الفصل 533
الفصل 533: المرجل الصغير
وبينما كان حكّام السلالات الأخرى يتهامسون سرًّا بشأن جيانغ شان، قد احمرّت عيونهم من الغيرة وامتلأت قلوبهم مرارة
سلالة كانغلينغ
عند طرف البلاد، مدينة القيقب الأحمر
داخل أفخم مطاعم المدينة، اجتمع ثلاثة شبّان ذوي هيئات لافتة، اتكأوا على المقاعد يأكلون ويشربون على أنغام موسيقى خفيفة، وتعبيراتهم باردة وقلوبهم ضجرة
سرعان ما وضع أحدهم عيدانه وتنهّد قائلًا: «آه، طعم هذا الطعام والشراب باهت كالماء حقًّا، الإقليم الشرقي قفرٌ وجدب، لا أجد فيه طبقًا واحدًا يوافق مزاجي»
قال الآخر: «صدّقت، ولولا تلك العجوز المجنونة من طائفة السكينة التساعية المكرمة وهي تثير المتاعب في أرضنا المكرمة، هاوية السواد، لما ابتعدنا وجئنا إلى هذا الإقليم الشرقي للراحة»
تمتم الثالث بازدراء: «من دون بيّنة، هاجمت طائفتنا على عواهنها، لقد رأيت أساليبها بعيني، وهي فعلًا كما تُشيع الألسن، لا تقيم وزنًا لشيء»
بدت على الوجوه الثلاثة أمارات السخط
كانوا من تلامذة الداخل في الأرض المكرمة للهاوية السوداء، وكلٌّ منهم يبلغ مرتبة عجلة النجوم
ولا سيّما تشانغ باو، إذ كان يقودهم وهو في المستوى التاسع من مرتبة عجلة النجوم، ولأنه لم يبلغ مرتبة عجلة القمر بعد أمكنه عبور حاجز الأقاليم الخمسة
وفي هذه اللحظة، إذ استعادوا ما مرّ بهم في تلك الفترة، شعر الثلاثة بإحباط شديد
قبل ستة أشهر، هبط الملك المكرم لي لوان من طائفة السكينة التساعية المكرمة إلى الأرض المكرمة للهاوية السوداء وهاجم السلف الأكبر لديهم
كان لصدى تلك المعركة وقعٌ هائل، حتى إن تشكيلة حماية الطائفة ذات الرتبة السامية عندهم كادت تتحطّم، وكادت حياة كثير من التلامذة أن تُزهق
ولحسن الحظ، وصل خبراء من مستوى الملك المكرم من قوى أخرى في الوقت المناسب، فمنعوا اتّساع رقعة المعركة
غير أنّ العلاقة المتوترة أصلًا بين طائفة السكينة التساعية المكرمة والأرض المكرمة للهاوية السوداء اشتدّت سوءًا بعد تلك المواجهة، وتعاظم الحقد بين الجانبين، فكثرت المناوشات بين التلامذة وسقط بسببها غير قليل
وفي هذه الظروف، ولطلب الراحة وخشية التعرّض لكمين من تلامذة طائفة السكينة التساعية المكرمة في المنطقة الوسطى، قرر الثلاثة المجيءَ إلى الإقليم الشرقي، آملين الاتكاء على اسم الأرض المكرمة للهاوية السوداء لينالوا لهوًا وامتيازًا
وبحسب خطتهم الأولى، كانوا ينوون التجوال في أرجاء السلالات الملكية الثلاث العظمى
لكنهم سمعوا في الطريق أن سلالة كانغلينغ قد نهضت ثم وحّدت الممالك التسع، لتصبح السلالة الأولى دون السلالات الملكية الثلاث العظمى
وقد أثار تطوّرها السريع فضولهم البالغ، فبدّلوا خطتهم على الفور وأسرعوا نحو سلالة كانغلينغ
غير أنّ حجم مدينة القيقب الأحمر وازدهارها كانا أدنى بكثير من أي مدينة عابرة داخل السلالات الملكية الثلاث العظمى، فطفقت ألسنتهم تُلقي بالتعليقات
قهقه أحدهم قائلًا: «منذ متى يستطيع مجردُ سلالةٍ أن تقارن بالسلالة الملكية؟ إن سلالات الإقليم الشرقي الملكية هذه تسيء إلى اسم السلالة الملكية»
وقال ثانٍ: «المكان الصغير يظلّ مكانًا صغيرًا، وإن سُمّي سلالة ملكية، فبقوةٍ وأساسٍ كهذين، قد لا يبلغ حتى بعض السلالات القوية في منطقتنا الوسطى»
وأضاف الثالث: «بالضبط، الأمر يضحك، بلا سامٍ واحد، أيروق لهم أن يسمّوا أنفسهم سلالة ملكية»
وتابع أحدهم مثلًا ساخرًا: «إذا خلا الجبل من النمر، صار القرد ملكًا كبيرًا، تسك تسك»
بدت على الثلاثة أمارات التعالي، وقد ازدرَوا السلالات الملكية في الإقليم الشرقي كلّ الازدراء
وبرغم أن مراتبهم لا تتجاوز عجلة النجوم، فإن الأرض المكرمة للهاوية السوداء كانت سندهم الأعظم، وفيها وحدها قرابة عشرة خبراء من مرتبة السامي، ويكفي أن يُستدعى أحدهم ليعادل سيّدًا إمبراطوريًّا في الإقليم الشرقي، ولو جُلب اثنان لتمكّنا من محو سلالة ملكية
فجأةً همس صوت خافت: «أيها الأخ الأكبر تشانغ، انظر إلى هناك»
رفع تشانغ باو بصره من غير وعي
فرأى امرأة بثوبٍ أصفر، بشرتها كالثّلج وملامحها جميلة، تدخل المطعم يتبعها رجل في منتصف العمر يرتدي زيًا ضيّقًا
تأملها تشانغ باو مراتٍ، فأضاءت عيناه وقال: «لم أتوقع أن أجد في هذا المكان النائي الجدب فتاة شابة بهذا الحسن، لائقة بأن تصير من التابعات عندي» ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة جشعة، وطلَّ في عينيه بريق طمعٍ خافت
ولمّا رأى التلميذان إلى جانبه الحال، شعرا بشفقة صامتة على صاحبة الثوب الأصفر، فالأخ الأكبر عندهما يزهد في الطريق القويم ويرى التقدّم فيه بطيئًا، فانغمس طويلًا في لهوٍ منحرفٍ يستغلّ فيه الآخرين
وبحكم مكانته كتلميذ داخل في الأرض المكرمة للهاوية السوداء، أجبر كثيرين على الخضوع، ولم ينجُ من تبِعات أفعاله غير قلائل، ولو لا أن ثلاثًا منهن بلغن مرتبة عجلة النجوم لهلكن منذ زمن، ومع أنهن سلِمن بأعجوبة فقد نلن من العناء ما شوّه حياتهن، وكان التلميذان كلما خطرت ببالَيهما تلك المشاهد المشوّهة وأفاعيلُ أخيهما المنحرفة ارتجفا من القشعريرة
في تلك اللحظة جلست صاحبة الثوب الأصفر إلى مائدة وأمرت النادل أن يحضر بضع أطباق على عجل، أمّا الرجل في منتصف العمر فلم يجلس، بل ظلّ خلفها ملازمًا يحرسها
وأخذت المرأة تتأمّل المكان وهي تُرسل بنقل الوعي الروحي: «يا عم لي، أمتأكّدٌ أنت أن السيد دينغ سيصل اليوم»
هزّ العم لي رأسه قائلًا: «أرفع للمَسّة أنّه بحسب الأخبار الواردة من فوق، فقد وصل السيد دينغ هذا الصباح إلى مدينة جيوتيان، وهي على بُعد نحو ساعتين من مدينتنا القيقب الأحمر، فإذا قدّرنا الوقت الآن فهو على وشك الوصول»
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: «ما إن يحقق السيد دينغ ورجال السلالة في أصل هذا المرجل، ستسير مسيرة والدي بسلاسة، ولن يبقى محصورًا في منصب حاكم هذه المدينة الصغيرة»
كان اسمها وانغ وي، وهي الابنة الوحيدة لحاكم مدينة القيقب الأحمر، وقد جاءت في هذه الرحلة استعدادًا لاستقبال مسؤول مهم أوفدته السلالة، ألا وهو دينغ شوان، السيد دينغ، أحد الوزراء التسعة
وقد أدهشها ذلك كثيرًا، إذ لم يخطر ببالها أن يستنفر أمرٌ كهذا شخصية كبيرة مثل السيد دينغ، ولولا أنّ الخبر جاءها من جهة السلالة نفسها لظنّت أن ثمّة من يعبث بها
ويرجع السبب الذي جذب السيد دينغ للمجيء إلى ما قبل بضعة أيام، إذ صادف أن أحد العامة كان يتدرّب في الضواحي فاستخرج من الأرض شظايا أدوات، ومرّ مزارعٌ بالمصادفة، فلما تحسّسها وجد بقايا طاقة روحية فيها، فثبت أنها شظايا لأدوات عظيمة
وما إن شاع الأمر حتى جذب فورًا انتباه دار الحاكم، فسارعت السلالة إلى إرسال مزارعين لنزول الموقع، فأغلقوا المنطقة وشرعوا في التحقيق
وباستخدام أدوات عظيمة للقياس تبيّن أن تلك الشظايا يتجاوز عمرها 10,000 سنة، وبرغم أنها مكسورة منذ 10,000 سنة فما تزال تحتفظ بطاقة روحية، ما يدل على أن رتبة الأداة حين كانت كاملة كانت عالية إلى حدٍّ مدهش
ولذلك أُبلغ الحاكم مباشرة، فجاء حاكم مدينة القيقب الأحمر بنفسه على رأس فريق، وبعد حفرٍ عميق اكتشفوا قبرًا مخبوءًا على عمقٍ يناهز 100 متر تحت الأرض
وكان في القبر حجرةٌ مبنيّة، لكنها خلت من نعوشٍ أو جثامين، ولم يكن فيها سوى مرجلٍ صغيرٍ أخضر غريب الهيئة
وكان سطح المرجل الصغير منقوشًا بحروف عجيبة تُشبه صغار الضفادع، وبزخارف أشجار عتيقة وسحبٍ وأشخاص صغار ومخلوقات شتّى
وبعد محاولات سبرٍ متعدّدة لم يستطع حاكم مدينة القيقب الأحمر تحديد مادة المرجل الصغير ولا رتبته، فعجز عن الحكم ولم يجد بدًّا من رفع خبر الحجرة إلى السلالة أولًا
وبعد الانتظار أيامًا عدّة جاءه أخيرًا ردّ السلالة بأن السيد دينغ قد أوفِد للمجيء، وعندها فقط أدركت وانغ وي أنّ قيمة هذا المرجل الأخضر الصغير ربما تفوق خيالها بكثير، ومع هذا الشيء قد يدخل والدها للمرة الأولى أنظار الكبار فينال تقديرهم
وبينما كانت غارقة في خيال مستقبلٍ جميل، لمحت ظلًّا قاتمًا يمرّ سريعًا ثم يجلس إلى المائدة
قطّبت وانغ وي قليلًا وحدّقت، فإذا بشابّ ذي نظرة شريرة قد جلس في مواجهتها، رفع كأسه مبتسمًا وقال يدعوها: «يا آنسة، ما رأيك أن نتقاسم شرابًا»

تعليقات الفصل