الفصل 497
الفصل 497: الاستبصار
كان العديد من ذوي مرتبة الإنسان السماوي الحاضرين يطلقون حواسهم مرارًا، يريدون اكتشاف سر طاقة جبل كانغوو الروحية، لكنهم لم يجدوا شيئًا واضطروا إلى العدول
ثم، بقيادة عائلة جيانغ، تقدّم الجميع سريعًا حتى بلغوا وجهتهم
غير بعيدٍ عنهم كان يترقرق نبعٌ روحي لا ينتهي، ساكنٌ إلى حدٍّ بالغ
وأمامهم مباشرةً امتدّت غابةٌ واسعة من الخيزران الأخضر الزمردي
كانت أوراق الخيزران الكثيفة تهتز مع الريح، تتقاطع حينًا وتتساقط حول المكان حينًا
ومن خلال الفجوات بين الخيزران الأخضر أمكن رؤيةُ مجمّع مبانٍ مهيبٍ بديعٍ خلفها بوضوح
يحيط به سورُ فِناءٍ عالٍ أحمرُ اللون، نُقِشت على سطحه زخارف سحابٍ ووحوشٌ ميمونة بدقّة، وتلوح منه هالةٌ ضبابية، فيبدو من بعيد كأنه مسكنٌ سماوي، بديع الوصف
وفي وسط المجمّع تمامًا بابان هائلان يشعّان وهجًا خافتًا
وما إن رفعتَ بصرك قليلًا حتى رأيتَ لافتةً تتدلّى في الموضع الأعلى مباشرةً
كُتبت عليها أربعةُ أحرفٍ ذهبية بخط يد زعيم العائلة جيانغ داوشوان نفسه
أكاديمية كانغوو
ولمّا التقت عينُ «سلف السيف السماوي» بهذه الأحرف الأربعة، ارتجف قلبه في الحال وتسمّرت قدماه
قبل قليل، وهو يتأمّل من بعيد، لم يلمح سرًّا عميقًا
أما الآن، وهو ينظر عن كثب ويتأمّل بهدوء، فأحسّ بأمرٍ غير مألوف
فقد خُيّل إليه أن أحرف «أكاديمية كانغوو» الأربعة قد تحوّلت إلى أربع سيوفٍ عظيمة لا نظير لها، تفور بحدّةٍ تهزّ الأرض
وفوق ذلك، سرى منها أثرُ هالةٍ عليا تُرهب كل ما في العالم
وأمام هذه القوّة المفزعة غاية الفزع، لم يستطع «سلف السيف السماوي»—على ما له من مقام سامٍ في السيف—إلا أن يغرق فيها عميقًا
كما أنّ مرحلته التي اضطربت قليلًا لِحداثة اختراقه، بدأت تستقر ببطءٍ بمعونة هذا الأثر من مقصد السيف
«هذا الأثر من مقصد السيف… يبدو أنه من أثر الزعيم»
وبعد أن أتمّ استبصاره، زفر «سلف السيف السماوي» طويلًا
فإن كان ثمة في المنطقة الشرقية من يملك مقصدَ سيفٍ قاهرًا إلى هذا الحد، فما هو إلا جيانغ داوشوان وحده
وما إن استعاد في ذهنه تلك القوّة التي شعر بها من أثر مقصدٍ أعلى، حتى ارتسمت على وجهه مرارة
كان يظن أنه باختراقه إلى «السامي بالسيف» سيغدو أكثر ثباتًا أمام الطرف الآخر
لكنّه لم يتوقّع أن الطرف الآخر ما يزال قويًّا كما كان، وأنه هو ما يزال ضعيفًا كما كان
وهذا أشبهُ بمن في قاع بئرٍ يحدّق في القمر، فيظنّه كلَّ العالم
غير أنه الآن خرج من البئر، فرأى سعة العالم على حقيقتها
«ولهذا بالذات أستطيع أن أدرك الفجوة حقًّا»
هزّ «سلف السيف السماوي» رأسه وطوى خواطره مؤقتًا
ثمّ نظر إلى اللافتة ثانيةً، يريد أن يقتنص فهمًا جديدًا من أحرف «أكاديمية كانغوو» الأربعة
غير أنه هذه المرّة، ومهما حاول أن يتبيّن، لم يغنم شيئًا
كأن اللافتة أمامه ليست سوى لافتةٍ عاديّة، وكأن ما جرى للتوّ كان مجرّد وهم
تلألأت عيناه قليلًا وقد بان عليه الفهمُ المباغت: «أتُرى لا يُدرك هذا إلا مرةً واحدة»
فهم من فوره أن الفرصة التي تركها زعيم العائلة جيانغ في اللافتة لا تُنال إلا مرة واحدة
وما إن أدرك ذلك حتى تنفّس في سرّه أسفًا
فلو أمكنه إدراكها مراتٍ عدة، لقدر على صقل بصيرته في طريق السيف، ولثبّت مرحلته تمامًا في أقصر وقت
«حسرة، لكن نيل مثل هذه الفرصة مرةً واحدة كافٍ ليُغري مزارعي السيف في العالم بالحسد الشديد، فكيف أطمع في المزيد وأبقى غير قنوع»
وإذ فكّر هكذا، هدأ قلب «سلف السيف السماوي» الذي كان مضطربًا إلى حدٍّ بعيد
مال برأسه قليلًا نحو «نيه ووشوانغ» و«وانغ يوهوان» إلى جانبه، وذكّرهما: «في اللافتة فرصةٌ خفيّة، أصلِحا عزميكما سريعًا وحاولا الاستبصار، فلعلّكما تغنمان خيرًا»
وما إن وقعت كلماتهما حتى اهتزّ قلبُ الاثنين، ثم رفعا بصرهما فجأةً يتّبعان الجهة التي أشار إليها السلف
وفي اللحظة التي التقت فيها نظراتهما أحرف «أكاديمية كانغوو» الأربعة، ارتعشت أبدانهما، وغامت نظراتهما شيئًا فشيئًا، وانغمست كلّ خواطرهما في بحر الداو السيفي
وما إن سقط «نيه ووشوانغ» و«وانغ يوهوان» في الاستبصار
حتى لاحظ ذوو روح الوليد وذوو مرتبة الإنسان السماوي الحاضرون هذا الأمر واحدًا بعد آخر، فالتحقوا بطابور الاستبصار تباعًا
وكان فيهم كثيرون لم يزرعوا طريق السيف أصلًا، لكنهم استطاعوا مع ذلك أن يغتنموا بعض الفهوم من ذلك الأثر من المقصد الأعلى
غير أن الأسف الوحيد كان أن زمن الاستبصار قصير جدًا، ولا يُدرك إلا مرة واحدة
ولأجل هذا أخذ كثير من الأقوياء يضربون الصدور ويطأون الأقدام ندمًا شديدًا
فقد كان شعورهم كمن كاد ينال جائزةً ثمينة عند الباب ثم أُبعد عنها في اللحظة الأخيرة
إحساسٌ مزعج للغاية، بل أسوأ من ابتلاع ذبابة
وما إن خطرت هذه الخاطرة، حتى اخضرّت وجوه الجميع قليلًا
وتبادلوا النظرات قائلين: «بعد ما رأيناه اليوم، فالزعيم جيانغ حقًّا أهلٌ لما يُقال عنه»
«فمجرّد أثرٍ تركه من مقصد السيف ينطوي على قوّةٍ تعجيبية، تمكّننا من الاستبصار والتحسّن، فلا ريب في قوّته على مستوى سيد الإمبراطور»
«إن مزارعًا قويًا استطاع أن يدفع طريق السيف إلى هذا المقام من التحصيل لم أرَ له مثيلًا في حياتي، أمرٌ يبعث على الذهول»
«وبمقصد سيفٍ مرعبٍ كهذا، أخشى أن نظرةً واحدةً تكفي لتلحق بنا أذًى بالغًا، فعلينا أن نحتاط لاحقًا كي لا ننطق بما لا ينبغي فنستجلب البلاء»
«والأغلب أن ما حدث للتوّ كان إظهار قوّةٍ مقصودًا تركه الزعيم جيانغ لنا، وفيه معنى التحذير، ينبهنا أن نزن القول والفعل، فمن يجهل قدره… فهه، سيجلب لنفسه المتاعب»
وبينما هم يتبادلون الحديث، تبع الجميع دليلَ عائلة جيانغ واجتازوا البوابة الرئيسة ودخلوا إلى داخل الأكاديمية
وما إن ولجوا حتى انكشف لهم المنظر في الداخل
فإلى جانب المباني الشاهقة العديدة، قامت ساحةٌ هائلة في القلب
وكانت الساحة في تلك اللحظة قد غصّت بحشودٍ كثيفة من الناس
وقد قُسّمت الساحة إلى جهتين، يسرى ويمنى
فاليسرى لِتلاميذ الفروع الثمانية لعائلة جيانغ على جبل كانغوو، يتقدّمهم جيانغ تشن في طليعةٍ من العباقرة
جيانغ هان، جيانغ يان، جيانغ مينغ، جيانغ هاو، جيانغ يي، جيانغ شيان، جيانغ بِيشوان، جيانغ تشيوي، جيانغ بِييَه…
وأمام هذا الحدث الجلل حضر جميع العباقرة بلا استثناء
أما الجهة اليمنى فلفريق الزائرين من قوى شتى
وإذ رأوا هذا المشهد، فهم كلٌّ ما ينبغي في قلبه، ودخلوا بوعيٍ إلى صفّ الجهة اليمنى
ثم، وبينما هم يراقبون في خفاءٍ مجموعة عباقرة عائلة جيانغ في الجهة المقابلة
دونغ—
دوّى صوتٌ صافٍ من الأعلى، وارتدّ صداه في أرجاء المكان
فرفع الجميع أبصارهم عفوًا، وإذا بشابٍ بثيابٍ بيضاء وبهيئةٍ استثنائية يخرج من القصر في القمّة
وما إن وقع نظرهم عليه حتى اضطربت قلوب الأقوياء، فخمنوا هويته من لحظتها
إنه الذي تُجلّه الدنيا «السامي بالسيف ذو الثياب البيضاء»
والذي تُجلّه أسرة كانغلينغ «السلف المكرم»
وزعيم العائلة الذي تُجِلّه عائلة جيانغ التي لا تُعدّ ولا تُحصى
جيانغ داوشوان
وخلفه تبعه مجلس الشيوخ يتقدّمه الشيخ الأكبر جيانغ هونغغوانغ، ومعهم رؤساء الفروع السبعة وغيرهم
لقد اجتمع عليّةُ عائلة جيانغ على جبل كانغوو هنا جميعًا في هذه اللحظة
وما إن ظهر جيانغ داوشوان
حتى اختار جميع أفراد عائلة جيانغ الحاضرين—وحتى جيانغ شان، وهو سيد السماء الزرقاء—أن يركعوا على ركبةٍ واحدة، يعبّرون عن ما في قلوبهم من توقيرٍ يعجز اللسان عن وصفه لزعيم العائلة
وقد بدت البِشرى على وجوههم، والحمية في عيونهم، ورفعوا سواعدهم هاتفين: «نرحّب بقدوم زعيم العائلة بكل إجلال»
«نرحّب بقدوم زعيم العائلة بكل إجلال»
«نرحّب بقدوم زعيم العائلة بكل إجلال»
وتعاقبت الأصوات صعودًا وهبوطًا بلا انقطاع، فكوّنت موجةً من الصوت امتدّت في الآفاق، تهزّ السماء والأرض، في مشهدٍ يبعث على الذهول

تعليقات الفصل