الفصل 478
الفصل 478: حين يتصارع الطائر والمحار، ينتفع الصياد
بعد عدة أيام
انتشرت شتى الأخبار المتعلقة بأسرة كانغلينغ بنجاح إلى الممالك السبع الأخرى
ولما علموا بأن تشيان العظمى وتشين العظمى قد أُبيدتا معًا، عمّت الفوضى سائر البلدان
ومع أنهم تأثروا بشدة بانتحار الملك تشيان وسو شياوفنغ، فإن قلقهم الأكبر كان من رعب أسرة كانغلينغ
وبوجود عشيرة جيانغ على جبل كانغوو سندًا لهم، فأي بلدٍ يقدر على مجابهتهم
ولو اجتمعت كلها لما صمدت أمام ضربة سيف واحدة لذلك الزعيم من عشيرة جيانغ
وأدرك جميع الملوك ذلك سريعًا، فسعوا لحماية أنفسهم وبادروا إلى إرسال مبعوثين إلى أسرة يويهوا طلبًا للعون
وبالنظر إلى الحدّة التي أبدتها عشيرة جيانغ على جبل كانغوو، فلا أحد في الإقليم الشرقي يقدر على مجاراتهم سوى الأسر الثلاث العظمى
فإن لم تَرُدّ السلالة الملكية العون فلن ينتظرهم إلا طريقٌ مسدود
أسرة يويهوا
المدينة الملكية، القصر الملكي
ومع توافد مبعوثي الممالك السبع، كانوا يذرفون الدموع في القاعة الكبرى دون انقطاع
ولم تملك وجوه المسؤولين الحاضرين إلا أن تتعقد تعابيرها
من كان يتخيل أن عشيرة جيانغ على جبل كانغوو، التي كانت أصلًا من معسكر الأسر النبيلة، سترفع الرايات لتبتلع تشيان العظمى وتشين العظمى وتقيم سلالةً تخصّها
ولو كانت سلالةً عادية لهان الأمر ولما شغل بالهم
لكن خلف أسرة كانغلينغ يقف جيانغ داوشوان، قويٌّ بقوةٍ على مستوى إمبراطور يثبّت الأركان
وكفى هذا وحده تهديدًا لأسرة يويهوا، حتى كأنهم بإزاء عدوٍّ شديد
وفي ظل هذه الظروف، هل يُعقل فعلًا أن يبعثوا بالأميرة التاسعة لإقامة العلاقات مع عشيرة جيانغ على جبل كانغوو
ساءهم القلق جميعًا، فرفعوا رؤوسهم من غير وعي وحدّقوا نحو الهيئة المهيبة الجالسة في القمة
ففي كل الأحوال لا تُحسم القرارات إلا بكلمة مولانا
بعد بضعة أنفاس
وتحت أنظار الجميع
فتح الإمبراطور لي تشنغ لونغ عينيه ببطء وقال بنبرة هادئة للغاية خالية من الانفعال: ابتلاع بلدين وإقامة سلالة هل يبدو أننا جميعًا قد استهنّا بطموح زعيم هذه العشيرة
وانحنى أحد المسؤولين قائلًا: يا مولاي، بعدما دُمِّرتا الدولتان، أخشى أنه لن يمر وقتٌ طويل حتى تتمكن أسرة كانغلينغ من توحيد الممالك التسع
وحينها ستصير حدود إقليم السماء الزرقاء ملاصقة لحدود يويهوا، وسيكون نشوب المشكلات والاحتكاكات أمرًا يسيرًا، فكيف نتصرف
وما إن انتهى صوته حتى نهض كثير من المسؤولين واحدًا تلو الآخر يردّدون: صحيح إن كانت أسرة كانغلينغ مجرد سلالةٍ فحسب فهي مسنودةٌ بعشيرة جيانغ على جبل كانغوو، فهي نمرٌ كاسر، وإذا اقتتل نمران فلابد أن يُصاب أحدهما، وإن طمع ملك كانغ في يويهوا فسيغدو الموقف حرجًا
لوّح الإمبراطور لي تشنغ لونغ بيده وقال على سجيته: يعرف هذا الإمبراطور ما في قلوبكم، غير أن جيانغ داوشوان بحكمته يدرك بطبعه قاعدة حين يتصارع الطائر والمحار، ينتفع الصياد
إن ذهب ليفرض الحرب على يويهوا قسرًا فلن يجلب ذلك إلا إنهاكًا شديدًا للطرفين، فتستغل أسرة اللهيب القرمزي وأسرة جين العظمى الوضع لينتفع غيرنا
ثم خفّض الإمبراطور رأسه قليلًا، وحدّق في المسؤولين أسفلَه: انظروا إلى هذه الهيئة غير المبشّرة، تفزعون هكذا ما إن يقع أمر هل هؤلاء ما زالوا مسؤولي يويهوا
وبعد أن فرغ من الكلام، رمق البعيد كأنه ينظر إلى زعيم العشيرة الذي لم يلتقه بعد
الممالك التسع ليست إلا رقعةً صغيرة ما دامت عشيرة جيانغ على جبل كانغوو تريدها، فأي ضررٍ على هذا الإمبراطور أن يعطيها لها
وإن بلغت أسرة كانغلينغ يومًا منزلة السلالة الملكية، فلن تكون ليويهوا إلا صديقًا لا عدوًا
وحينذاك سينطلق هذا الإمبراطور بنفسه إلى جبل كانغوو ليعقد حلفًا مع زعيم العشيرة، ونهاجم معًا أسرة اللهيب القرمزي وأسرة جين العظمى لتقسيم الإقليم الشرقي
وما إن قيلت هذه الكلمات حتى عمّ الصمت القاعة كلها
ولم يتحرك أحد حتى نهض الإمبراطور لي تشنغ لونغ من على العرش وقال بصوت عميق: هل استعلمتم حديثًا عن أي أخبار أخرى تخص عشيرة جيانغ على جبل كانغوو
فقال رئيس الوزراء منغ لي بصوت منخفض: رفعًا إلى مولانا، بحسب تقارير الكشّافين تعتزم عشيرة جيانغ على جبل كانغوو إنشاء أكاديمية كانغوو بعد ثلاثة أيام
وتلألأت عينا الإمبراطور لي تشنغ لونغ، وبدأت فكرةٌ تتشكل في قلبه: ما دام الأمر كذلك فعلينا أن نجهز الهدايا سريعًا، فهذه فرصةٌ مناسبة لتُمثّل الأميرة التاسعة هذا الإمبراطور، فتزور جبل كانغوو لتهنئة تأسيس الأكاديمية
فأجاب منغ لي: سمعًا وطاعة
وأومأ الإمبراطور لي تشنغ لونغ إيماءة خفيفة: انصرفوا
وما إن سقط صوته حتى جثا المسؤولون جميعًا وانحنَوا وهم يهتفون بصوتٍ واحد
ثم شرعوا يغادرون القاعة الكبرى بالترتيب من الأعلى رتبةً إلى الأدنى
وبعد انصراف الجميع لم يبقَ سوى الإمبراطور لي تشنغ لونغ
فعاد يجلس على العرش شارد الذهن، يتمتم: من الواضح أنك تؤثر البقاء في زاوية نائيًا، قلّما تجوب العالم، وقد ظن هذا الإمبراطور أنك تكره القتال وتعدّ المجد الدنيوي والمال لا شيء، فإذا بك اليوم تُمكّن أبناء عشيرتك من إقامة سلالة وتثير هذه الضجة
يا جيانغ داوشوان، لقد بات هذا الإمبراطور يجدك أكثر فأكثر عصيًّا على الفهم
واتكأ الإمبراطور لي تشنغ لونغ إلى العرش، وارتسمت عند طرف فمه ابتسامة ذات معنى
ثم أغمض عينيه واستغرق في غفوة
في الوقت نفسه
طائفة تيانجيان
في كهفٍ حجري فسيح جدًا
جلس شيخٌ أسود الشعر يرتدي رداءً رماديًا متربعًا على منصة حجرية
واندفعت الهالة من جسده، فتبدلت سيوفٌ صغيرة وهمية لا تُحصى أخذت تعيث في جدران الحجر المحيطة تدميرًا
وكان كل سيفٍ صغيرٍ حادًا للغاية، يخترق كل شيء، حتى غدا الكهف مثقّبًا وامتلأ بعلامات سيفٍ مروعة في كل مكان
وسرى مقصد السيف الهائل في كل زاوية من المكان، حتى راحت المساحة تهتزّ وتموّج
واعتلى مقصد السيف على نحوٍ متواصل اندفاعًا نحو الحد الأقصى
لكن، وما إن صار قريبًا بلا حدود من ذلك الحد، حتى توقّف مقصد السيف، ثم تراجع سريعًا بسرعةٍ تراها العين المجرّدة
وحتى تلاشى مقصد السيف تمامًا، وعادت السيوف الصغيرة من طاقة السيف إلى العدم، واستعاد المكان سكونه
آنذاك فقط فتح الشيخ أسود الشعر عينيه ببطء
لكن حدقتيه كانتا ممتلئتين بعدم الرضا
وخفض رأسه إلى يديه المتخشّنتين، وعضّ على أسنانه: مرتبة سامي السيف، مرتبة سامي السيف من الواضح أنني أستطيع محاولة الاختراق، فلماذا أشعر دائمًا أنني أفتقر إلى شيءٍ من التراكم
وقبض سلف السيف السماوي قبضته، وقد ازدحمت الأفكار في رأسه
فبعد عودته إلى طائفة تيانجيان لم يجد وقتًا ليصدر التعليمات حتى أسرع إلى هذا الموضع ليدخل العزلة
وقد لبث في العزلة أيامًا، يستعيد بلا انقطاع تفاصيل معركته مع وانغ جيتشو، ويتخذها منفذًا إلى الفهم ليكمّل طريق السيف لديه باستمرار
غير أنه الآن، وإن كان مجال طريق السيف لديه قد تحسّن قليلًا، حتى بات يستطيع بومضة فكرٍ واحدة استدعاء محنة سامي السيف لتنزل
فهو لا يزال غير راضٍ
لأنه، بتراكمه الحالي، لا يملك إلا فرصة نجاح قدرها 30% في اجتياز محنة سامي السيف
ونسبة 30% فحسب، ما الفرق بينها وبين طلب الهلاك
ولا سيما أن الحال المأساوي الذي مرّ به وانغ جيتشو عند محاولته اختراق محنة سامي السيف لا يزال حاضرًا في ذهنه
ومن ثَمّ كان سلف السيف السماوي أبعد ما يكون عن المجازفة بمحاولة اختراقٍ طائشة
ولكي نضمن السلامة من كل وجه، يبدو أنني ما زلت بحاجة إلى عون زعيم عشيرة جيانغ
وبدا العجز على وجه سلف السيف السماوي، وزفر
ثم قلب راحة يده اليمنى، فاستدعى على الفور حجرًا بلوريًا صغيرًا مستديرًا في حجم حبة فول الصويا
وكان هذا الشيء قد أعطاه إياه زعيم العشيرة عند الافتراق
وما إن حدّق سلف السيف السماوي في الحجر البلوري أمامه حتى عادت ترنّ في ذهنه الكلمات التي قالها الطرف الآخر
هذا تجلٍّ لوميضٍ من طاقة سيفي، فإن واجهتَ عقبةً عسيرة فجرّب أن تتأملها

تعليقات الفصل