الفصل 488
الفصل 488: مصادفة
تفكّرت لي كوي إر في داخلها، وتلاشى الوميض الأرجواني في عينيها سريعًا، وعاد تعبيرها إلى طبيعته
وفي الوقت نفسه توقّف جيانغ هان وجيانغ يان معًا في اللحظة نفسها
تبادلا النظر، وفي عيونهما لمحة حيرة
قال جيانغ هان: «هل شعرتِ أنتِ أيضًا»
أجاب جيانغ يان: «نعم، كانت هناك قبل قليل نيّة خبيثة»
كان لكلٍّ منهما زراعة روحية مدهشة، ويملكان بُنى جسدية خاصة، فجعل ذلك حواسّهما حادة على نحوٍ استثنائي تلتقط أدقّ تغيّرات ما حولهما
ولذلك تمكّنا من التقاط نيّة خبيثة متوارية
ثم راحا يتلفتان يبحثان عن مصدر تلك النيّة، فلم يعثرا على شيء
ولمّا بدا أن البحث بلا جدوى، اشتدّ وجه جيانغ يان وقال بصوتٍ غليظ: «أيًّا كان، إن تجرّأ على إضمار السوء لعشيرتنا فسيجلب الهلاك لنفسه»
هزّ جيانغ هان رأسه: «هم طلاب هلاكهم في النهاية، ولا حاجة لأن نهتم بهم
وإن أغضبوا زعيم العشيرة ليتحرّك، فسيعرفون حينها اليأس النهائي ما يكون»
صرف الاثنان نظرهما ولم يعودا يعران الأمر اهتمامًا
وبعد انصراف جيانغ يان وجيانغ هان، تابعا السير نحو أفخم حانة في المدينة
وعلى غير بُعدٍ من هناك، استعاد الحارسان في مرحلة روح الوليد أخيرًا وعيهما
لكن لي كوي إر التي تقف أمامهما شعرت فجأة بعتمةٍ في بصرها، وتهالكت نحو الأرض
فأسرع الاثنان إلى إسنادها
قال أحدهما: «يا سمو الأميرة، ما بك»
شعرت لي كوي إر ببعض الغرابة، لكنها لم تُعِر الأمر كبير شأن: «لا شيء، لقد داهمني دوارٌ فجأة»
فبان الفهم على وجهي الحارسين
فالأميرة التاسعة كانت زراعتها الروحية في الأصل ضحلة، وبعد أيام من السفر كان طبيعيًا أن يصيبها شيء من الإرهاق الذهني
قالا: «غدًا افتتاح أكاديمية كانغوو، وهو أمر جلل، من الأفضل أن تذهبي للراحة أولًا»
هزّت لي كوي إر رأسها: «حسنًا»
تنفّس الحارسان الصعداء، فقد كانا فعلًا يخشيان أن ترفض
ثم شرعا على الفور يبحثان عن نزُلٍ في المدينة
وبعد وقتٍ غير طويل
مرّت من هنا بضعُ هيئات
وكان المتقدّم شيخًا يرتدي رداءً رماديًا
وخلفه رجلان وامرأة، جميعهم في مقتبل العمر
كانوا تيان جيان، وجيانغ تشي وي، ونيي وشوانغ، ووانغ يوهوان، وقد هرعوا إلى هذا الموضع من طائفة تيانجيان
ولئلا يضيع عليهم الوقت، ويتفادوا فوات الموعد المضروب، وصلوا قبل يومٍ من الموعد
وفي هذه اللحظة لم يملك نيي وشوانغ إلّا أن يَدهش أشدّ الدهشة وهو يتأمّل المشهد المزدهر أمامه
لقد وجد من العسير حقًا أن يتخيّل أن تكون في أرض السلالة التي يعيش فيها مدينةٌ مهيبة إلى هذا الحد
ويجدر العلم بأن آفاقه لم تعد كما كانت من قبل
فقد أقام في أسرة يويهوا زمنًا طويلًا، وشاهد غير قليل من المدن
لكنّ الدهشة اعترته حين وجد أن معظم مدنها لا توازي هذه «مدينة كانغوو» التي أمامه
وفي الوقت نفسه لمعت الدهشة في عيني وانغ يوهوان، وداخلَه الإعجاب
وبالطبع لم يُعجَب بحجم مدينة كانغوو، بل بكثرة الأقوياء حوله
فمن ملابسهم وحُليّهم تبيّن أنهم ليسوا من الممالك الثماني ويويهوا فحسب، بل ثَمّة كثير من الأقوياء القادمين من أسرة جين العظمى وأسرة اللهيب القرمزي أيضًا
قال في نفسه: «أكلّهم هنا لأجل أمر الأكاديمية»
وارتسمت على وجهه أمارات تفكير، وفَهِم سريعًا سبب وجود هذا العدد من الأقوياء
«تشي وي يا أختي الكبرى»
انطلق فجأة صوتٌ صافٍ لطيفٌ من غير بعيد
فالتفت بغير وعيٍ صوب مصدر الصوت، فرأى جماعةً من الشبّان والشابّات ينظرون إليه وإلى رفاقه في حماس
من هؤلاء
وما إن خامره هذا التساؤل
حتى أشرقت عينا جيانغ تشي وي
فعلى الرغم من أن عُسر تعرف الوجوه ما زال عندها قائمًا رغم ازدياد زراعتها الروحية، فإنها كانت تحفظ هالات هؤلاء
لم يكونوا إلا نوابغ «تشين العظمى» الذين كانوا قد تبعوها من قبل
وبعد أن عرفت هويتهم، غمرتها مشاعر شتّى
فاستدارت على الفور، وضمّت كفّيها نحو سلف السيف السماوي وقالت: «يا معلّمي، هؤلاء جميعًا أصدقائي القدامى، سأذهب لإلقاء نظرةٍ عليهم أولًا»
مسّد تيان جيان لحيته وضحك بخفة: «لقاء الأصدقاء القدامى جديرٌ بالتحفّظ عليه بالطبع، اذهبي
ثم إن هذا الموضع هو حيث يقع جبل كانغوو، وهو موطنك، وما دمتِ قد عدتِ إلى البيت، فاستريحي قليلًا ولا تتكلفي التفكير في أمرنا»
ابتسمت جيانغ تشي وي ابتسامةً خفيفة ولم تُطِل الكلام
ثم استدارت تمضي نحو الأتباع غير البعيدين
وبعد مغادرة جيانغ تشي وي
تابع الثلاثة الباقون السير إلى الأمام
لكن لم يلبث أن دوى صوتٌ فجأة: «شوانغ إر هل هذا أنت يا سلف»
فرمق سلفُ السيف السماوي ونيي وشوانغ مصدر الصوت، فإذا بشيخٍ نحيلٍ يرتدي رداءً رماديًا يقف عند الركن
وكان يحمل إبريق خمر، وقد تلطّخت لحيته بالخمر، وبدا مظهره أشعث
اتّسعت عينا نيي وشوانغ: «يا معلّمي»
لم يكن يتوقّع قطّ أن يلقى معلّمه هنا
وفرك عينيه، حتى إذا تأكّد أنه لم يُخطئ الرؤية، اندفع مسرعًا بعينين لامعتين وألقى بنفسه في حضنه
ولمّا رأى سلف السيف السماوي هذا الموقف، تبيّن له الأمر قليلًا
ثم تطلّع إلى وجه الرجل المتهالك للغاية
وفي طرفة عينٍ تراكب في خياله مع وجهٍ شابٍّ مُندفعٍ قبل سنين
قال سلف السيف السماوي أخيرًا وقد تذكّر هوية الرجل: «تشانغيويه»
لقد كان فخر طائفة تيانجيان فيما مضى، وأحد أبرز المرشحين لوراثة منصب زعيم الطائفة الجديد
وكان أيضًا مبارزًا قد أولاه تقديرًا في ذلك الوقت
لكنّ مثل هذا الموهوب المشرق المستقبل، من أجل امرأةٍ من قوّةٍ معادية، آل أمره في النهاية إلى مصيرٍ مأساويٍّ وتضرّر أساسُه
وفي الماضي لم يكن قد اطّلع على هذا الخبر في حينه لأنه كان في عزلة
وحين علم بالأمر كان الرجل قد طُرد من الطائفة بقرارٍ من الزعيم السابق
وبينما شعر بالأسى له، استشاط غضبًا أيضًا، ووصم هؤلاء بالقسوة ونكران الجميل
وكان ذلك في النهاية سببَ عزله الزعيمَ السابق وإبداله بملك السيف «قانص النجوم» الحالي
في هذه اللحظة جذب ملك السيف فنغ تشانغيويه نيي وشوانغ خلفه
وأخفى فرحة اللقاء، وخرّ راكعًا على عجلٍ أمام سلف السيف السماوي قائلًا: «التلميذ الحفيد غير الجدير، ملك السيف فنغ تشانغيويه، يحيّي السلف»
ثم طرق جبينه بالأرض ثلاث مرات
لقد كان على الدوام يشعر بالذنب تجاه الطائفة
وغالبًا ما أحسّ أنه خذل تقدير السلف ورعايته
ولما لقي السلف من جديدٍ الآن، هاجت في قلبه مشاعر كثيرة
بدت على سلف السيف السماوي أمارات تعقيد زفر بعدها أنّة خفيفة: «قُم»
وبحسب زراعته الروحية الآن، كان بوسعه بالطبع أن يدرك بسهولة أن حال الرجل ليست على ما يرام
بل ليس من المبالغة القول إن أجله قد قارب
فالوقت الباقي له قليل
ولمّا نهض ملك السيف فنغ تشانغيويه عندها، أومأ سلف السيف السماوي إيماءةً خفيفة ولم يملك إلا أن يقول متعجّبًا: «مع أنك لست في الطائفة، لم تنسَ أن تهدي الطائفة شتلاتٍ طيبة يا تشانغيويه، بمَ عساه يقول هذا الشيخ العجوز»
فلولا جيانغ تشي وي ووانغ يوهوان
لكفى تألّق نيي وشوانغ ليتجاوز نينغ تشنغتشي ويغدو الأول بين الجيل الفتيّ في الطائفة
ومثل هذه الموهبة عزيزة الوجود
ولو وُضع في مكانٍ آخر لتنازعت عليه القوى
لكنّ هذا العبقري المميز قد أرسله ملك السيف فنغ تشانغيويه، الذي طُرد منذ زمنٍ بعيد من الطائفة
ومن هنا يُرى أن الرجل لم يحمل ضغينةً تجاه الطائفة، وأن مشاعره لم تفتر يومًا
وما إن سكنت كلمات سلف السيف السماوي
حتى ارتسمت المرارة على وجه ملك السيف فنغ تشانغيويه: «إن طريقي في هذه الحياة قد انقطع، ولا حديث أصلًا عن مستقبلٍ لي، ولا أستطيع أن أقدّم عونًا كبيرًا للطائفة»
«لكن شوانغ إر مختلف، فهو لا يزال شابًا ويمتلك موهبةً استثنائية، وإنجازاته في هذه الحياة بلا حد، وسيتمكّن بلا ريب من ردّ جميل رعاية الطائفة الماضية نيابةً عني أنا التلميذ المتروك»

تعليقات الفصل