الفصل 116
الفصل 116: أسر ثلاثة من القصر الأرجواني، بهجة جيانغ هان
قالت المرأة بسخرية حادة: أن تموت من أجلي تُعد نعمةً حصدتها عبر ثلاث حيوات أيها الوضيع
قهقَهت المرأة دون أن يداخلها أدنى شعور بالذنب، فبوصفها مزارعة في مرتبة القصر الأرجواني ذات مكانة نبيلة، لماذا تُبالي بأرواح هؤلاء الناس العاديين
لكن حين لم يبقَ بين كفّها البيضاء الناصعة وبين الشاب سوى أقل من متر، وقع أمرٌ غير متوقع
وشّ—
انقدح ضوء سيف على نحو فاق توقّعات الجميع
انكمشت حدقتا المرأة ودقّ ناقوس الخطر في صدرها وشعرت في اللحظة ذاتها بأنّ أمرًا ما ليس على ما يرام
أرادت أن تتفادى الضربة لكنها تأخرت
فبحدّ سيف واحد انفصل اللحم عن العظم وتناثر الدم في الأرجاء
قُطعت كفّها في لمح البصر تحت حدٍّ قاطع مروّع
التوت ملامح المرأة واندفع من حلقها صراخٌ حاد
لكن ذلك لم يكن سوى البداية
فقبل أن تستوعب ما حدث، ظهر جيانغ هان أمامها فجأة، ومدّ كفّه اليمنى بسرعة ليُطبق على وجهها
فُعِّلت مهارة الينابيع الصفراء
في التوّ انبعث من كفّ جيانغ هان جذبٌ مخيف يمتصّ بجنون جوهر المرأة وطاقةَها وروحَها
وبدأ جلدها يفقد رطوبته بسرعة حتى غدا ذابلًا للغاية
ولمّا رأى تساي تشي ين هذا المشهد المرعب —على جرأته— توقّف لا إراديًا وارتسم على وجهه ذهولٌ وحيرة
من أين خرج هذا الشاب الغامض المخيف
وفي الوقت نفسه شحب وجوه رجال حصن ينفِنغ وأفراد مجموعة الفضة الزرقاء التجارية الحاضرين
بل إن بعضهم خرّ على الأرض وابتلّت سراويله خوفًا
بعدها أوقف جيانغ هان الامتصاص ورمى المرأة —التي شاخت ملامحها— بإهمال جانبًا كأنها قمامة
ثم رفع رأسه وحدّق في تساي تشي ين الذي يقف غير بعيد
لا كلمات زائدة
إنما تدفّقت من جسده على التوالي قوة الينابيع الصفراء الأصلية واتّسعت موجاتها حتى أخذ كلُّ شيءٍ من حوله يذبل
ثم استخدم تقنية حركة، وتلاشت صورته ولمع أمام تساي تشي ين، وسدّد كفًا فجائية
تكاثف الجوهر وتحول إلى كفّ عظيمة غير مرئية بلون أصفر ذابل، خرجت منه في طرفة عين أمتارًا عدّة لتهوي على خصمه
وكان تساي تشي ين قد فرغ للتوّ من قتال وبحالٍ غير جيّدة، فاستعجل يطلق قوّة الجوهر لمقاومة الضربة
لكن أمام قوة الينابيع الصفراء الأصلية المروّعة ذابت قوّةُ جوهره المتبجّحة واخترقتها وعادت عدمًا
غطّت جسدَه كميات كبيرة من قوة الينابيع الصفراء الأصلية
وبين صرخات الألم ذابت أطراف تساي تشي ين وتحولت دمًا
ولم يكن ذلك عجزًا عن قتله، بل كي لا يؤدّي موته إلى هبوط في مقدار الجوهر والطاقة والروح الممكن امتصاصها فتقلّ الفاعلية
وهكذا تحوّل خصمه إلى هيئة جذعٍ بشري لا يستطيع إثارة المتاعب ولا الفرار
وكان هذا بلا شك أفضل خيارٍ لجيانغ هان
ثم تجاهل تضرعات تساي تشي ين وعويله
وحوّل نظره بهدوء إلى رجال حصن ينفِنغ وأفراد مجموعة الفضة الزرقاء التجارية أمامه
ولتجنّب تسرّب الخبر لم يتردّد ولاذ بالصمت لهم جميعًا
ففي مواجهة جيانغ هان —الذي يمتلك طريقة زراعة برتبة الإمبراطور مثل مهارة الينابيع الصفراء— لم يكن سو شان نائب حصن ينفِنغ، وهو بدوره من القصر الأرجواني، سوى خصمٍ لِتبادُلٍ واحد، حركةٍ واحدة، لم يمهله الزمن للفرار حتى صار في لحظة بهيئة جذعٍ بشري كحال تساي تشي ين
ولمّا رأى الجمعُ حال الزعيم ونائبه المأساوية عمّت الفوضى في المشهد
فتفرّق كثير من رجال حصن ينفِنغ هاربين
حتى أفراد مجموعة الفضة الزرقاء التجارية أدركوا أنّ مَن أمامهم على الأرجح مزارع شيطاني
فلم يجرؤوا على المراهنة وهربوا جاهدين
غير أنهم أمام جيانغ هان —الماهر في تقنيات الحركة— كانوا بطيئين جدًا
فما لبثوا جميعًا أن سقطوا قتلى بين يديه
وافترشت الجثث الأرض طبقات متراصّة
وقف جيانغ هان في الوسط ورفع نظره إلى السماء وملامحه صارمة
ثم أعاد طرفه ببطء
وبإيماءة عابرة من يده اندفعت كميات كبيرة من قوة الينابيع الصفراء الأصلية نحو الجثث فحوّلتها في لحظة إلى بركٍ من الدم
وبعد أن فرغ من ذلك عاد ينظر إلى تساي تشي ين وسو شان —وقد صارا جذوعًا بشرية— وإلى المرأة التي شاخت للغاية
ازداد بصرُه بريقًا واشتعل قلبه ترقبًا
لا أدري كم سترتفع قوتي بعد امتصاص هؤلاء الثلاثة من القصر الأرجواني
وفي الوقت نفسه
جبل كانغوو، قرب ساحة الفنون القتالية
كانت فتاة نحيلة ترتدي ثيابًا سوداء ضيّقة وتربط شعرها الأسود عاليًا بحبلٍ أحمر تمسك سيفًا طويلًا وتُنازل الرجل الأوسط العمر أمامها بلا توقّف
غمرها العرق ولهثت أنفاسها على الدوام
تقطع وترفع وتطعن، حركةً إثر أخرى، لكن الرجل الأوسط العمر كان يحلّها بسهولة
وبعد عشر حركات
هزّ الرجل رأسه وقال: جيانغ تشي وي، مع أنّك ثابرتِ على حركات السيف طوال هذه السنين وصرتِ متقنة للأساليب والرتب، لكنك فقدتِ الروحانية وصرتِ جامدة، وطريق السيف يقوم على التبدّل
وبعد أعوام كاملة لم يتحقق تقدّم، ومن الواضح أنّك غير ملائمة لزراعة طريق السيف، حتى لو بذلتِ جهدًا وعرقًا يعادل ألف مرة جهد الناس فسيبقى الحال كما هو
ولمّا سمعت جيانغ تشي وي كلامه لم يتغيّر تعبيرها، ومضت في طريقها تُمطره بحركات سيفٍ شتّى
تنهد الرجل وهو يقبض على مقبض السيف، ثم بضربةٍ عابرة طيّرت السيف الطويل من يد جيانغ تشي وي في الحال
أما زلتِ لا تفهمين؟ ليس لديك موهبة لطريق السيف، فلم لا تجرّبين مساراتٍ أخرى، ولماذا الإصرار على دربٍ لا يلائمك من الأساس
إن واصلتِ على هذا المنوال فربما لن تحصلي حتى على أهلية تمثيل سلالة تيانكوان في مسابقة الفروع السبعة مستقبلًا
وفي مواجهة التوبيخ عضّت جيانغ تشي وي شفتها الحمراء بإحكام وثبّتت عينيها على الرجل الأوسط العمر
تلاقى الطرفان بالنظر
ولمّا شعر بإصرارها زفر الرجل قليلًا، ثم أعاد سيفه إلى غمده عند خاصرته ومسح جبينه براحة يده اليمنى وقال: آه، كيف رُزقتُ ابنةً عنيدة كهذه
كما أنّه لم يفهم لِمَ تشبّثت ابنته بطريق السيف منذ طفولتها حتى أهملت زراعتها كثيرًا
فقد بلغت الثامنة عشرة، غير أنّ زراعتها لا تزال عند طبقة صقل العظم الأولى
ومن الواضح أنه وفق موهبتها لو تفرغت للزراعة لبلغت —على الأرجح— طبقة صقل العظم التاسعة أو حتى المرتبة المكتسبة الآن
وأمام تساؤله لم تُطِل جيانغ تشي وي الكلام، بل أسرعت إلى سيفها الطويل والتقطته مجددًا
وشدت قبضتها على المقبض ورفعت جسد السيف أمام صدرها
وانعكست عيناها الداكنتان على صفحة السيف الفضية اللامعة كالمِرآة
وعادت تشعر بتلك الخفقة العميقة في قلبها
كان سرًا لم تُبح به لأحد: كلما أمسكت سيفًا انفجرت في صدرها فرحة لا تُفسَّر
تلك الفرحة فاقت كل شيء، ولذا مهما كان التعب والمشقة فهي مستعدة لهما ولم تفكّر يومًا في الاستسلام
ومع ذلك، وبرغم ما بذلت، لم تتجاوز مرتبتها الحالية ذروة مرتبة مهارة السيف، ولم تُحرِز تقدمًا منذ سنوات
ومع هذا كله لم تتزحزح عزيمتها قيد أنملة
بل ظنّت أنها ربما أبطأ من غيرها وتحتاج إلى جهد مضاعف لتحصد شيئًا
ثم لم تُرِد أن تضيع وقتًا، ومضت في صمت تُواصل تمرين حركات السيف
ولمّا رأى الرجل المشهد تنهد، ولم يعد يحاول إقناعها، واستدار ليغادر
كانت الآلام تعتصر جسد جيانغ تشي وي من التعب
لكنها لم تُبالِ، واستمرت في تمرين حركاتها
فقد جعلتها سنوات الكدّ تمتلك كفّين لا تشبهان كفّي النساء العاديات، بل امتلأتا بثفنات وندوب
وتساقط العرق كالمطر دون أدنى توقّف
وفي تلك اللحظة تحديدًا
غير بعيد
كان قو شينغجيان يدرس أسلوب سيف الريح والرعد، فانتبه فجأة إلى هذا المشهد
قطّب حاجبيه، وأعاد سيفيه إلى الغمد، ولم يملك إلا أن يرمقها مرّات عدة

تعليقات الفصل