الفصل 142
الفصل 142: التحالف وبناء مدينة
لم يلقِ جيانغ داوشوان لذلك بالًا، وقال باسترخاء: «حين غادر في ذلك اليوم كان قد دفع الثمن الذي يستحقه، فلا حاجة إلى هذه الكلمات»
فمنذ البداية حتى النهاية لم يضع في عينيه شخصيات صغيرة مثل شو قو
وما إن سقطت كلماته
حتى زفر شو قو بارتياح
لقد كان في هذه اللحظة أكثر خوفًا من أي وقت مضى
عندها هزّ الشيخ الأكبر تشانغ تسانغ رأسه
وأخرج خاتمًا فراغيًّا مملوءًا بالمؤن ووضعه على الأرض
وقال: «هكذا يُقال، لكن شو قو في النهاية شيخ في طائفتنا طائفة الجبل الأخضر، وقد كان جاهلًا في السابق فتجرّأ على التلفظ بالترهات أمام زعيم عشيرة جيانغ فأغضبك، وأنا هنا أمثّل طائفة الجبل الأخضر لأعتذر لك»
ابتسم جيانغ داوشوان: «طائفتكم طريفة فعلًا، حسنًا، أتقبّل نيتكم»
وعند سماع ذلك ارتخت حواجب الشيخ الأكبر تشانغ تسانغ
فمثل هذه الاعتذارات لم تكن من أجل شو قو وحده
بل كانت أكثر من ذلك لتحسين انطباع الطرف الآخر عن طائفته
وفي هذه اللحظة دوّى صوت جيانغ داوشوان من جديد
«فما الغرض الحقيقي من زيارتكما إذن؟ بذلُ هذا الجهد الكبير على الأرجح ليس لأجل هذه المسألة الصغيرة، أليس كذلك»
ضمّ الشيخ الأكبر تشانغ تسانغ كفّيه وقال: «لا يخفى شيء على زعيم عشيرة جيانغ، فزعيم الطائفة وضع لي فعلًا ترتيبات أخرى في هذه الرحلة»
وبعد أن قال ذلك أمال رأسه قليلًا وحدّق فورًا إلى شو قو بإشارة: «اذهب وانتظر في الخارج»
ولمّا سمع هذا عرف شو قو قدره جيدًا، وفهم أن ما سيأتي ليس له أن يسمعه
ومع عدم رغبته في البقاء لحظة أطول، شعر كأنه نال عفوًا، فهبّ مسرعًا وركض من غير أن يلتفت
وبعد أن غادر شو قو القاعة الكبرى للعشيرة تمامًا
لم يبقَ إلا جيانغ داوشوان والشيخ الأكبر تشانغ تسانغ
حدّق الشيخ الأكبر تشانغ تسانغ في ظهر جيانغ داوشوان بوجهٍ يفيض احترامًا، ثم سأل بحذر: «ما رأي زعيم عشيرة جيانغ في الأسرة الحاكمة الحالية»
وما إن خرجت هذه الكلمات
حتى نهض جيانغ داوشوان ببطء عن الوسادة واستدار ناظرًا
ذلك الطلّ، غير الشبيه بالبشر، المتقن الكامل ككائن سماوي، جعل قلب الشيخ الأكبر تشانغ تسانغ يرتجف
وفي الوقت نفسه انبعثت منه هالة بطولية مهيبة، لا تغضب ومع ذلك تبعث الرهبة، حتى ليشعر المرء بعدم الارتياح والخوف، كأنه يلقى إمبراطورًا
ومع أنه رأى هيئة الطرف الآخر في لوحات من قبل
فإن اللقاء وجهًا لوجه كان مختلفًا تمامًا، كأن بينهما عالمين
نفحة هالة سالت فاهتز الفضاء، حتى إنه أحسّ بخفوت رغبة في الركوع
إلى أي مستوى بلغت زراعة مركيز السيف ذي الرداء الأبيض هذا؟ أهو فعلًا مجرد قرص قمر
وبينما كان الشيخ الأكبر تشانغ تسانغ مذهول النظرات
قال جيانغ داوشوان ببطء: «أسرة حاكمة؟ إنها تسعى إلى التحكم بشريان قوى العالم، وقد أضحت علاقتها بالطوائف والأسر الوجيهة كالنار والماء، وفي المستقبل لا بدّ من معركة بين الطرفين»
لقد مكث في هذا العالم بضعة أشهر
وإلى جانب الزراعة والسؤال عن شؤون العشيرة يوميًّا
جمع أيضًا كثيرًا من المعلومات عن أسرة تشين العظمى
قبل تأسيس أسرة تشين العظمى كانت هذه الأرض تحت حكم أسرة تشو العظمى
في ذلك الوقت
أرادت أسرة تشو العظمى انتزاع السلطة من الأسر الوجيهة والطوائف المختلفة لتحقيق الحكم المركزي
لكن خطاها كانت أسرع وأوسع من اللازم
فاجتمعت قوى كثيرة أبت الخضوع لأسرة تشو العظمى واندلعت الحرب
أما مؤسس أسرة تشين العظمى فبفضل كلماته الجريئة بأنه إن أسّس دولة فسيتقاسم العالم مع الطوائف والأسر الوجيهة نال دعم كثير من الأسر والطوائف في مستوى التحوّلات الكثيرة
واستمرت هذه الحرب أعوامًا عدّة وانتهت أخيرًا بزوال أسرة تشو العظمى
وبعد قيام أسرة تشين العظمى
ففي البداية أوفت فعلًا بوعد تقاسم العالم مع الطوائف والأسر الوجيهة
لكن مع مرور الزمن
صار الشاب الذي قتل التنين تنينًا شريرًا
فألف عام كافية لتغيير أمور كثيرة
شيئًا فشيئًا بدأت أسرة تشين العظمى تسير على خطى أسرة تشو العظمى القديمة
ومن أجل استرداد السلطة الكاملة راحت تكبت القوى المختلفة في الخفاء بلا انقطاع
وخصوصًا أن أسرة تشين العظمى استفادت من دروس فشل أسرة تشو العظمى فتجاوزت سابقتها
فاستُخدمت أساليب شتّى لإضعاف أسس القوى الكبرى على الدوام
وفُسّخت الروابط بين قوى الطوائف عبر تقسيم الولايات الست والثلاثين، وأُنشئت أكاديمية الأبيض والأسود لامتصاص المواهب من مختلف القوى لاستخدامها، وهكذا دواليك
وأمام هذا كله عجزت قوى كثيرة
فبعد آلاف السنين من صراعات الموارد
انقطع نسلُ كثير من قوى مستوى التحوّلات الكثيرة وفنيت في المعارك
وكانت طائفة الشيطان السماوي القديمة واحدة منها
وبسبب معرفته بهذه المعلومات
فهم جيانغ داوشوان تمام الفهم
أن أسرة تشين العظمى الحالية برميل بارود يمكن أن ينفجر في أي لحظة
طرف يريد استرداد السلطة، وطرف لا يريد التنازل عنها، ولا يريد أقلّ من ذلك أن يُكبّل بقيود الآخرين
ولذلك جزم بأنه متى نضج الوقت فلا بدّ من معركة بين المعسكرين
وحين أنهى جيانغ داوشوان كلامه في هذه اللحظة
هزّ الشيخ الأكبر تشانغ تسانغ رأسه قليلًا وقال: «وبسبب توتر الوضع الحالي تحديدًا نحتاج لمقاومة ضغط الأسرة الحاكمة إلى مزيد من الاتحاد»
«إن طائفتنا طائفة الجبل الأخضر، وعائلة تشاو في بي هاي، وطائفة تيانياو، وطائفة تشيهون، هذه القوى الأربع الكبرى كلها لديها نية تشكيل تحالف، فإذا اتحدنا استطعنا إنشاء نظام تجاري متكامل ونتقدم ونتراجع معًا، فيغدو سيّد المدينة سيما نان أكثر تحفّظًا، وبذلك تقل بعض ألاعيبه»
«هممم»
تحركت عينا جيانغ داوشوان قليلًا وداخلَه بعض الاهتمام على الفور
ولم يكن بطبيعة الحال غريبًا عن هذه القوى الأربع
فكلها لديها خبراء في مجال قرص القمر يجلسون للحراسة، وهي قوى من الدرجة الأولى في ولاية تياندو
بل إن عائلة تشاو التي مقرّها مدينة بي هاي أقوى أساسًا من عائلة تانغ السابقة
فسَلَفهم القديم «تشاو زيتشن» يملك زراعة في مجال قرص القمر في الطبقة السابعة ومتخصص في طريق التعويذات، وقوته تكفي ليدخل ضمن العشرة الأوائل في ولاية تياندو
وليس هذا فحسب، فجمعية تونغباو التجارية التابعة لعائلة تشاو في بي هاي ممتدة عبر عدة ولايات محيطة
ومواردهم المالية فسيحة إلى حد يجعلهم ضمن الثلاثة الأوائل في ولاية تياندو
أما طائفة تيانياو فهي قوة عريقة في طريق الكِيمياء
فسلَفهم القديم خيميائي عالي الدرجة بنقشتين، قادر على صقل حبوب من رتبة أرضية بدرجة متوسطة، وهو مكافئ لخبير في مجال قرص القمر
وطائفة تشيهون قوةٌ متخصصة في طريق الرمح، وقد أدرك سلفهم القديم «قلب الرمح» فيُبجّل بوصفه «مركيز الرمح»
وفي هذه اللحظة سمع الشيخ الأكبر تشانغ تسانغ يتابع: «غير أننا ما زلنا نفتقر إلى قائدٍ يردع سيما نان، ولهذا طال تأخير مسألة التحالف وبقيت مجرد فكرة»
«أما الآن فصنيعك في تدمير عائلة تانغ في تياندو قد دوّى في ولاية تياندو كلها، وبقوتك هذه إن تولّيتَ القيادة فلن يبقى هذا المخطط حلمًا فارغًا، بل سيغدو واقعًا على الفور»
«وفوق ذلك، قبل إسراعي إلى جبل كانغوو كنت قد زرت العائلات الثلاث الأخرى وشاورتها، ووفق النتيجة التي اتفقت عليها عائلاتنا الأربع معًا، إن وافقتَ فنحن على استعداد لأن نحترم أسرة جيانغ في كانغوو رأسًا، ونُجلسك في منصب زعيم التحالف»
«وإن وافقتَ، ففي غضون شهر ستهبط أسلاف عائلاتنا الأربع شخصيًا على جبل كانغوو لبحث أمور كثيرة تخصّ التحالف معك وجهًا لوجه»
وبعد أن أنهى كلامه حدّق الشيخ الأكبر تشانغ تسانغ بقلق في جيانغ داوشوان
فمسألة التحالف عظيمة الشأن ولا تحتمل أدنى تهاون
وفي هذه اللحظة ابتسم جيانغ داوشوان ابتسامة خفيفة
فما دام يستطيع استخدام قنوات القوى الأربع ليسمح لأفراد العشيرة بنيل منافع كثيرة
وحين يخرجون يستطيعون أيضًا الظفر بتسهيلات عديدة
فأيّ سبب لديه إذن كي لا يوافق
كما أنها فرصة طيبة لتأسيس جمعية تجارية خاصة بأسرة جيانغ وشبكة استخبارات
وعلى هذا الخاطر هزّ رأسه وقال بلا تكلّف: «مسألة التحالف مقبولة»
وما إن خرجت هذه الكلمات حتى انشرح قلب الشيخ الأكبر تشانغ تسانغ على الفور
فما دام لديهم مركيز السيف ذي الرداء الأبيض، أحد الثلاثة الأوائل المعترف بهم في ولاية تياندو، سندًا لهم
فمن المظنون أن حتى قويًّا مثل سيما نان سيأخذ بعض الحيطة، فتقلّ كثير من تحركاته الخفية التي تستهدفهم
وممتلئًا بالبهجة انحنى مهللًا: «حين كنت أسرع إلى جبل كانغوو آنفًا رأيت أن السوق عند سفح الجبل بدائي، ولا يوافق البتة المستوى الذي ينبغي أن تكون عليه أسرة جيانغ في كانغوو الآن، وهذه المرة حين أعود إلى الطائفة سأرفع تقريرًا إلى الكبار، ثم نحشد قوة عائلاتنا الأربع لبناء مدينة للزراع الروحيين لكم، ما رأيكم»
«ويمكن لهذه المدينة أيضًا أن تكون المركز التجاري للتحالف»

تعليقات الفصل