الفصل 383
الفصل 383: قلبي
بعد أن شاهدوا حال موت سلف طائفة الاتحاد البهيج، خيّم الصمت فورًا على المكان كله
غمر القلوبَ جوٌّ مهيب خانق
نَفَس واحد… نفَسان… ثلاثة أنفاس…
ولم يفق أحد في الساحة إلا بعد أكثر من عشرة أنفاس
هل مات السلف للتو
كيف يكون هذا ممكنًا السلف ذاك شيخٌ سيدٌ حقٌّ ذو التحوّلات الكثيرة، وحتى لو لم يجارِ زعيم طائفة الشيطان السماوي، فكيف لا يفلح حتى في الفرار
كم مضى من الوقت على الأكثر لم يكن ينبغي أن يلقى السلف هذا المصير
ارتعب المُزكّون الحاضرون من طائفة الاتحاد البهيج من المشهد حتى خَدِرَت فروات رؤوسهم وانهاروا جاثين
بل إن بعضهم خرج منه البول على الملأ
وللحظة فاحت رائحة البول في المكان كله
وفي هذه اللحظة، لم يكن مُزكّو طائفة الاتحاد البهيج وحدهم من بدت على وجوههم أمارات الصدمة تباعًا
فالمُزكّون القادمون من القوى الثلاث الكبرى لم يكونوا أقلّ دهشة
اتّسعت عيونهم وحدّقوا جميعًا في هيئة جيانغ هان، غير قادرين على صرف أنظارهم طويلًا
كان بعضهم بطبيعة الحال قد فكّر في احتمال انتصار زعيم طائفة الشيطان السماوي
لكن لم يخطر ببال أحد قط أن سلف طائفة الاتحاد البهيج، وهو سيدٌ حقٌّ ذو التحوّلات الكثيرة، يعجز أمام زعيم طائفة الشيطان السماوي حتى عن الفرار، فيهلك هنا بهذه السهولة
إن المعنى العميق الكامن وراء ذلك يُثير رعبًا شديدًا حين التأمّل، حتى إنهم خافوا من الغوص في التفكير
في تلك اللحظة مسح جيانغ هان بنظره من حوله
ثم، وبحركة عابرة من يده، قذف الرأس الملطّخ بالدماء أرضًا كأنه قمامة
طَخ
انتشر صوتٌ مكتوم في أرجاء المكان
تدحرج الرأس مراتٍ على الأرض ككرة، وتوقّف أخيرًا أمام مُزكٍّ
وما إن رأى ذلك حتى جفّ قلبه وتقهقر سريعًا، عاجزًا عن تفاديه
وكان الذين خلفه كذلك، جميعهم أبدَوا ردّ الفعل نفسه
نظر جيانغ هان إلى ردود أفعالهم، واستشعر تهيّبهم، فما كان منه إلا أن رفع ذقنه قليلًا وفي ملامحه سخرية
وبهذا الشكل ما زلتم تجرؤون على القول إنكم ستُفنُون طائفة الشيطان السماوي خاصّتي
ثم تبدّل نبره وأضحى أشدّ برودة وقال: ما دمتم لا تملكون ذرة شجاعة في قلوبكم، فهذه الهشاشة والجبن قد أفقداكم منذ زمنٍ بعيد أهلية أن تُصبحوا أقوياء، ومصيركم أن تبقوا ضعفاء طوال حياتكم
ولو اجتمع آلافٌ من أمثالكم، فماذا عساهم يصنعون
ليسوا إلا غوغاء في مواجهة طائفتي ينهارون من أوّل لَمسَة، ولا يخرج منهم شيء
وما إن قال ذلك حتى دوّى صوته في الأرجاء مردِّدًا صداه مرارًا
أمام سخرية جيانغ هان، اسودّت وجوه مُزكّي القوى الثلاث الكبرى وشعروا بحرجٍ شديد
وخطر لهم أن يردّوا بلا وعي
لكنهم —لمّا واجهوا تلك النظرات الحادّة المخيفة— لم يستطيعوا حشد الشجاعة أخيرًا، فلم يجدوا إلا الصبر في صمت
لم يكن أحد غير خائفٍ من قوّة زعيم طائفة الشيطان السماوي هذا
وخاصةً بعد أن ذبح سلف طائفة الاتحاد البهيج زاد الأمر وضوحًا
ولذلك لم يملك كثيرٌ من مُزكّي القوى الثلاث الكبرى إلا أن يُطأطئوا رؤوسهم، ولم تجرؤ عيونهم إلا على التحديق في أصابع أقدامهم
شهد الحامي الثالث يانغ تشيان هذا المشهد، فأخذت ملامحه تزداد غرابة
وخطر له —من غير قصد— ما أصدرته هذه القوى في الأيام الماضية من بياناتٍ وإداناتٍ شتّى لطائفة الشيطان السماوي لديهم
بل لقد هدّدوا مرارًا بأن يَسْووا طائفة الشيطان السماوي بالأرض، فلا يُبقوا دجاجًا ولا كلبًا
لكن تلك الكلمات المتعجرفة شكّلت تناقضًا فاضحًا مع أداء هؤلاء القوم أمامه، فبدت بالغة السخف
هزّ يانغ تشيان رأسه وقال: هيه هيه، بعد كل هذه السنين ما زالوا يظنّون أن طائفتي طائفةُ الشيطان السماوي القديمة ذاتها، حقًّا قِصَرُ نظرٍ يدفعهم إلى حتفهم
حتى من دون جيانغ هان، هذا السيّد الطائفي، ما كانت طائفة الشيطان السماوي لتهلك على أيدي هؤلاء النمل
لأن في القمّة أيضًا زعيمَ عشيرة جيانغ ذاك الذي تُعجِز قوّتُه الفهم قائمًا على الرعاية
ومع هذا السند الهائل حاضرًا
دع عنك هذه القوى القليلة من الطريق الشيطاني
بل إن عالم الطريق الشيطاني في تشين العظمى كلّه، أمام أسرة جيانغ على جبل كانغوو، وأمام زعيم عشيرة جيانغ، ماذا يمكن أن يساوي
…
بعد بضع أنفاس
كان سيّد قصر موتوه أولَ من استعاد وعيه
بدت عليه العصبية وابتلع ريقه
ثم رفع رأسه قليلًا، ولمّح بطرف عينه إلى رأس سلف طائفة الاتحاد البهيج
وبعدها حوّل نظره بحذر إلى زعيم طائفة الشيطان السماوي، وما زال الخوف عالقًا في قلبه
لم يَبْقَ له في قلبه ذرةُ جأش، فلم يجد إلا التلطّف وقال: يا سيّد الطائفة، هل لي أن أسأل عمّا تنوون ترتيبَه لاحقًا
وما إن سقط صوته حتى اتجهت الأنظار جميعًا إلى جيانغ هان
إذا وُجدت فرصةٌ للحياة، فمَن الذي يختار الموت
وتحت اجتماع الأبصار
بدا جيانغ هان رابط الجأش، وعاد في تؤدة إلى مقعده
ثم رفع يده اليمنى قليلًا، باسطًا راحتَه
فما إن رأى الحامي الثالث يانغ تشيان ذلك حتى فهِمَ على الفور
ومشى صامتًا إلى جانب جيانغ هان
وأخرج من حيّز القصر الأرجواني إبريقَ نبيذٍ روحيٍّ مُعتَّق يفوح بعطرٍ كثيف
وأخرج منه كأسًا بلون اليشم الأبيض
وصبّ يانغ تشيان النبيذَ الروحي باحترامٍ في الكأس، ثم قدّمه إلى سيّد الطائفة
تناول جيانغ هان الكأس بخفّة
وخخفض رأسه ورفع الكأس إلى شفتيه ورشف رشفةً صغيرة
فأَسْرع هذا الفعلُ —على الفور— من ضربات قلوب الحاضرين، وشعروا بتوتّرٍ استثنائي
ثم قال جيانغ هان في تراخٍ: حقًّا، بالمقارنة مع الشاي، هذا النبيذ الفاخر يُشبِعني بعمق
وما إن قال ذلك حتى رمق الجميع بنظرةٍ أخرى
وفي عينيه الحمراوين بريقُ غرابةٍ وبرودةٌ لا تنتهي
أتظنّون أن حماقاتكم اليوم تُشبِعني كذلك
أم أنها —مثل ذلك الشاي
ولمّا سمع سيّد قصر موتوه وزعيم بوابة سفك الدماء هذا، فاض العرق البارد من جبينهما، وكادت نبضات قلبيهما تبطؤ نصفَ نبضة
كانا يعلمان في سرّهما أن الطرف الآخر يُبدي استياءه من اتّحادهما اليوم
ومن اليسير توقّعُه
فإن لم يُرضِ جوابُهما الطرفَ الآخر تالِيًا، فالأرجح أنهما لن يريا شمس الغد
وما داموا جميعًا أذكياء، فكيف لا يفهمون المعنى المبطّن في كلامه
مثل الشاي
إذ ينبغي أن يُعلَم أن آخرَ من قدّم الشاي قد تَناثر دمه في المكان، ولم يُخلِّف عظمًا
فلمّا خطَر لهم ذلك، شرعوا يُعمِلون الفكر
لو أراد زعيم طائفة الشيطان السماوي قتلَهم حقًّا
لفعل ذلك مباشرةً وبنظافة، كما فعل مع أولئك التعساء الذين سبقوهم
أما وقد منحهم فرصةً للكلام
فالغرض واضح
الإخضاع
وبعد أن اتّضح الأمر لسيّد قصر موتوه وزعيم بوابة سفك الدماء، تبادلا النظرات
ثم حزما أمرهما سرًّا، واستدارا دفعةً واحدةً نحو جيانغ هان، وجثوا فجأةً وسوّيا قبضتيهما بتحية المُحارب وقالا
لقد أضلّتنا طائفةُ الاتحاد البهيج في الماضي، فلم نُحسن معرفة السيّد الحكيم، وها قد جاء سيّد الطائفة بنفسه اليوم فاقتصّ من فاجر طائفة الاتحاد البهيج، فردّ النظامَ إلى عالم الطريق الشيطاني في تشين العظمى
ونحن نُعجب بسَمْت سيّد الطائفة، واليوم نُقسم أن نبايع سيّد الطائفة حتى الموت، ونجتهد في حمل جزءٍ من أثقالكم
وما إن سقط الكلام
حتى بدأ كثيرٌ من المُزكّين حولهما يستوعبون تباعًا
ولأنهم مُزكّون، فلكلٍّ منهم أمدُ عُمرٍ طويل
لذلك، حين يُواجَهون بالموت والحياة، فطبيعيٌّ ألا يختار أحدٌ الخيارَ الأخير

تعليقات الفصل