الفصل 590
الفصل 590: امرأة بثياب سوداء
«يا سيّد قط، هل استشعرتَ شيئًا؟»
وعلى الرغم من أنّ زراعة الطرف الآخر ما تزال سطحيّة، ولا تتجاوز المرتبة الفطرية، فإنّ معارفه الواسعة وما قدّمه له من عون جعلا جيانغ يان يُجِلّه دائمًا
ولذلك كان يناديه باحترام: «السيّد قط»
«يا يانزي الصغير…»
وما إن سمع القط شوان سؤال جيانغ يان حتى بدا كأنّه تحرّر من الخوف، ولم يَعُد جسده يرتجف بتلك الحدّة
ثمّ عانق رأسه بكفّيه الصغيرتين، ونبرته تحمل مسحة حَيْرة: «لا أدري لماذا، لكن قبل قليل انتابني إحساس غريب، كأنّي استشعرتُ… صديقًا قديمًا ما»
صديقٌ قديم
اضطرب قلب جيانغ يان وشعر بدهشة كبيرة
حقًّا لم يستطع أن يتخيّل كم يكون قدمُ وجودٍ ما ليُسميَه القط شوان «صديقًا قديمًا»
إذ ينبغي أن يُعلَم أنّ هذا العالم، حتى الأباطرة العِظام الذين يُقال إنهم يَسودون العالم ولا يُقهَرون، ليسوا خالدين إلى الأبد
فذلك الصديق القديم الذي ذكره القط شوان، كيف أمكنه البقاء كلّ هذا الزمن، لا بدّ أنّ قوّته تتجاوز ما يتخيله بكثير
أم تراه مجرّد وهم
قطّب جيانغ يان حاجبَيه بشدّة، وامتلأ قلبه شكًّا وتردّدًا
ومع ذلك، وبعد أن تفرّس حوله
كبحَ اضطراب قلبه
ثمّ مدّ كفَّه العريضة وربّت برفقٍ على رأس القط شوان مُهدِّئًا مشاعره
«يان، ما الأمر؟» تقدّم جيانغ يي وسأل
هزّ جيانغ يان رأسه وقال بخفوت: «لا شيء، لعلّه إنذارٌ كاذب فحسب»
ثم فعّل شارة كانغوو وبدأ يمتصّ ما تبقّى في المكان من أحجار الروح
ولمّا رأى جيانغ يي ذلك، ورغم حيرته، لم يُكثِر من الأسئلة، بل راح هو الآخر يبحث عن أحجار الروح
وفي الوقت نفسه
في مكانٍ ما عميقٍ داخل منجم كنز المصدر العظيم
اجتمع فريق من النوابع في مرتبة قرص الشمس
وإذ وقع بصرهم على المشهد أمامهم، اهتزّت قلوبهم، وتلألأت عيونهم ضوءًا ساطعًا يملؤه الحماس
فقد انتصب أمامهم مباشرة حجرٌ أخضر هائل
وقد غُطِّي سطحه بنقوشٍ طبيعيةٍ معقّدة، وأطلق ومضاتٍ من ضوءٍ عميقٍ باهرٍ أنار الفضاء كلّه
وفي إحساس الجميع اكتشفوا أنّ هالةً مرعبة، أقوى من السائل العظيم بآلاف المرّات، كانت تتدفّق من الحجر العملاق وتنتشر من حوله فتبعث في النفوس رعبًا لا يوصف
«هذا… أهو المصدر العظيم؟» كَسَرَ صوتٌ مرتجفٌ السكون
كحجرٍ أُلقي في بُحيرةٍ ساكنة، فأثار تموّجات
«المصدر العظيم! لم نكن لنتوقّع أبدًا أن نعثر على كنزٍ كهذا هنا» هتف أحدهم
«وبالنظر إلى جوهر السماء والأرض المحتوى في هذه القطعة من المصدر العظيم، فمجرّد امتصاصه سيجعل زراعتِي تقفز قفزاتٍ هائلة» وأومضت في عيني شخصٍ آخر نظرةُ توهّجٍ حار
«إنه حظٌّ عظيم حقًّا»
«هاهاها، بالحصول على هذا الشيء لا تكون رحلتنا سُدى»
ولفترةٍ ارتسمت على وجوه الجميع تعابيرُ التهافُت، كأنّهم رأوا مستقبلهم المشرق وقد ازدادت زراعتهم الروحية بقفزات
ولم يخطر ببالهم قط أنّهم بعد أن أفلتوا للتوّ من مطاردة وحشٍ مفترس في مرتبة المظاهر الكثيرة المستوى التاسع، سينقلب سوءُ حظّهم حُسنًا ليعثروا هنا على صَنعةٍ مُدهشة تُعاكس العُلى
إذ ينبغي أن يُعلَم أنّ المصدر العظيم نادر، بل نادر جدًّا في الأقاليم الخمسة كلّها
وإنّ قطعةً بحجم قبضةٍ واحدةٍ كافيةٌ لأن تتصارع عليها قوى من مرتبة ملك الساميين
فما بالُكم بهذه القطعة العملاقة من المصدر العظيم أمامهم، فهي بلا شكّ فريدةٌ من نوعها في الأقاليم الخمسة
ومن البيّن أنّه ما إن تتسرّب إلى العالم الخارجي حتى تختطفها قوى لا تُحصى اختطافًا مجنونًا
وما إن أدركوا أهميّة هذه القطعة من المصدر العظيم حتى تغيّرت نظراتهم، ووُلد في أعماق حدقاتهم بريقُ طمعٍ وقسوة
«المصدر العظيم بهذه الأهميّة، لا يجوز أن يذهب لغيرنا»
«ولا يجوز تسريب الخبر، حتى لا نجلب الشقاء لأنفسنا»
ولفترةٍ راود الجميعَ خاطرٌ واحد: لا بدّ من الظفر بهذه القطعة من المصدر العظيم مهما كان
وفي اللحظة التالية
هووش—
لمعت شُعاعٌ خاطف
فإذا بأحدهم يشهر سيفًا حادًّا، وعلى وجهه جنون، فيبادر فورًا ويقطع عنق الذي إلى جواره
تطاير الدمّ متناثرًا في كلّ مكان
وبدت هذه الفعلة كأنّها أشعلت نارًا في قلوب الجميع
فقد أجّج الدمُ المُسفوح طمعهم ونِيّة القتل فيهم أكثر
وبدافع المصلحة راح كلّ واحدٍ يُشهر سكّينَ الجزار بلا رحمة ويقتل من بجواره
سواءٌ أكانوا زملاءَ في الطائفة، أم أصدقاء ثقةً منذ مئات السنين، أم حتى إخوةَ دم، فقد خاضوا جميعًا القتال بلا تردّد في هذه اللحظة
ولفترةٍ تعالت أصوات القتال في المكان بلا انقطاع
وغمرَ كلَّ موضعٍ عويلٌ مرعبٌ، كأنّه جحيمٌ حيّ
ومع ذلك، وفيما كان الجميع يغرق أكثر فأكثر في سُعار الدم
لم ينتبهوا إلى أنّ سطح المصدر العظيم قد طرأ عليه تغيّرٌ خفي
إذ تشقّقت شقّةٌ دقيقةٌ بصمت، وأخذت تنتشر بسرعة
وفي أنفاسٍ معدودة امتدّت إلى كلّ أنحاء المصدر العظيم
ومن بعيد بدا المصدر العظيم في هذه اللحظة كقطعةِ خزفٍ رقيقةٍ تُوشك أن تنهار في أيّ حين
وكان هشاشته صادمةً للعيون
ومع تزايد التصدّع في المصدر العظيم لاحظ المشتبكون واحدًا تلوَ الآخر هذا الخلل
فتوقّفت أيديهم وحدّقوا نحو جهة الصوت
فرأوا أنّ الجانب الأيمن من المصدر العظيم قد انفتح تمامًا، وتناثرت شظاياه المُتلألئة بضوءٍ خافتٍ على الأرض
وبين ذلك الشقّ ظهرت يدٌ بيضاء نقيّة كالزبرجد في سكون
اتّسعت عيون الجميع وحدّقوا في هذا المشهد في ذهول، وصعدت إلى قلوبهم موجةُ خوفٍ لا تُوصَف
«هذه… أهي يدُ امرأة؟» قال أحدهم مرتجفًا
«كيف ينشقّ المصدر العظيم من تلقاء نفسه؟ فضلًا عن أن يكون بداخله كائنٌ حيّ»
«مَهْلًا، لقد تذكّرت الآن، يُقال إنّ في العصور القديمة كثيرًا من الأقوياء الذين أشرف عمرُهم على الانقضاء، كانوا يلتمسون بصيصَ أملٍ فيختمون أنفسهم داخل المصدر العظيم، فيجتازون العصور الطويلة ويُعلّقون رجاءهم على الأجيال القادمة…»
«أنَكون بهذا السوء من الحظّ حتى نصطدم بمثل هذا الوحش القديم فور دخولنا؟»
«هه هه، كنتُ أظنّه مجرّد أسطورة بعيدة، ولم أتوقّع أن نراها بأعيننا اليوم»
فاض في قلوب الجميع خوفٌ لا يوصف
وعلى الفور، ومن غير تردّد، ولّوا مُدبرين يفرّون
فقد علموا أنّ الطرف الآخر على الأرجح قوّةٌ عُظمى، فكيف يطمعون بعدُ في المصدر العظيم
والأَولى أن يُنقِذوا أرواحهم أولًا
لكنّ الأوان كان قد فات
إذ ما إن استداروا ولم يخطوا خطوةً بعد حتى دوّى انفجارٌ صاعقٌ من خلفهم
تصلّبت الأجساد، واستداروا برؤوسٍ متيبّسةٍ في حَرَج
فإذا بقطعة المصدر العظيم العملاقة قد تفتّتت تمامًا، وتناثرت شظاياها في كلِّ موضع
وفوق الشظايا وقفت امرأةٌ شابّة بثيابٍ سوداء
كان قوامها رشيقًا، وهالتُها أثيريّة
وبشرتها بيضاء كالزبرجد، وملامحها رقيقة كلوحةٍ مرسومة
وشعرٌ أسود طويل ينسدل على كتفيها
وعيناها مغطّاتان بشريط حريرٍ أسود، كأنّها كفيفة
وبظهور هذه المرأة اكتسحت قوّةُ ضغطٍ هائلة، وهوت على الجميع
وفي لحظةٍ شحبَت وجوههم، وشعروا بأجسادهم تثلج كالصقيع، وأقدامهم تثقل كأنها حُشِيَت بالرصاص، فلا يقدرون على التحرك شِبرًا
«إلى أيّ حدٍّ تبلغ قوّةُ زراعة هذه المرأة»
ارتسم الفزع على الوجوه، وحدّقوا في الهيئة السوداء بثيابٍ سوداء، وقد امتلأت قلوبهم خوفًا ومهابة
فعلى امتداد حياتهم لم يَرَوا مُزارِعةً بهذه القوّة قط
وبلا مبالغة، حتى هالةُ شيوخهم والضغط الذي يجلبونه أدنى بكثيرٍ من تلك المرأة أمامهم
«هل يمكن أن تكون هذه المرأة… ملكًا للساميين؟»

تعليقات الفصل