الفصل 580
الفصل 580: عصر الإمبراطور البشري
وبينما كان الجميع ما يزالون غارقين في الذهول
رنّ صوت هادئ قويّ فجأة
«مع أنّ موهبة هذا الفتى قوية حقًّا، فإنه مقيَّد بجسدٍ بشري عادي، فحتى لو كانت قدراته العظمى وتقنياته استثنائية، فلن ترقى إنجازاته مستقبلًا إلى ذلك الإمبراطور الفتي»
«وفوق ذلك، لقد أوليتم انتباهكم لجيانغ هاو وتجاهلتم جيانغ يي الواقف إلى جانبه…»
فزع الجميع واستداروا ينظرون
فرأوا شيخًا أبيض الشعر محنيَّ الظهر يخرج ببطء
وكان القادم بعينه هو سيّد جناح تيانجي
ولمّا تبيّن للحاضرين أنه السيّد بنفسه، انحنوا باحترام قائلين: «سلامنا لسيّد الجناح»
ثم هاجت في قلوبهم أمواجٌ من الشك
إذ ينبغي أن يُعلَم أنّ أصل سيّد الجناح غامض، وهو مجهول الاسم، كثير الأساليب، ومن أقوى القادة في الإقليم الشرقي
وما دام حتى هو قال إن جيانغ يي ليس بسيطًا، فلا بدّ أن لدى جيانغ يي أسرارًا مجهولة
وهنا لم يملك أحدهم نفسه فسأل: «أتأذن يا سيّد الجناح، ما الأمر الاستثنائي في هذا جيانغ يي؟»
هزّ سيّد الجناح رأسه برفق وقال ببرود: «ليس هذا خطأكم، وإنما هذا الصديق الصغير يُخفي نفسه بعمقٍ شديد، ولولا بعض اللقاءات الخاصة بي لعسُر عليّ أنا أيضًا التقاطُ شذوذه…»
ثم رفع رأسه قليلًا وحدّق في ظهر جيانغ يي وقال بخفوت: «إن لم يَخُن هذا الشيخَ حدسُه، فالغالب أنّ هذا الصديق الصغير ذو الحدقتين»
«ذو الحدقتين!» فاهتزّت قلوب الجميع بعنف عند سماع ذلك
إذ إنّ شيوخ جناح تيانجي اطّلعوا على كمٍّ كبير من السجلات التاريخية، ويعرفون بالطبع معنى «ذو الحدقتين»
ومع أنّ «ذو الحدقتين» ليس بِنْيةً خاصّة مثل «جسدٍ مكرّم» أو «جسدٍ عظيم»، فإنه بالغ الغرابة، بل يفوق في تجلّياته معظم الأجساد المكرّمة
وبحسب السجلات التي بحوزة جناح تيانجي يظهر أصحاب الأجساد المكرّمة في كلّ عصر، أمّا ذو الحدقتين فقلّما يُرى في عصورٍ عديدة
فإذا كان هذا جيانغ يي يملك حقًّا الحدقتين المزدوجتين، فطاقته الكامنة تتجاوز خيال الجميع بكثير
ولا عجب إذًا أن قال سيّد الجناح إن إنجازاته ليست مما يُقارَن بإنجازات جيانغ هاو
وإذ بلغوا هذا الخاطر، لم يملك أحدهم نفسه فقال مندهشًا: «على حدّ علمي، عبر التاريخ الطويل للأقاليم الخمسة، لم يولد من ذوي الحدقتين إلا شخصان، أليس كذلك؟»
وما إن انتهت كلماته حتى أومأ أحدهم مؤكِّدًا: «أجل»
«وتقول الأساطير إنه في العصر القديم خرج ذو حدقتين اجتاح العالم بموقفٍ لا يُقهَر حتى بلغ في النهاية منصب الإمبراطور الأعظم»
«وأمّا الآخر فولد في عصر الإمبراطور البشري الزاهر»
«حينذاك كان الإمبراطور البشري قد وحّد الأقاليم الخمسة، وقاد جيشًا جرّارًا لصدّ الإقليم الغريب»
«وكانت ابنته جيه مينغكونغ فائقة الموهبة، لا تُجارى قوّتها القتالية، ذات حدقتين، وقائدةً بارعةً تحت لواء الإمبراطور البشري»
«وبحسب السجلات التاريخية فإن هذه جيه مينغكونغ، وما إن اخترقت إلى مرتبة السامي، المستوى الأول، حتى استطاعت بتقنية الحدقتين أن تذبح أكثر من عشرة كيانات من مرتبة السامي من الإقليم الغريب، فسال دمُ الساميين في أرجاء الأرض والسماء»
ولمّا بلغ الحديث هذا الموضع امتلأ الصوت دهشةً وأسًى
«لكن العُلى تغار من الموهوبين»
«فمع أنّ لديها طاقةً كامنة تؤهّلها لبلوغ مرتبة شبه الإمبراطور، بل وربّما مرتبة الإمبراطور الأعظم، فإنها حين اخترقت إلى مرتبة السامي العظيم وقعت في كمينٍ نصبه أهلُ الإقليم الغريب»
«وفي تلك المعركة يُشتبه بأنّ قوّةً من مستوى شبه الإمبراطور ضربت من بعيد، فبضربةٍ واحدة أُصيبت هذه الأميرة إصابةً بالغة»
«ولولا أنّ الإمبراطور البشري جمع حظوظ الأقاليم الخمسة لمساعدتها لَهلَكَت في موضعها»
«غير أنّ حياتها وإن أُنقِذت مؤقّتًا، فقد نَفِدَت قوّة حياتها واقترب أجلُها»
«وأمام ذلك عجز الإمبراطور البشري نفسه عن الحلّ»
«وفي النهاية، قضت نحبها…»
وعند سماع هذا أظهر الجميع ملامح الأسف
فمقارنةً بهذا العصر الراهن الباهت الخالي من البريق
كان عصرُ الإمبراطور البشري لا ريبَ عصرًا ذهبيًّا من المجد الخالص
إذ كانت الأجساد العظيمة والمكرّمة تتوالى بلا انقطاع
وتحت لواء الإمبراطور البشري كان المشهد مهيبًا: الساميون جنود، وملوك الساميين قادة ألوية، والساميون العظام قادة جيوش
وكان الإمبراطور البشري نفسه قريبًا من مرتبة شبه الإمبراطور، وهو الكائن في ذلك العصر الأوفر حظًّا لبلوغ منصب الإمبراطور الأعظم
غير أنّ الأسف أنّ الإمبراطور البشري هلك فجأةً مع عودة جراحه القديمة
فانطفأ مجد الأقاليم الخمسة في لحظة، وخيّم قفرٌ عميق
كأنّ عصر الإمبراطور البشري قد استنفد احتياطيّ العالم كلّه وطاقةَه الكامنة
وحتى يومنا هذا لم يبقَ لهم سوى عصرٍ معتم: بيئةُ طاقةٍ روحية فقيرة، وقواعدُ الداو العظمى عسيرةُ الفهم، وحتى كمّيّة موادّ السماء والأرض النفيسة قد انخفضت كثيرًا
وأمام عصر تراجعٍ كامل كهذا امتلأت قلوب الجميع بعدم الرضا
فقد كانوا يؤمنون بتفوّق مواهبهم، ولو كانوا في عصر الإمبراطور البشري لبلغوا لا محالة مرتبة السامي، وربّما لمسوا عتبة ملكٍ سامٍ
أمّا الآن فما عليهم إلا أن يُكابدوا في هذا العصر الضعيف، وأن يحذروا أيضًا غزو الأراضي المكرّمة في الإقليم المركزيّ بعد تبدّد حاجز الأقاليم الخمسة
وفي هذه اللحظة قطّب سيّد جناح تيانجي حاجبَيه، فشدّ انتباه الجميع
فسأله أحد الشيوخ على الفور: «مولاي، ما الذي حدث؟»
وتحت أنظار الجميع قال سيّد جناح تيانجي بصوتٍ عميق: «أشعر بأنّ قوّة حاجز الأقاليم الخمسة قد ضعفت الآن مرةً أخرى…»
وما إن خرجت هذه الكلمات حتى دُهشوا أولًا، ثمّ ارتسم الفرح على وجوههم
لأن هذا يعني أنّ نوابغ الإقليم الشرقي اليافعين باتوا قادرين أخيرًا على دخول منجم كنز المصدر العظيم واستكشاف أسراره
وبالنظر إلى القوّة الهائلة التي أظهرها جيانغ هاو وجيانغ يي، فالجائزة الكبرى في أعماق منجم كنز المصدر العظيم ستكون من نصيب الإقليم الشرقي بلا ريب
ثم خطر لأحدهم خاطرٌ فقال بخفوت: «أذكر أنّ جيانغ تشي وي وجيانغ يان من عائلة جيانغ في كانغوو كانا سيأتيان أيضًا، أليس كذلك؟ فلماذا لم نرهما بعد؟»
«المنافسة على وشك البدء، والوقت يضيق، ولم يَعُد لدينا متّسعٌ لإرسال أحد إلى جبل كانغوو لإبلاغهما»
«صحيح، لِيدخل الحاضرون منجم كنز المصدر العظيم أولًا، كي لا يسبقَنا أهلُ الأقاليم الأربع الأخرى فنفقد الفرصة»
وما إن همّ سيّد جناح تيانجي بالكلام حتى لمعت عيناه، وارتسمت ابتسامةٌ على طرف فمه: «لقد وصلوا»
وما إن سقط صوته حتى اندفعت ثلاثُ هيئاتٍ عبر العلوّ بسرعةٍ وهبطت أمام الجميع
حدّق الحضور فإذا بالمتقدّم ليس سوى الشيخ الأعلى وانغ تو وي
وكان يتبعه اثنان
الشابّ على اليسار يرتدي زيًّا قتاليًّا أسود ويحمل على ظهره مسطرةً سوداء كبيرة
يتماوج شعره الأسود في الريح، وملامحه وسيمة، وفي عينيه بريق كالنُّجوم
ومن بعيد بدا كقِمّة جبلٍ صامتة
وإن كان ساكنًا، فقد كان يشعُّ هالةً قويةً على الدوام تكشف عن زراعته الروحية المنيعة في مرتبة المظاهر الكثيرة المستوى السابع، فلا يُمكن تجاهله
وعلى كتفه قطةٌ صغيرة بهالةٍ خافتة، كأنها تُشكّل تناقضًا صارخًا مع قوّته
وعن يمينه، وتحت ضوء الشمس، وقفت امرأةٌ بثيابٍ خضراء
وقد رُبط شعرها الأسود على هيئة ذيل حصانٍ عالٍ بشريطٍ قماشي، بدَت مهيبة جريئة كغصنِ صفصافٍ في نسيم الربيع
وكان جسدها كلّه يشعُّ مقصَد السيف الحادّ، يظهر حدّتها كاملةً، حتى ليهاب المرءُ أن يحدّق فيها مباشرة
وانسابت هالتها للخارج، فكشفت بلا ريبٍ أن زراعتها الروحية في مرتبة المظاهر الكثيرة المستوى الثالث
ولمّا نظروا إلى الاثنين لمع في عيون الجميع طيفُ إدراك
إذ كانوا قد اطّلعوا على صور أبطال كانغوو التسعة التي جاء بها وانغ تو وي، فميّزوا على الفور أنّ القادمين هما جيانغ يان وجيانغ تشي وي
وبعد رحلةٍ طويلة بلغوا أخيرًا الساحة قبل انفتاح منجم كنز المصدر العظيم

تعليقات الفصل