرة تشين العظمى
تلاشى كمّ هائل من المادة، وانشقّت الأرض وامتدّت شقوق عريضة لا تُحصى كأنّها تنّينات طويلة
وفي الوقت نفسه مات تلاميذ القصر جميعًا نائمين بسلام قبل أن يشعروا بأدنى ألم
وأُفني أصحاب مراتب القصر الأرجواني وبحر يُوان وعجلة النجوم جسدًا وروحًا تحت بطشٍ يضاهي سيّد التحوّلات الكثيرة الحقّ
دوّي
وفي اللحظة نفسها قُطع الجبل العظيم من وسطه قطْعًا أفقيًا فصار قسمين
وبدا كتف الجبل كأنّه صُقِلَ مرآةً ملساء، ثم انزلق الجزء العلوي ببطء وتهدّل عند سفحه، فأحدث قعقعة هادرة وأثار سحبًا كثيفة من الغبار والهواء
بضربة واحدة، مُحي قصر السيف للنهر العظيم تمامًا
وإزاء هذا المشهد المفزع تيبّس بي تشينغفنغ رعبًا
فما شهد في حياته قوّة كهذه قطّ
أهذه حقًّا مجرد عجلة شمس
وظلّ على ذهوله
أمّا شياو باي فلم يُعره انتباهًا
إذ طفا في وجدانه أمر سيّده ثانيةً: امحُ القصر كلّه ولا تُبقِ أحدًا
فانقضّ فوق الخرائب المتهدّمة وبسط وعيه السماوي وأخذ يفتّش في تؤدة عن أيّ ناجين
وبعد عشرات الأنفاس
لمّا تبيّن له أنّ الجميع قد هلكوا، تنفّس الصعداء ثم غادر حاسمًا —دون إبطاء— وهو يحمل بي تشينغفنغ
وفي تلك الأثناء جذب الضجيج بضعة مزارعين من مرتبة القصر الأرجواني كانوا عابرين، فوقع نظرهم على هيئة شياو باي وهو يبتعد، ثم على الحالة الكارثية لقصر السيف للنهر العظيم، فغرقوا جميعًا في صدمة واحدة
أذكر أنّ هذا الحيّ لِقصر السيف للنهر العظيم، فمع هذا المنظر الآن… أباد القصر
يخيل إليّ أنّ الخارج كان تنينًا فيضانيًا، ومع أنّه كان بعيدًا أشعرني بضغطٍ هائل، فما مرتبة زراعته
تنين فيضاني يدمّر قوّةً من عشيرة البشر، هذا أمرٌ جلل واستثنائي
كان في القصر ماركيز السيف ذاك، بي، يحرسه، ومع ذلك لم يصمد، أترى هذا التنين وجودًا عند قمة عجلة القمر، أم هو… وجودٌ مروّع في مرتبة عجلة الشمس
وخلف هذا المشهد الموحش تجمّدَت القلوب بردًا واستولى القلق على الجميع
ثم، خوفًا من عودة التنين فجأة، لم يجرؤوا على البقاء، فتفرّقوا في كل اتجاه وفرّوا في هلع

تعليقات الفصل