الفصل 545
الفصل 545: عشب الإحياء
جثث مرتبة التجليات الكثيرة، ومرتبة الروح البدئية، ومرتبة الإنسان السماوي
استخدم جيانغ هان إدراكه السماوي ليمسح المكان قليلًا، فميّز على الفور مراتب الزراعة لهذه الجثث
وبعد فحص دقيق، تعرّف حتى على هويات بعضهم عبر الشارات المعلّقة عند أحزمة عدد من المزارعين الروحيين
تمتم: هذه النقوش… أهي من وادي ملك الدواء
تلألأت عينا جيانغ هان وهو يستعيد ذكرى قديمة
في ذلك الوقت، ذهب جيانغ تشن إلى وادي ملك الدواء ومعه خيط من طاقة السيف تركه زعيم العشيرة
وبعد أن أفنى وادي ملك الدواء كله، مرّ بعض المزارعين الروحيين المتجولين، فاكتشفوا أن كل جثث مزارعي الوادي قد اختفت كأن الأرض ابتلعتها، من غير أثر
وبعد التحقيق لم يُعثر على شيء، فغدا الأمر لغزًا غامضًا في نظر كثيرين
والآن يبدو أن مزارعي قصر الخضرة الدائمة وصلوا إلى وادي ملك الدواء أولًا، فاختطفوا تلك الجثث وجاؤوا بها إلى هنا ليربوها
وعلى هذا الخاطر ازداد البريق في عيني جيانغ هان القرمزيتين وهجًا، وتحت تلوين الهالة الخضراء من حوله بدا مرعبًا كشيطان، وزاد شحوب بشرته غرابة فغدا مهيبًا موحشًا
مسح جيانغ هان كل جثة بلا اكتراث، وأخذت أفكاره تجول بعيدًا
حين سمع أول مرة بخبر تدمير وادي ملك الدواء وأن جيانغ تشن لم يتصرّف في تلك الجثث، شعر في نفسه بالأسى، فهذه الجثث العالية الزراعة كانت بالنسبة إليه رافدًا كبيرًا لقوته
كان فعل جيانغ تشن في نظره ضربًا من التبذير
لكن من غير توقّع، وبعد أشهر قلائل فقط، عادت كل الجثث المختفية، عبر أيدي قصر الخضرة الدائمة، إلى يديه فعلًا
هذا التوافق العجيب للأقدار جعل تعابير جيانغ هان أغرب
بعدها حوّل نظره، ومن غير مواربة استدعى شارة كانغوو وفعّل قوتها نحو تلك الجثث
طنين طنين طنين —
وفي لحظة بدت شارة كانغوو كأنها تتحول إلى ثقب أسود، يفور منها سيل لا ينقطع من قوّة جذب مرعبة، فتبتلع الجثث واحدة تلو أخرى، وتخزّنها في حيّز جبل كانغوو حيث يبدو الزمن ساكنًا، لتكون جاهزة يخرجها ويمتصها متى شاء
ومضى الوقت قليلًا قليلًا
وسرعان ما غدت الساحة التي كانت مكتظة رحبة على نحو استثنائي
ففي هذه اللحظة كانت كل جثث مزارعي وادي ملك الدواء، ومعها جثث كثيرة نهبها قصر الخضرة الدائمة، قد اقتلعها جيانغ هان دفعة واحدة
نظر جيانغ هان إلى الحصاد الوافر داخل حيّز شارة كانغوو، فغمره السرور
ثم مسح المكان من جديد ليرى إن كان قد فاته شيء
وبعد بحث قصير، انشدّ نظره إلى زاوية من الجدار
هناك كانت تنمو نبتة غريبة بلون أخضر كامل، تبعث أمواجًا من ضوء متألّق
قال في نفسه: هذا…
ظل جيانغ هان جامدًا في مكانه يتأمل هيئة الشيء أمامه، وهو يتذكر أمرًا بوضوح شديد
فقد كان العضو الفتي من عشيرته، جيانغ يان، يسأل بلا انقطاع عبر قنوات المعلومات داخل العشيرة عن دواء نفيس طوال هذه المدة
والشيء الذي يبحث عنه اسمه: عشب الإحياء
وهو عادةً ينمو في مواضع شديدة اليِن تُدفن فيها أعداد كبيرة من الجثث والعظام
شروط نشأته قاسية، وندرته شديدة، ومن العسير العثور عليه
ولأن جيانغ يان ظلّ يبحث عنه، حفظ جيانغ هان الأمر بصمت وأوعز خصوصًا إلى تحالف الشياطين بأجمعه أن يفتّشوا عنه
وبعد أشهر عدّة لم يُعثر على شيء
لكن من غير توقّع، اليوم، وفي هذا القصر نفسه، قصر الخضرة الدائمة، استطاع أن يعثر عليه مصادفة
قال وهو يتمالك نفسه: هنا طاقة جثث قوية، وهو مكان ممتاز لتربية الجثث، وتشكيله شديد اليِن، فليس عجيبًا أن ينمو كنز دوائي نفيس مثل عشب الإحياء
قمع جيانغ هان حماسه بسرعة، وخطا بخفّة حتى بلغ عشب الإحياء
ثم مدّ إصبعه بحذر ونقله برفق إلى حيّز جبل كانغوو
وما إن فرغ حتى أعاد شارة كانغوو إلى يده، من غير نية للتواصل مع جيانغ يان برقم العشيرة
فقد كان قد عقد العزم أن يفاجئ الأخ يان مفاجأة كبيرة بنفسه حين يعود إلى جبل كانغوو بعد هذه الرحلة
ابتسم وقال في سره: طال خروجي هذه المرة، ولم أحمل للأخ يان هدية على هواه، وأظن أن عشب الإحياء هذا سيكون أخيرًا على مزاجه، أليس كذلك
ارتسم انحناء لطيف على شفتي جيانغ هان، وامتلأ قلبه توقًا، ولم يطل مكوثه، فاستدار من فوره ليغادر المكان
غير أنه ما إن خطا بضع خطوات حتى تصلّب جسده وتوقف في مكانه
قطّب جيانغ هان حاجبيه وحوّل نظره ببطء إلى طاولة خشبية غير بعيدة
إذ كان تحتها فتى نحيل متكوّر هناك
تمتم بدهشة: همم؟ من دون أي زراعة روحية، مجرد جسد بشري عادي، ومع ذلك يفلِت من إدراكي السماوي
دهش جيانغ هان كثيرًا ولم يملك إلا أن ألقى على الفتى نظرات أخرى
وبعد أن تنبّه لوجوده، أمكنه بسهولة أن يلمح الخوف في عينيه، والكراهية المواربة المختبئة عميقًا في حدقتيه
وحين أدرك ذلك، فهم في الحال أن الآخر يعرف على الأرجح بما جرى في الخارج ويعلم أنني العدو
قال في نفسه: يبدو أن لديه بنية جسدية خاصة، وإمكانه غير هيّن، وعلى الأرجح يضمر نية قتل نحوي، ولا بد من ألّا يُترك هذا الصبي حيًا
وفي طرفة عين كان جيانغ هان قد حسم أمره
ومع أنه قوي بما يكفي ولا يخشى نمو قوة الآخر، فإن اتقاء المتاعب أولى
ولماذا يترك أمرًا يسير المعالجة الآن ليكبر لاحقًا؟ الأجدى قطع الداء من أصله وإرسال صاحبه مبكرًا في طريقه
وعلى هذا الخاطر كفّ جيانغ هان عن التردد وأقبل يمشي خطوة خطوة نحو الفتى
وما بينهما يقترب أكثر فأكثر، شحب وجه الفتى حتى الموت، وارتجف جسده أشدّ
حتى إذا لم تبقَ بينهما إلا مسافة أقل من 3 أمتار، عضّ الفتى على أسنانه وتغلّب على خوفه، وتظاهر بالهدوء، وخرج فجأة من تحت الطاولة الخشبية
ثم جثا أمام جيانغ هان ورفع رأسه وأظهر على وجهه ملامح بريئة لا تؤذي أحدًا وقال: يا كبير، هل أتيت لإنقاذي
ضيّق جيانغ هان عينيه قليلًا
قال في نفسه: حسن جدًا، صغير إلى هذا الحد، ومع ذلك يثبت عند الخطر، بل ويقدر أن يتصنّع هيئة لا تضر أحدًا، ما يدل على صلابة ذهنه وتفوّقه على عامة الناس
ومثل هذا أولى بقتله
خفض جيانغ هان رأسه وحدّق في الفتى بإمعان، فرأى أن نظراته تتفلّت ولا يجرؤ أن يلتقي عينيه
ابتسم بسخرية وخطر له خاطر جديد
لوّح بيده فاستدعى سيفًا طويلًا وحلوى، وألقاهما أمام الفتى
وعلى وقع حيرة الآخر قال جيانغ هان بهدوء: ينبغي أن تفرح لأني وجدت اليوم عشب الإحياء وأنا في مزاج جيّد، وإلا لما سنحت لك فرصة أن تنظر إليّ مباشرة، والآن… إن أرضاني اختيارك أعفيت حياتك، وإلا…
وعلى الرغم من أنه لم يتمّ عبارته، كان التهديد في كلامه جليًا
وما إن سمع الفتى ذلك حتى لم يشعر بكثير من الذعر، بل على العكس، استبدّ الفرح بوجهه
لم يتوقع قط أن يتحوّل ما ظنه طريقًا حتميًا إلى الموت إلى منفذ للحل
قال في نفسه محتقنًا: ما أوقحك، تتجاهلني تمامًا، وحين أفلت من هذا المأزق وأجتهد في الزراعة، سأجعلك في المستقبل تدفع ثمن غلطة كهذه ثمنًا دمويًا

تعليقات الفصل