الفصل 571
الفصل 571: كل شيء يبدو كالأمس
حكّ جيانغ يان رأسه وقد بدا عليه شيء من الحرج
ثم استدار نحو زعيم عشيرته وروى له بتفصيل ما جرى معه في طائفة شوان دان
وبعد أن أنهى سرده أخرج الرمز الذي أعاده السلف الأكبر من خاتمه وقدّمه بكلتا يديه باحترام
تناول جيانغ داوشوان الرمز ولمعت في عينيه لمحة تقدير وقال: «هذا السلف الأكبر دقيق الذهن، ومقاصده واضحة لديّ كوضوح المرآة» ثم لوّح بيده برفق فاختفى الرمز من غير أثر
وبحكم كونه زعيم العشيرة فقد رأى بطبيعة الحال المعنى الأعمق لِما فعله السلف الأكبر، إذ آثر ترك المنافع العاجلة واختار مصادقة عائلة جيانغ طلبًا لمصلحة بعيدة المدى، ولا ريب أنه رجل مثير للاهتمام
طوى جيانغ داوشوان أفكاره ونظر إلى جيانغ يان قائلًا بلطف: «لا وقت أفضل من الحاضر، ما دامت المواد المطلوبة جاهزة فلنُعِن الطاوي تشو على إعادة تشكيل جسده هنا في عاصمة اليشم الأبيض، لا تقلق، وبوجودي ستحلّ كل الصعوبات من تلقاء نفسها ولا موجب للقلق»
تهلّل قلب جيانغ يان سرورًا، فقد كان ينوي ذلك منذ البداية إلا أنه تردد في طلبه من زعيم العشيرة، فلما بادَره الطرف الآخر بالحديث عنه شعر براحة كبيرة، وكظم حماسته سريعًا وانحنى مقبوض اليدين شاكرًا: «شكرًا لك يا زعيم العشيرة»
لوّح جيانغ داوشوان بيده بلا اكتراث وقال: «نحن أسرة واحدة، فلماذا نُفرد مثل هذه الأمور التافهة بالذكر، ثم إن هذا الرجل قد أسدى إليك يدًا كبيرة، ولا يسعَنِي بوصفي كبيرًا إلا أن أمدّ العون»
عندها اطمأن قلب جيانغ يان ولم يتردد بعد، فأخرج رمز كانغوو واستدعى منه حبّة شانغتشينغ وعظام سامٍ
ولما رأى جيانغ تشن ذلك ومضت في عينيه تعابير معقدة، إذ كان يعلم أنه وإن كان أخوه يان قد اتكل على عون زعيم العشيرة ليحصل على عظام سامٍ ويُنجز صقل حبّة شانغتشينغ، فإن من جمع الأدوية النفيسة اللازمة لتلك الحبة هو أخوه يان نفسه، وحين استعاد في ذهنه ما انطوى عليه الأمر من مشقة وعراقيل وخز قلبه وجع خفيف
لا عجب إذن لذلك التعب الذي بان على ملامحك يومها
وانساب فكره إلى لحظة اندفاعه نحو طائفة سيف القلب، وقد ظنّ وقتها أن فتور عزيمة أخيه كان بسبب وادي ملك الطب، لكنه الآن أدرك أن الأمر أعقد كثيرًا مما تخيل، فحبّة شانغتشينغ — ذلك الإكسير من رتبة سماوية فئة عليا — كانت السبب الحقيقي لإرهاق أخيه النفسي
أخي يان، لِمَ كل هذه الحماقة، لم تُفْصِح لي بأدنى إشارة عن أمر بهذه الأهمية
وما إن فكّر بأنه آثر أن يتحمّل بصمت بدل أن يطلب عونه حتى صعدت في نفس جيانغ تشن موجة ضيق، لكنه ما لبث أن تلاشى عند تذكّره طباع أخيه فزال الغضب في لحظة
هذا أنت، يا أخي الصغير الطيب
وانفرجت شفتا جيانغ تشن عن ابتسامة، وفي الوقت نفسه تولّد لديه شعور مختلف تجاه كثير من أحجار التسجيل التي عاد بها أخوه لأجله، فعلى الطريق إلى العثور على الأدوية النفيسة اللازمة لصقل حبّة شانغتشينغ لم ينسَ أن يستخدم أحجار التسجيل ليُوثّق مناظر الرحلة الخلابة لأجلي، هذا التصرف الذي يبدو غبيًّا في الظاهر حرّك وجدانه بعمق
وخلال طرفة عينٍ ومضت أمام جيانغ تشن مشاهد الماضي كلها، فبدت كأنها حدثت بالأمس، وقد وقف الطرف الآخر أمامه مبتسمًا يقول بثقة: «جيانغ تشن، لقد جمعتُ 999 حجر تسجيل لأوثّق جمال العالم خصيصًا لتراه»
فاض الدفء في قلب جيانغ تشن وهمس: «أخي يان، أنا حقًّا أحب المناظر الجميلة التي جمعتَها» ثم طوى هذه الذكريات الثمينة في أعماق قلبه، وتبدّل نظره إلى جيانغ يان تبديّلًا، وراح يزداد ثباتًا شيئًا فشيئًا
من الآن فصاعدًا لا حاجة للاختباء على هذا النحو، فنحن معًا من نسل أباطرة عظماء قدماء، وفي هذا العالم الفسيح لن تُجبرنا العُلى السامية على التراجع فضلًا عن تلك الكائنات التافهة، وما إن ننتهي من هذا الأمر فسأدعك تتذوق مجد عائلة كانغوو جيانغ ورفعتها كما كانت
ثم أدار رأسه ببطء وأسدل نظره على عمّه، وكان قد قطع وعدًا لعمّه ألّا يُفشي خبر كون عائلتهم «عشيرة الإمبراطور» للآخرين بسهولة، لكنه اليوم عازم على نقض ذلك الوعد، ولأجل ذلك احتاج أن يشرح لعمّه وينال إذنه، فحرّك جيانغ تشن فكره في الحال وبَثَّ إلى عمّه كل ما يجول في خاطره عبر الوعي السماوي
عشيرة الإمبراطور
ما إن سمع جيانغ داوشوان خطة جيانغ تشن حتى ذُهل أول الأمر، ثم تذكّر أنه بالفعل قد ذكر هذا الأمر قبل عام، وعلى ذلك غدت سحنته غريبة شيئًا ما، لكنه وتحت نظرات جيانغ تشن المشدودة ابتسم في النهاية وأومأ قليلًا إيماء موافقة
هاه
وحين رأى ذلك ارتخت حواجب جيانغ تشن وزفر أنفاس ارتياح، وظل يراقب هيئة جيانغ يان بصمت، وكانت عيناه براقتين وابتسامته تتّسع
في الوقت نفسه
كان جيانغ يان غارقًا كله في إعمال فنّ اللهب، يُنقّي بعناية خصائص حبّة شانغتشينغ الدوائية، وما إن رأى أن الوقت قد حان حتى أخرج الخاتم الذي يحوي بقايا روح معلّمه، وأطلق كل قوته في الروح الذهنية وبدأ يحاول إيقاظ وعي معلّمه
جَرَى الوقت كالماء والخاتم لا يستجيب، وازداد شحوب وجه جيانغ يان، وتكوّرت قطرات العرق البارد على جبينه كالمطر وراحت تنحدر صامتة عن ذقنه، غير أن نظره ظلّ صلبًا كالصخر، وعضّ شفته بإحكام وهو يحثّ قوته في الروح الذهنية من جديد لتتغلغل عميقًا في حيز الخاتم، وفي ذلك الفراغ الحالك راح يفتّش بلا هدى
وبينما أوشكت قوته في الروح الذهنية على النفاد وغامت وعيُه رويدًا رويدًا، تناهى فجأة إليه خفق خافت من الأمام، وفي تلك الظلمة التي لا تنتهي لمح جيانغ يان خيط نور أخيرًا، نورًا كخيوط الفجر الأولى تشقّ العتمة
يا معلّمي
اتسعت عينا جيانغ يان وطفرت الدموع، فقد رأى أن مصدر النور شيخٌ شفاف الهيئة، وقد أغمض الشيخ عينيه كأن الظلام اللامتناهي ابتلعه، غارقًا في سبات عميق، وكان الضوء الذي كان يحيط بجسده فيما مضى باهرًا صار الآن واهنًا، كأن الزمن قَرضَه فراح يخبو شيئًا فشيئًا، وفوق ذلك غشى جسده عدد لا يُحصى من الشقوق المروّعة، ومن بعيد بدا كقطعة خزف أنهكته السنون حتى غدا هشًّا يُوشك أن يتحطم في أي لحظة، وها هو ذا معلّق بهدوء في ذلك الظلام كأنه ينتظر قدوم جيانغ يان
ولما شاهد ذلك اضطربت نفس جيانغ يان تأثرًا، فقد كان في الماضي يشعر بضبابية ولا يعي المعنى الحقيقي ولا خطورة كلمة «سُبات» التي قالها معلّمه، لكنه في هذه اللحظة بدا كأن الماء البارد قد صبّ عليه فاستفاق فجأة، إذ بات يُدرك بوضوح أن روح معلّمه الذهنية تتهاوى أسرع بكثير مما ظنّ، وإن لم تُكبح في الوقت المناسب فلن تصمد أكثر من ستة أشهر على الأكثر

تعليقات الفصل