تجاوز إلى المحتوى
الاستثمار في عشيرة أمر السماء قوتي هي مجموع قوة العشيرة بأكملها

الفصل 117

الفصل 117: وصولُ رسولِ ولايةِ تياندو، ودهشةُ سيّدِ المدينة دينغ

بوصفه مزارعًا في مرتبةِ عجلةِ النجوم، كانت ذاكرته تتفوّق طبيعيًا على ذاكرة الناس العاديين بكثير

ومن خلال أحاديثه مع أفراد عائلة جيانغ عَلِم أنّ اسم الطرف المقابل هو جيانغ تشيوي

كما عَلِم أنّ سلوكها كان غريبًا للغاية

فمنذ عادت مع أفراد الفرع إلى عائلة جيانغ وهي منطوية تعيش وحدها تقريبًا بلا اختلاط اجتماعي يُذكر

بل إنّ مَن حاول من أبناء العائلة التقرّبَ منها قوبل ببرودٍ واضح

وكأنّ كلّ ما في العالم لا يساوي عندها شيئًا سوى السيف في يدها الذي يَستحقّ انتباهَها وحده

وما انطبع في ذهن غو شينغجيان أكثر من غيره أنّه حين التفّ كثيرٌ من أبناء العائلة حوله يرجونه تعليمَهم فنونَ السيف لم تُبدِ أدنى فضول، ولم تقترب أصلًا، بل ظلّت تتمرّن وحدها كأنها غارقة في عالمها الخاص

مثل هذا التركيز لم يصادفه غو شينغجيان في حياته من قبل، حتى إنّه تنهّد شعرًا بالتقصير؛ فهو نفسه لا يقدر على المواظبة على هذا التركيز يومًا بعد يوم

ومع هذا كله، وبرغم الجهد العظيم الذي تبذله، تفاجأ حين اكتشف أنّها لا تزال عند ذروة تقنيات السيف، ولم تَبلغ بعدُ المرتبة الثانية في طريق السيف، وهي «مرتبة طاقة السيف»

يمكن القول إنّ موهبتها في طريق السيف ضعيفةٌ للغاية، ضعيفةٌ إلى حدٍّ لم يرَ مثيلًا لها في حياته قط

لكنّ هذا الإصرار حرّكه في الوقت نفسه

ومع ما لقيه من كرم معاملة السيّد القَبَلي نحوه كان غو شينغجيان قد اندمج تمامًا في عائلة جيانغ منذ زمن

وها هو الآن، إذ يراها تجتهد بهذا القدر ولا تتقدّم، يشعر فجأةً بأنّ بوسعه أن يفعل شيئًا ما

وبهذا الخاطر خرج على الفور ومشى حتى بلغ جانبَ جيانغ تشيوي

في تلك اللحظة لم تَنتبه جيانغ تشيوي إلى قدوم شخصٍ غريب، وظلّت على عادتها تتمرّن على السيف

كان تعبيرها مركزًا للغاية وباردًا جدًّا، ككتلةِ جليدٍ لا تذوب ولو مرّت عليها عشرةُ آلاف سنة

حتى تردّد صوتُ غو شينغجيان ببطء: «لا يكون تمرينُ السيف على هذا النحو…»

تفاجأت جيانغ تشيوي، وأوقفت حركتها، ونظرت نحو مصدر الصوت

ولمّا رأت غو شينغجيان واقفًا غيرَ بعيدٍ عنها رمشت مرّاتٍ وعينيها فيهما شيءٌ من الحيرة

تمتمت في نفسها: «يا لهذه اللعنة… عادت عليّ عِلّةُ عَمى الوجوه»

مضت مدةُ عشرِ أنفاسٍ كاملة

ولم تتكلّم جيانغ تشيوي، فغدت الساحةُ ساكنةً إلى حدٍّ مُحرِج

ولما رأى ذلك غو شينغجيان رفع حاجبه مدركًا على الفور أنها ربما لم تتعرّف إليه

قال: «ماذا؟ تتمرّنين في ساحة الفنون القتالية منذ زمن، ولا تزالين لا تعرفينني؟»

وما إن سمعَت الصوتَ المألوف حتى عرفت مَن يكون، وإن لم تتعرّف إلى وجهه

فقرّبت قبضتَيها بتحيّة وقالت: «سلامي إليك، أيها الداعم غو»

أظلم وجهُ غو شينغجيان قليلًا، وفهم على نحوٍ مُبهَم لماذا قوبل أولئك الذين حاولوا التودّدَ إليها ببرودٍ قاسٍ؛ لعلّ هذه الفتاة الصغيرة… لا تحفظ وجوهَ الناس ولا أسماءَهم

وبهذا الخاطر غدا تعبيرُه غريبًا بعضَ الشيء، ثم ثبّت ذهنَه وحدّق فيها ثانيةً وقال بنبرةٍ عميقة: «شهدتُ جهدَك في الأيام الماضية، لكن لماذا، مع أنّ مرتبتَك في طريق السيف ساكنةٌ لا تتقدّم، لا تأتين لطلب الإرشاد مثل غيرك؟»

وبحسب ملاحظته فإن هذه الفتاة، على شدةِ تركيزها على السيف، نادرًا ما تطلب الإرشاد من أحد؛ تكفيها نسخةٌ من دليل السيف لتظلّ تُطالعها وحدها زمنًا طويلًا

وبحضور الغرباء بدا على جيانغ تشيوي شيءٌ من التحفّظ؛ فقد صاغتها سنواتُ الانفراد على قلّة الكلام مع الناس

ولذلك لم تعرف ماذا تقول إزاء سؤال غو شينغجيان، فآثرت الصمت

وعاد المشهد إلى سكونٍ تام

وبعد عشراتِ الأنفاس، وإذ رآها غو شينغجيان تُطأطئ رأسَها مرارًا وتُمرّر نظرَها على الأرض، أيقن أنّ الشائعات لم تكن باطلة، فهي حقًّا لا تُحسن المخالطة

ولم يُرِد أن يُحرجها، فأخرج على الفور سيفًا خشبيًا للتدريب من فضاء القصر الأرجواني، وأمسك مقبضَه، ورفع جسدَ السيف أمام صدره مائلًا بطرفه نحو جيانغ تشيوي

هذه الرواية خيالية، وأي تشابه مع الواقع غير مقصود.

وقال: «التمرّنُ منفردةً مُملٌّ في النهاية، ما رأيك أن أتمرّن معك؟»

كان يعتزم أن يمدّها بالحركات تباعًا ويصحّح أخطاءَها خلال المناوشة

وفي اللحظة التي سحب فيها غو شينغجيان سيفَه رفعت جيانغ تشيوي رأسَها فجأةً، واشتعلت عيناها بعزمِ القتال حتى غدتا لامعتين للغاية

فكيف لسالكةِ السيف ألا تَشتاق إلى المنازلة مع أقوى منها

وبهذا الخاطر أجابت من فورها: «حسنًا»

ثم أمسكت سيفها بيمينها واندفعت بسرعة، وبلغت أمام غو شينغجيان وبدأت معه مناوشةً على الفور

بعد شهر

مدينة وودان، قصر سيّد المدينة

في الفناء كان دينغ شوان يُزاول تقنيةَ زراعته بإخلاصٍ ساعيًا إلى اختراق «المستوى السابع» من مرتبة القصر الأرجواني بأسرع ما يمكن

ومنذ زيارته جبلَ كانغوو آخرَ مرةٍ ورؤيته ذلك العجوز جيانغ هونغغوانغ يَخترق إلى مرتبة بحر يُوان دخل القلقُ قلبَه فجأة

وشعر أنّه منذ صار سيّدًا للمدينة استراح أكثر مما ينبغي وانغمس في المتع فتراخى في الزراعة

ولذلك رفض كثيرًا من الولائم في هذه المدة، وأقبل على الزراعة بكلّ ما أوتي

غير أنّ وقع خطواتٍ مسرعةٍ دوّى فجأةً فالتفت انتباهُه

فتوقّف دينغ شوان عن الحركة ورفع بصره

وإذا بالمُدبّر العام يُسرع نحوه

قال بهدوءٍ وعلى سجيته: «ما الأمر؟»

اقترب المُدبّر العام وأشار بإصبعه إلى الخارج قائلًا بتوتّر: «سيّدي… إنّه رسولُ ولاية تياندو»

وما إن سمع ذلك حتى قطّب دينغ شوان حاجبيه مستغربًا غاية الاستغراب

فلم يَرَ رسولًا من قِبَل الحاكم الإقليمي طوال سنوات خدمته، وهذا مُلفت بالفعل

ومع حيرته الشديدة أدرك أنّ عليه ألا يُقصّر في الأدب، فقال على الفور: «أسرعوا فادعوه، ولْيُجْمَع الرسولُ في قاعة المجلس»

قال المُدبّر العام: «حاضر» وهو يُومئ سريعًا وقد أدرك خطورة الأمر

بعد قليل

داخل قصر سيّد المدينة، قاعةُ المجلس

جلس دينغ شوان متوتّرًا على الكرسي الكبير، وعن يمينه جلس رجلٌ ذو أنفٍ معقوف، وكان هو الرسولَ الذي جاء على عَجَلٍ من ولاية تياندو

وبعد أن تبادل الطرفان كلماتِ مجاملةٍ يسيرة قال دينغ شوان بنبرةٍ عميقة: «هلاّ تفضّلتم يا سيّدي الرسول وأخبرتموني بما جاء بكم هذه المرّة؟»

طهّر الرسولُ الابتسامةَ عن وجهه وجَدَّ قائلًا: «سيّدَ المدينة دينغ، هل بلغك ما وقع حديثًا لعائلة تانغ في ولاية تياندو من إبادةٍ شاملة؟»

وكان هذا القول كالصاعقة

وبينما ارتسم الفزعُ على وجه دينغ شوان لم يَملك إلا أن بدا فيه أثرُ الحيرة؛ فمدينة وودان، لكونها في أطراف ولاية تياندو، يصلها الخبرُ متأخرًا، ولهذا لم يسمع بأمرِ إبادةِ عائلة تانغ

وحين استحضر ما يُتداول عن قوّة عائلة تانغ في تياندو، وأنها مع ذلك أُبيدت بهذه الصورة، بدا له التفصيلُ مُروِّعًا حقًّا عند التفكير فيه

فقال مُستغربًا ثم رفع نظرَه إلى الرسول: «لم أسمع بذلك، تفضّل يا سيّدي الرسول وفصِّل الأمر»

فأخذ الرسولُ يصبر ويَروي ما هزّ قوى كثيرةً قبل مدةٍ وجيزة من حدثٍ عظيم

التالي
117/1٬326 8.8%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.