الفصل 589
الفصل 589: ما علاقة حياة هؤلاء الناس وموتهم بي؟
أمام منظرٍ مرعب كهذا ذُهِل الجميع
لأنهم لم يتخيّلوا قط أنّ لي تشيشي سيموت بهذه السهولة
من دون حتى فرصةٍ للمقاومة
ومن زاويتهم كان كلّ شيءٍ خاطفًا على نحوٍ يثير الدهشة؛ لم يروا سوى جيانغ يي يُلقي نظرةً على لي تشيشي، فإذا به يُمحى
يا لرهبة فعلٍ كهذا
حتى لو قُتل لي تشيشي بضربةٍ واحدة لما بدا الأمر فادح الغرابة للجميع
لكن من دون استخدام أي حركة، وبمجرد نظرةٍ واحدة، يموت الخصم ويتلاشى
كان هذا حقًا لا يُصدّق
غير أنّ جيانغ يي لم يُعر خواطرَ هؤلاء أي اهتمام
رفع رأسه في صمتٍ وحدّق في الجميع
وانحنى طرفُ فمه قليلًا كاشفًا عن ابتسامةٍ باردة تُقشعرّ لها الأبدان
وازداد الضياء السماوي في حدقتيه توهّجًا
وتحت نظرات الجميع المتوتّرة
سمعوه يقول ببرود: الموارد التي أحتاجها سأأخذها بنفسي، لا أحتاج أن تُعطوني إيّاها
وما إن أنهى كلامه حتى انطلق من عينه اليمنى ضوءٌ غامض أسود داكن
كانت قوّته مروّعة، فجعلت منجم حجارة الروح بأكمله يهتزّ، والأرض ترتجف بلا انقطاع، ودويٌّ يتصاعد من أعماق باطنها
وفي عيونهم بدا ذلك الضوء الأسود الغامض مثل لهيبٍ من هاويةٍ شيطانيةٍ يشتعل بجنون، مطلقًا هالةً مرهبة قادرة على تدمير كلّ شيء، يعلو في الهواء ويحرق الفضاء حتى التوى وكأنّه على وشك الانهيار
فوووش—
اندفع كتلةُ اللهيب الأسود تلك نحوهم بسرعةٍ لا مهرب منها
وقبل أن يطلق الجمع صرخةَ فزع كانوا قد ابتُلِعوا بها
ثم اشتعلت سيقانُهم وأذرعُهم وأجسادُهم وتحولت إلى عدم
وفي طرفة عين مُسِح أكثر من عشرة أشخاص، هم وثيابهم، من الوجود بالكامل، من دون أن يخلّفوا حتى رمادًا
ولم تسقط إلا الخواتمُ المكانية التي تعمّد جيانغ يي إبقاءها، لترتطم بالأرض وتُصبح الأثرَ الوحيد لوجودهم
نظرَت مواهب الإقليم الشرقي إلى تلك الخواتم، وقلوبهم ترتجف من شدّة الرعب
لم يخطر ببالهم أن هذه الموهبة من جبل كانغوو، الذي اعتاد التخفّي وخفض الصوت، ستكون قاسيةً إلى هذا الحدّ في مواجهة أهل الإقليم الجنوبي، لا تقلّ قسوةً عن الأسطوري جيانغ هان
هذا الرجل…
في تلك اللحظة انبثقت الفكرة نفسها في قلوب الجميع
جيانغ يي، لا يجوز استفزازه
ومن الواضح أنه بعد أن تنتهي أحداث اليوم
ستُضيف أسرة جيانغ في كانغوو اسمًا آخر إلى قائمة غير القابلين للاستفزاز: جيانغ يي
وفي هذه اللحظة، وتحت أنظار الجميع، استدار جيانغ يي بهدوء
وكانت عينُه السماوية الوحيدة قد انحسرت، وعادت إلى لونها الداكن، تبدو عاديّة تمامًا
ومع ذلك، وبعد أن شهدوا نظرته، لم يملك أهل الإقليم الشرقي إلا أن يهابوه، فتراجعوا خطوةً، بل خطواتٍ غريزيًا
فإن كان أهل الإقليم الجنوبي في مرتبةٍ تقارب مراتبهم وقد قُتلوا بهذه السهولة على يده
فكيف لا تستولي عليهم المقارنة والوجل
حتى أنّهم لم يمنعوا أنفسهم من تخيّل أنه لو باشر الطرفُ الآخر حركةً ضدّهم، فلن تكون عاقبتهم أطيبَ حالًا من أولئك الجنوبيين، أليس كذلك
وبينما الجميع في ذهولٍ وحيرة
هزّ جيانغ يي رأسه
ورفع يده ولوّح، مُفعّلًا قوّة الجوهر ليجمع الخواتم المكانية جميعًا
لكن في تلك اللحظة قال لين فنغ، غير بعيدٍ عنه: أيها الكبير، أليس في هذا قسوةٌ بالغة، ألا تُبقي ولو واحدًا
لقد شعر في قلبه بشيءٍ لا يطيقه
وكان يظن أنه حتى لو أساء هؤلاء بالكلام فليس جرمُهم ما يستوجب القتل؛ وعقوبةٌ خفيفة تكفي
وما إن سمعه جيانغ يي حتى رماه بنظرةٍ هادئة وقال بلا مبالاة: ما علاقة حياة هؤلاء الناس وموتهم بي
من أجل صفاء الذهن، إن قتلتُ قتلتُ
وما إن سقط صوته حتى بدا جليدُ لامبالاةٍ لا يُوصَف، كأنّ الحياة والموت في عالمه غدوا منذ زمنٍ بعيد أمرين تافهين
ذلك أن سنوات المِحَن صقلت إرادته حتى صارت صلبةً كالحديد
وفي الماضي، حين كان يواجه أبناء العشيرة أو قوى مُوادّة لعشيرته، كان لا يزال يُبقي على شيءٍ من اللين
لكن في مكانٍ بلا قانون كمنجم كنز المصدر العظيم، وأمام غرباء كهؤلاء، فقد طرح منذ زمن كلّ شفقةٍ ورقّة
وما إن انتهى كلامه حتى عقدَ لسانَ لين فنغ
إذ لم يتوقّع أن يكون جواب الطرف الآخر بهذه البساطة والحدّة
من أجل صفاء الذهن، إن قتلتُ قتلتُ
هذا الرجل…
تبدّلت ملامح لين فنغ، واضطرب في قلبه شعورٌ معقّد لا يُوصَف، فيه حيرةٌ وعجز
لكنّ جيانغ يي بدا كأنه نفذ إلى أفكاره، فقال بهدوء: أحيانًا لا تجلب الطيبةُ نتيجةً حسنة، وإذا وُضِعت في غير موضعها انقلبت عواقبُها سيئة
ارتاع لين فنغ وسأل على شيءٍ من الذهول: ماذا يقصد الكبير
رفع جيانغ يي ذراعه كاشفًا الخاتمَ المكاني على راحته وقال بغلظة: لي تشيشي قُتل، فإن تركتَ هؤلاء يعودون، فكيف سيكون حالُك
كان في صوته عُمقٌ لا يُوصَف، كأنه يذكّر لين فنغ بأن قسوة هذا العالم تفوق خياله بكثير
وما إن سمع ذلك حتى هبط قلبُ لين فنغ
فهو ليس غبيًا، وقد فهم بطبيعة الحال المعنى الأعمق في كلام الطرف الآخر
لقد خشي أنّه في عيون هؤلاء الجنوبيين كان واقفًا منذ زمنٍ إلى جانب جيانغ يي والآخرين
وهذا يعني أيضًا أن سبب موت لي تشيشي سيلتصق به قليلًا أو كثيرًا
فإن علمت الطائفة بهذا الأمر
فكيف لِمزارٍ من مرتبة عجلة الشمس فحسب أن يحتمل سخط الطائفة
ففي أي طائفةٍ كان، إلحاقُ الأذى بتلميذٍ أخٍ خطيّةٌ عظيمة لا تُغتفر
فكيف إذا كان الأذى لتلميذٍ أصيل، فكيف ستُدبّر نفسك
عليك أن تعترف بالواقع وتفهم أن أولئك لن يتركوكا وشأنك، وما ينتظرك ليس إلا الموت
وحين خرجت هذه الكلمات دوّت كالرعد وتردّدت في كلّ مكان
وازداد رأسُ لين فنغ خفوقًا، وشحب وجهُه سريعًا
وأراد على سجيّته أن يُعارض، لكنه كان يعلم يقينًا صدقَ ما قاله الطرف الآخر
فإن ترك هؤلاء الجنوبيين يعودون وينشرون الخبر جزافًا
فإنه يخشى أنّ عودته ستكون ساعةَ موته
وما إن فكّر بهذا حتى نضح عرقًا باردًا، واجتمعت في قلبه الامتنانُ والرهبة
ثم رفع بصره إلى جيانغ يي، وفي عينيه شكرٌ صريح
فهو ليس مُتحجّرًا تمامًا، ويستطيع على طبيعتِه أن يرى المصالحَ والمفاسد
شكرًا لك أيها الكبير على عونك، سيسجّل لين فنغ شأن اليوم في قلبه
وانحنى لين فنغ مؤدّيًا تحيّةَ احترام
ولوّح جيانغ يي بيده إشارةً إلى أنه لا حاجة للمبالغة في الرسميات
ثم حوّل نظره إلى الأمام نحو جيانغ يان
يا أخي يان، لا تدع هؤلاء يعكّرون مزاجنا، علينا أن نجمع أحجار الروح هنا سريعًا ثم نغوص أعمق لنفتّش عن فرصٍ أكبر
أومأ جيانغ يان قليلًا، وأخرج رمز كانغوو رافعًا يده، وهمَّ بالشروع في جمع أحجار الروح في المكان
لكن قبل أن يتحرّك شعر فجأةً بشيءٍ غير مألوف على كتفه
همم
قطّب جيانغ يان حاجبيه قليلًا وحوّل نظره إلى كتفه الأيمن
فرأوا كات شوان يتمدّد عليه، ولم يعد هادئًا كعادته
كان وبرُه مُنتصبًا وجسده يرتجف بلا توقف، كأنه واجه عدوّه الفطري
وأدهش هذا المشهد جيانغ يان كثيرًا
إذ يُعلَم أنه منذ أن أحضره من العالم السري لدان شينغ
لم يره يُظهر ردّ فعلٍ عاطفيًّا قويًّا إلى هذا الحد
وإذا وقع أمرٌ على غير العادة فلا بدّ من سبب
أترى أنه استشعر شيئًا

تعليقات الفصل