الفصل 284
الفصل 284: ترتيبات جيانغ داوشوان، الوضع الراهن لقاعة الوحوش الروحية
حتى لمن هو قوي مثل مبارز سيف قديم ذو عمر طويل
بعد خوض ولادات جديدة لا تُحصى، تآكلت روحيته واضطربت روحه الحقيقية
كما خمدت موهبته القوية في طريق السيف، وبات يحتاج إلى استيعاب مقصد السيف ليوقظها من جديد
فضلًا عن المحو التام لذكريات الحياة السابقة وتعذّر استعادتها بسبب تآكل الروحية، حتى كأن الحياة السابقة لم توجد أصلًا
وهذا يبيّن مدى أهمية الروح الحقيقية للمزارعين
وبعد أن تأكّد من أنّ الروح الحقيقية أمامه ليست مزيّفة
سحب جيانغ داوشوان وعيه بسرعة وبدأ يفتّش في هذا الفضاء المعتم عن روح وانغ تونغ الحقيقية
ولم يطل الأمر
وما إن لامس البقعة الضوئية التاسعة حتى ظهر في بصره طيف شيخٍ شفّاف
وكان شكله مطابقًا لوانغ تونغ
وبوضوح، كانت تلك روح وانغ تونغ الحقيقية
استشعرها جيانغ داوشوان بعناية
ولمّا تأكّد من صحّتها قطع الصلة بحجر روح الحياة، وترك وعيه يعود إلى العالم الخارجي
ثم، وبينما ينتظر الجميع بقلق شديد
لم يتكلّم جيانغ داوشوان فورًا، بل فعّل وعي تايين السماوي لديه، وجال به نحو جبل كانغوو
وحطّ وعيه السماوي سريعًا على قاعة الشيوخ، فعثر على الشيخ الأكبر جيانغ هونغغوانغ، وكذلك جدّ جيانغ يان، جيانغ هونغوِن
وبعد أن شرح كل ما يتعلّق بطائفة الشيطان السماوي
أمر جيانغ داوشوان جيانغ هونغوِن بأن يجهّز عددًا كبيرًا من رموز كانغوو غير المستخدمة، وأن يجمع أولًا أفراد عائلة جيانغ المنتسبين إلى طائفة الشيطان السماوي، ثم يوزّعها عليهم واحدًا واحدًا
أمّا الشيخ الأكبر جيانغ هونغغوانغ
فليأخذ ثلاثة مبعوثين من مرتبة عجلة الشمس، ويغادر جبل كانغوو، ويعثر على أفراد طائفة الشيطان السماوي، ويأتي بهم جميعًا إلى مدينة كانغوو ليلتقي بجيانغ شان
وبعد إتمام هذه الترتيبات
لم يزد جيانغ داوشوان قولًا
جلس مجدّدًا على الوسادة، وأغمض عينيه ببطء، ودخل في الزراعة من جديد
وإذ رأى الحاضرون ذلك انحنوا باحترام، ثم آثروا الانصراف بحكمة
بعد برهة
بلغ جيانغ شياوباي، الذي غادر القاعة الكبرى للعائلة، مبنى قاعة كبيرة شُيّد حديثًا
وفوق وسط القاعة علّقت لوحة ذهبية
كُتبت عليها بثلاثة حروف كبيرة قوية عبارة: قاعة الوحوش الروحية
وبعد بضعة أيام اكتمل بناء قاعة الوحوش الروحية
ابتسم جيانغ شياوباي، ثم خطا خطوةً وتقدّم إلى باب القاعة
ومدّ يده القصيرة البيضاء مستعدًا لفتح الباب
لكن في تلك اللحظة، ومع خبطٍ مكتوم
دُفع باب القاعة الثقيل بعنف وانفتح
وخطف بصرَه طيفٌ أبيض اندفع مباشرةً إلى أحضان جيانغ شياوباي
نظر جيانغ شياوباي بعجز وهزّ رأسه قائلًا: ما كلّ هذه العجلة، ماذا تفعل
وما إن أنهى كلماته حتى خرج من ذراعيه رأسٌ أبيض مستدير
أذنان صغيرتان، وعينان كبيرتان تبدوان مظلومتين على نحوٍ خاص
ولم يكن ذاك إلا «قوة النمر» الذي غاب طويلًا عن الأنظار
ولمّا رأى السيد الأبيض يعود أطلق «قوة النمر» صيحة وقال بملامح مظلومة: يا سيد أبيض، لقد عدت أخيرًا
لقد انتظرتك بشقّ الأنفس، ففي الأيام الماضية لم أتناول طعامي كما ينبغي، وظللت أترقّبك ليلًا ونهارًا
وما إن انتهى حتى ارتجف جيانغ شياوباي دهشة
وظنّ أن أمرًا غير متوقّع قد وقع خلال الفترة التي غاب فيها عن قاعة الوحوش الروحية
فسأل سريعًا: هل حدث شيء
قفز «قوة النمر» من أحضان جيانغ شياوباي، وهزّ جسده الزغبي، وقال والدموع تنهمر على وجهه
لقد اتّبعتَ أمر المعلّم وذهبتَ إلى تلك طائفة الشيطان السماوي، لكن المشقّة وقعت عليّ وعلى أخينا الثالث
رفع جيانغ شياوباي حاجبَه: حدّثني بالتفصيل
هزّ «قوة النمر» ذيله القصير، واستدار يمشي نحو داخل القاعة
وبينما يمشي قال: آه، بعد رحيلك كنّا أنا والأخ الثالث ننوي أن نتمرّن في عزلة فترةً بانتظار عودتك، لكن المعلّم… المعلّم هو…
ولمّا سمع جيانغ شياوباي أن الأمر يتعلّق بمعلّمه الأجلّ، لم يستطع أن يبقى هادئًا
وتصلّبت ملامحه وظهر عليه الاضطراب، وسأل على عجل: المعلّم؟ ماذا جرى للمعلّم
هزّ «قوة النمر» رأسه، وتوقّف عند مدخل القاعة، ورفع كفّه الممتلئة ببطء مشيرًا إلى داخل القاعة
آه، ستعرف حين تدخل وتنظر
وما إن أنهى كلامه حتى اختفى جسد جيانغ شياوباي من مكانه كلمح البصر
ولمّا استعاد «قوة النمر» وعيه كان جيانغ شياوباي قد ظهر داخل القاعة
وفي تلك اللحظة، ما إن دخل القاعة حتى رفع جيانغ شياوباي بصره سريعًا يمسح ما حوله ليتفقّد الوضع
غير أنّه في اللحظة التالية
جعلَه المشهد الذي تراءى له يوسّع عينيه ويجمد في مكانه، وقد استبدّ به شيءٌ من الحيرة
إذ رأى القاعة ممتلئةً بمهداتٍ من خيوط الخيزران المتشابكة، وفي كلٍّ منها رافعة سحابة زرقاء بيضاء صغيرة
وكانت الرافعات البيضاء تطلق صرخات بين حينٍ وآخر
فتجمّعت الأصوات حتى غدت ضوضاءً استثنائية
وفي وسط القاعة الكبرى كان يانغ لي ورافعة السحابة الزرقاء البيضاء مستلقيين
وقد تعلّقت بهما الآن أعداد متفاوتة من الرافعات البيضاء الصغيرة
فمنها ما وقف على كتفي يانغ لي وظهره
ومنها ما كان يشدّ قرنيه السميكين
وبعضها كان يتشبّث بذيل يانغ لي القصير ويرفض أن يتركه
ولمّا رأى رأس يانغ لي المنحني وملامحه التي تبدو وقد فقدت الرغبة في الحياة
أطلق جيانغ شياوباي همهمة خفيفة، وغدا نظره غريبًا فجأة
ونظر إلى يانغ لي ثم إلى رافعة السحابة الزرقاء البيضاء، تنتقل عيناه ذهابًا وإيابًا
وبالتدريج بدا في عينيه أثرُ ريبة
وفي هذه اللحظة طفَت في ذهنه فكرة جريئة للغاية ولم تفارقه
هل يمكن أن تكونا أنتما…
حدّق جيانغ شياوباي في يانغ لي ورافعة السحابة الزرقاء البيضاء، وتحركت شفتاه قليلًا وقد استبدّت به الدهشة
لم يسمع قطّ بأن وحشين يخرجان نسلاً بهذه السرعة
كم مضى على ابتعاده عن جبل كانغوو؟ بضعة أيام فقط
فكيف أمكن أن يظهر هذا العدد الكبير من الصغار في زمنٍ قصير كهذا
لقد قلب هذا الحدث بالغ الغرابة نظرته إلى الدنيا كتنين رأسًا على عقب
وبينما كان جيانغ شياوباي جامدًا في مكانه، لا يدري ماذا يفعل
وظنّ أنه أفسد لقاء الوحشين، وأن دخوله لم يكن في محلّه
إذا بصوتٍ بسيطٍ ساذج يأتي فجأةً من خلفه: أيها الأخ الثالث، انظر من حضر، لقد نُقِذنا أخيرًا
وما إن انقضى الصوت حتى رفع جيانغ شياوباي حاجبه، وقد ساوره شعور فوري بأن أمرًا ما غير طبيعي
وقبل أن يفهم من أين جاءه هذا القلق
رأى يانغ لي الذي كان كالميّت يرفع رأسه ببطء وينظر نحوه
ولمّا تبيّن له أنّ العائد هو جيانغ شياوباي ارتسمت على وجهه في الحال أمارات فرح واضحة
ودبّت الحيوية في جسده سريعًا، وأخذ هيكله يبثّ من جديد قوّة حياة بلا حدود
يا سيد أبيض، وُو وُو وُو، توسّلتُ إلى أبي وجدّتي الكبرى حتى انتظرتك أخيرًا، لقد انتظرتك بشقاء
وأراد يانغ لي بغريزته أن ينهض ويندفع نحو جيانغ شياوباي
لكنّه، إذ تذكّر الرافعات البيضاء الصغيرة المعلّقة به، كبح رغبته في النهوض بقوّة
فبرغم أن هذه الرافعات الصغيرة كانت فظّة معه، بل تشدّ صوفه، وهو أمر مزعج جدًّا لخروف
إلّا أنها في النهاية صغار، وأجسادها هشّة تمامًا
ولو أتى بحركةٍ عنيفة فجأة، فلا ضمان ألا تُصاب بأذى
وإذ فكّر في ذلك تنهد يانغ لي بعجز
وتأسّى أولًا على مشقّة حياة الخروف، ثم لم يجد إلا أن يختار الاضطجاع مطيعًا على الأرض
لا يجرؤ على الحركة البتّة

تعليقات الفصل