الفصل 568
الفصل 568: صقل الحبوب
لمّا فرغ كبار أعضاء الأراضي المكرّمة من الاستماع إلى الرسالة واطّلعوا على الشروط المغرية، اعتقدوا جميعًا بلا استثناء أنّ الطرف الآخر سيوافق على الانضمام إلى معسكر المنطقة الوسطى
فبعد سنين من جريان الزمن سيتلاشى حاجز الأقاليم الخمسة
وسقوط الإقليم الشرقي، إن لم يقع طارئ، يبدو أنه صار يقينًا لا مفرّ منه
وعلى الرغم من وجود الإمبراطور الشاب جيانغ تشن بين أبناء الجيل الجديد، القادر على مجاراة إمبراطور اليانغ تشاو تِنغ
فإنه بين أبناء الجيل الأقدم لا يكاد يستطيع مجاراة السامِين إلا سادة الأسر الحاكمة الثلاث الكبرى وجيانغ داوشوان، وهؤلاء الأربعة أقوياء بمستوى سيادة الإمبراطور
وحتى لو حالف الحظ هؤلاء الأربعة فاخترقوا إلى المرتبة السامية وتمكّنوا من هزيمة معظم السامِين، فلن يكونوا قطعًا نِدًّا لملك سامٍ
فالفجوة بين المرتبتين هاويةٌ يصعب عبورها
على هذا الأساس كانوا على يقينٍ راسخ بأنه ما لم يكن جيانغ تشن أحمق، فسيختار حتمًا الانضمام إلى معسكر المنطقة الوسطى، سالكًا طريقًا ممهدًا نحو مستقبلٍ مشرق
ولمّا تصوّر كثيرون مشهد المستقبل لم يملكوا إلا أن تحمسوا
ربما سيكون في منطقتنا الوسطى مستقبلًا إمبراطوران يقفان جنبًا إلى جنب، ينيران الأقاليم الخمسة
إنها حقًا حقبة ذهبية، تظهر فيها تباعًا جبابرة يسيطرون على عصرٍ كامل، ومثلُ هذا نادرٌ في مليارات السنين
أيمكن أن يولد إمبراطور عظيم في عصرنا
إذا وُلد إمبراطور عظيم خضعت له الطرق، وسنصير شهودَ العصر الجديد
وإن حالفنا الحظ فشهدنا هيبته وبسالته، فمجرّد التفكير بالأمر يجعل قلوبنا تمور
وبينما كان عدد لا يُحصى من الناس يتجادلون بحماسة
كان المبعوثون الذين اختارهم عشرة ملوك سامين قد انطلقوا بالفعل متّجهين نحو حاجز الأقاليم الخمسة مباشرة إلى جبل كانغوو، راغبين في لقاء الإمبراطور الشاب جيانغ تشن
……….
في اليوم التالي
الإقليم الشرقي، طائفة شوان دان
في علوّ السماء تجمّعت سحبٌ داكنة، ولمع البرق ودَوّى الرعد
عوت الريح وهبطت الحرارة بقوة، وسرى في الأجواء جوّ جليل ضاغط
وفي موضعٍ ما، احتشدت الجموع وازدحم المكان
كان بين الحاضرين لا كبار المعلّمين في صقل الحبوب من طائفة شوان دان فحسب، بل كثيرٌ من التلاميذ أيضًا
وأكثرهم لفتًا للأنظار تانغ جينغمينغ، أبرعُ نخبةٍ في جيل طائفة شوان دان على طريق صقل الحبوب
والآن كانت نظرات الجميع متّجهةً إلى جهةٍ واحدة
إلى قمة الجبل غير البعيدة
هناك وقف قامةٌ فارعة لا تتحرّك، كأنها اندمجت مع السماء والأرض
ذاك هو السلف الأكبر، أحدُ ثلاثة معلّمين أعاظم في صقل الحبوب لدى أسرة زهرة القمر
كان واقفًا أمام مرجلٍ عتيق، تحيط به نقوشٌ زرقاء متلألئة
انبثق من تلك النقوش ضوءٌ نجميّ، وتشعّب في الهواء حارسًا المرجل
وهذا ما جذب الجميع إلى هنا
ليشهدوا سلفهم الأكبر وهو يصقل الحبوب
فبالنسبة إليهم، إن شهدوا عملية صقلٍ يجريها معلّمٌ رفيع المقام، نال كلٌّ منهم قدرًا مختلفًا من البصيرة بحسب فهمه
فضلًا عن أن بلوغ السلف الأكبر في طريق صقل الحبوب صار قريبًا من الكمال، ولم يبقَ له إلى مرتبة المعلّم الأعظم إلا خطوة
وما سيُظهِره من تقنياتٍ بديعة سيتجاوز يقينًا خيال الجميع بكثير
وهذه المرّة كان يصنع حبّة الشانغتشينغ، حبّةً من رتبة السماء، فائقة الجودة
وفي الإقليم الشرقي كلّه نادرٌ للغاية أن تُصنع حبوبٌ من هذا المستوى
ولذلك لم يكن أحدٌ ليفوّت هذه الفرصة الثمينة
وبينما كان الجميع يحدّقون في هيئة السلف الأكبر بوجوهٍ مهيبةٍ مترقّبة، كان شابٌّ أسود الشعر غير بعيدٍ عنهم أشدَّ توترًا منهم جميعًا
ذاك هو جيانغ يان، الذي مكث في طائفة شوان دان ثلاثة أيام
رفع نظره إلى المرجل في الأعالي، تلمع عيناه بقلقٍ لا يهدأ
يا معلّمي، سأوقظك
في الماضي كنتُ ضعيفًا ولم أملك إلا الاتّكال على حمايتك، أمّا الآن فقد صرت أملك قوةً أحمي بها نفسي، وسأقوى أكثر في المستقبل
من الآن فصاعدًا دعني أحميك أنا
بإمكانك أن تكرّس كلّ همّك لبحث طريق صقل الحبوب من دون أن تقلق من أي خطر، فأيّ خطرٍ سأتلقّاه وحدي
أقسم جيانغ يان في قلبه بصمت، وملامحه حازمةٌ صلبة
وفي الوقت نفسه سرحت أفكاره كزغب الحور إلى الماضي، إلى الأوقات التي قضاها مع معلّمه، وتلك الوصايا المخلصة والعناية الدقيقة، كلّها منقوشةٌ عميقًا في قلبه لم ينسَ منها شيئًا
وربما كان لطف معلّمه في البداية نابعًا من خوفٍ من زعيم العشيرة
لكن مع مرور الزمن فهم جيانغ يان أنّ عناية معلّمه كانت صادقةً وعميقة
ولا مبالغة إن قلنا إنه، في قلبه، وإلى جانب الشيوخ الثلاثة وزعيم العشيرة والجد والأب، كان معلّمه بلا شكّ أرفعَ مَن يحترم
لذلك عزم على إيقاظ معلّمه مهما كلّف الأمر، وإعادة تشكيل جسده له، ليؤدّي جزءًا من حقّه
حبّة الشانغتشينغ، لا بد أن تُصنع بنجاح
انعكس المرجل في حدقتَي جيانغ يان
وكان يعلم في قرارة نفسه أنه إن فشل هذا الصقل
فسيستغرق جمعُ موادّ صقل حبّة الشانغتشينغ مجددًا زمنًا طويلًا على الأرجح
ومنذ أن دخل معلّمه في صمتٍ غائر أخذت هالته الروحية تضعف يومًا بعد يوم
فإن طال الزمن كثيرًا، فربما يفنى معلّمه تمامًا قبل أن تُجمَع موادّ حبّة الشانغتشينغ
لذلك فإن صقل هذه المرّة لا يحتمل المغامرة، ولا يملك كلفةَ المغامرة
لا بد أن ينجح ولا مجال للفشل
هوو
أخذ جيانغ يان نفسًا عميقًا، وحدّق في المرجل دون أن يجرؤ على الرَّمش
وتحت أنظار جيانغ يان وسائر تلاميذ طائفة شوان دان
تحرّك السلف الأكبر الذي كان يستعد منذ وقتٍ طويل
برفعٍ من يده ظهرت نارٌ غريبة من رتبة السماء العليا، كأنها تنّينٌ طويل يتقلّب في الهواء، يدوّي زئيره في السماء والأرض ولا يخبو صداه
سويش——
اندفعت النار الغريبة سريعًا نحو مرجل ملك الدواء
وما إن لامس الاثنان بعضهما حتى سُمِع صوتٌ مكبوت، كأن الفضاء كله يرتجف
وسرعان ما غلّفت النار الغريبة مرجلَ ملك الدواء
تأجّج اللهيب بضراوة، وكانت الحرارة مدهشة
فحتى من بُعدٍ كان يُحَسّ أن كمياتٍ هائلة من المطر تتبخر كليًا تحت هذه الحرارة العجيبة
ثمّ صاح السلف الأكبر بعلوّ، وأخذت يداه تشكّلان الخُطُم بسرعة، مُظهرًا تقنيةَ صقلٍ على مستوى معلّم كبير
فحرّك على التوالي الوعي السماوي وقوة الجوهر والنار الغريبة وقوة السماء والأرض، فتعانقت القوى الأربع ليستخلص خُلاصة الموادّ الدوائية وتتعاظم خواصّها الطبية
ثم راح يضبط بتأنٍّ التوازن بين الخواصّ الدوائية المختلفة، ساعيًا إلى دمجٍ كاملٍ مُحكَم
واصلت النار الغريبة الاشتعال، وتعاظمت هالتها
……….
بعد ساعاتٍ عدّة
مع أنّ السلف الأكبر مُزارعٌ عظيم في مرتبة الإنسان السماوي، لم يستطع أن يمنع آثار الإعياء من الظهور
تدفّق العرق البارد من جبينه، وشحب وجهه من غير وعي
كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وأنفاسه متلاحقة، كأنّ كلّ نفَس يلتهم ما تبقّى من قوّته
لكن، وبرغم إنهاك الجسد، كانت عينا السلف الأكبر متّقدتين على غير العادة، بل أحدَّ من أيّ وقتٍ مضى
وفي أعماق حدقتيه توهّج شوقٌ وترقّب
حبّةٌ من رتبة السماء وفائقة الجودة، فإذا نجحتُ في صقل حبّة الشانغتشينغ هذه فسأنال يقينًا بصيرةً ما
وربما ترفعني خطوةً أخرى نحو مرتبة المعلّم الأعظم
تمتم في قلبه، وازداد وجهه حماسة

تعليقات الفصل