الفصل 595
الفصل 595: الخطو
لم يتوقع أحد أنهم كانوا يتحدثون للتو عن أبطال كانغوو التسعة
لكن في طرفة عين، وصل الأبطال أنفسهم
مثل هذه المصادفة جعلت الجميع يشعر بدهشة كبيرة
لبرهة، أوقف ممارسو الزراعة الروحية من المنطقة الجنوبية والمنطقة الغربية والمنطقة الشمالية نقاشاتهم، وثبتت أنظارهم جميعًا على جيانغ يان والآخرين
حتى ممارسو الزراعة الروحية من المنطقة الوسطى الذين كانوا يثيرون الضجيج أسكتوا أفواههم طائعين بعد أن شاهدوا بأس جيانغ يان ورفاقه
يا للسخرية
لو لم يكن أصحاب الشأن حاضرِين، لكان ربما بوسعهم الخوض في حديث أو اثنين
أما وقد جاء أصحاب الشأن بأنفسهم، فكيف يجرؤون على قول المزيد
فأبطال كانغوو التسعة هؤلاء يكادون جميعًا يكونون شخصيات من مستوى السامي، مخيفين حقًا
ولو تجرؤوا على الخوض فيهم وجهًا لوجه، فقد يجلبون على أنفسهم كارثة عظيمة
وفوق ذلك، فإن ساميهم هم قد دخلوا الكهف الحجري، ولم يبق واحد منهم لحمايتهم
ولو استفزوا الطرف الآخر بلا سبب، فالأغلب أنهم لن يجلبوا لأنفسهم سوى الإهانة
أدرك كثيرون هذه الحقيقة فاختاروا الصمت
وتحت أنظار الجميع
كان جيانغ يان يقود المجموعة وهو يخطو قدمًا
أما القادمون من المنطقة الشرقية خلفه، فعندما تطلعوا حولهم امتلأت قلوبهم بالتوتر والرهبة
إذ ذُهلوا لاكتشاف أن بين ممارسي المناطق الأربع كثيرًا من الأقوياء من مرتبة التجليات الكثيرة
بينما في فريقهم هم، باستثناء أفراد عائلة جيانغ في كانغوو، لم يوجد سوى ثلاثة فقط من مرتبة التجليات الكثيرة، أحدهم لم يحقق اختراقه إلا منذ وقت قصير، أما الباقون فليسوا إلا في مرتبة عجلة الشمس
وبسبب هذا التفاوت الكبير بينهم وبين الآخرين في المراتب، شعر كثير من نوابغ المنطقة الشرقية بالخوف غريزيًا
كالورق الجاف في ريح باردة، يرتجفون
«أهؤلاء هم نوابغ القمة في المناطق الأربع؟ إن قوتهم عصية حقًا على الإدراك وتبعث على الخوف…»
«لولا مساعدة هؤلاء الطاويين من عائلة جيانغ في كانغوو، لكان من العسير علينا وحدنا مجاراتهم»
«آه، ومن يقول غير ذلك؟ في ذلك الوقت كان لدينا أمثال جي شيوتيان ممن يمكنهم منافستهم، لكن للأسف لقد اخترقوا جميعًا إلى مرتبة الروح الأصلية، ولا نصيب لهم في هذه الرحلة»
«هذه هي الأزمنة، وهذا هو القدر، جيلنا فيه فجوة، فلا يوجد حتى نابغ واحد في المستوى التاسع من مرتبة الظواهر الكثيرة، ولا حتى فوق المستوى السادس…»
وتبادل الجميع الأفكار عبر الوعي السماوي، يتنهدون بتأثر
لكن عندما رأوا جيانغ يان والآخرين، خفّ توترهم
لأن هؤلاء بدوا متماسكين هادئين، كأن السماء لو سقطت ما هزّتهم
ومثل هذا الثبات عزز ثقتهم بلا شك
في هذه اللحظة بالذات
توقف جيانغ يان فجأة
ومسح نظره الحاد المكان كالنسر، فأحس كل من حضر بضغط غير مرئي
ارتجفت قلوبهم، وخفضوا رؤوسهم سريعًا، لا يجرؤون على لقاء نظرته
لحسن الحظ، لم يطل بصر جيانغ يان عليهم، وسرعان ما تحوّل ليستقر على الكهف الحجري أمامهم
وحين رأى أولئك الممارسين يكابدون التقدم، ويواصلون السير بعناد، لمعت في قلبه بارقة فهم
لذا استدار ببطء نحو جمع المنطقة الشرقية، وقال بنبرة هادئة: «إن أقوى من تبقى هنا لا يتجاوز مرتبة التجليات الكثيرة في المستوى السادس، وهذا بلا شك يعني أن أحدًا أقوى قد دخل هذا الكهف الحجري قبلنا…»
وعند هذا الحد توقف صوته قليلًا
وألقى نظرة على الجميع، ثم غيّر الموضوع وقال بصوت عميق: «غير أن قوة غريبة تنبعث من الأمام، وحتى ممارس في مرتبة التجليات الكثيرة بالمستوى السادس يجد صعوبة في مقاومتها»
«لذلك، من كانت أساساته ضحلة وقوته غير كافية فلينتظر هنا في الوقت الحالي»
ما إن خرجت هذه الكلمات حتى ظهر القلق على وجوه بعض نوابغ المنطقة الشرقية
فإن ذهب جيانغ يان والآخرون، فكيف سيحمون أنفسهم بقوتهم وحدها
التقط جيانغ يان بحدة مخاوفهم، فحوّل بصره سريعًا إلى جيانغ بييه وجيانغ شيان الواقفَين إلى الجانب، وقال بهدوء: «يا بييه، أيها الشاب من العشيرة شيان، هؤلاء الناس تحت رعايتكما مؤقتًا، سنعود قريبًا…»
كان يعرف جيدًا قوة هذين الشابين من العشيرة
فمع أنهم لا يقارنان به، فإن اجتياح النوابغ الحاضرين ليس بمشكلة لهما، وذلك كافٍ لحماية ممارسي المنطقة نفسها
ولما سمعا ذلك، شعر جيانغ بييه وجيانغ شيان بثقة جيانغ يان فيهما
فاستقاما فورًا وقالا بلا تردد: «أخي يان، اطمئن! ما دمنا هنا فسنضمن سلامتهم حتمًا»
«صحيح، يمكنك التقدم، ومع حمايتنا لهؤلاء هنا فهذا يكفي»
وما إن انتهت الكلمات حتى انقضّ التوتر في قلوب أهل المنطقة الشرقية إلى حد كبير
وحلّ مكانه إحساس غريب بالأمان
ولما رأى ذلك أومأ جيانغ يان
ثم، ومن غير تردد، كان أول من سار نحو مدخل الكهف الحجري
وتحت أنظار الجميع المتوترة
دخل جيانغ يان بسرعة إلى المنطقة التي يغلّفها الضغط، واتخذ الخطوة الأولى بسهولة
ثم في الحال صار كالشبح، فعبر مئة خطوة في لحظة، متجاوزًا كل نوابغ المناطق الأربع في المكان ممن ما زالوا يكابدون التقدم
«يا لهذه السرعة…»
لم يملك الذين شهدوا هذا المشهد إلا أن تتسع أعينهم، وقد أذهلتهم الدهشة حتى كادوا لا يغلقون أفواههم
فمثل هذه السرعة المخيفة يصعب حتى على أولئك الساميّين بلوغها
أما مجموعة النوابغ العالقين عند ما فوق التسعين خطوة، فقد ذُهلوا حين رأوا ذو الثياب السوداء يظهر أمامهم فجأة
ثم لاحظوا أن هالة الطرف الآخر مستقرة، ووجهه وردي، ولم تتساقط منه حتى قطرة عرق
وبالمقارنة مع معاناتهم، بدا وصوله إلى هذا الموضع سهلًا كأنما يتمشّى في فناء داره
وهذا التناقض الصارخ تركهم مشدوهين، يكادون لا يصدقون أعينهم
وفي قلوبهم لم يملكوا إلا أن يشعروا بفارق قاسٍ بالغ الشدة
«من أين جاء هذا الوحش»
السؤال نفسه، ومن غير اتفاق سابق، ظهر في قلوب الجميع
وتحت نظراتهم المذهولة إلى أقصى حد، لم يُبدِ الطرف الآخر أي نية للتوقف لالتقاط أنفاسه
لم يتوقف عند الخطوة المئة إلا دون نصف نَفَس، ثم تقدم من جديد
وشّ—
اختفى ظلّ الشاب ذي السواد في الحال، ولم يبق سوى خيال لاحق
نظر الجميع حولهم محاولين العثور على موضعه
لكن من غير قصد، أبصروا ذلك الظهر المألوف عند مدخل الكهف الحجري
وفي لحظة كأن صاعقة ضربت الجميع
«ذلك الشخص… هل وصل إلى النهاية بهذه السهولة»
شحب وجه النابغ ذو الثياب الرمادية العالق عند الخطوة التاسعة والتسعين، ولم يملك إلا أن يسأل نفسه بصوت خافت
فعلى الرغم من دخول أولئك ذوي مستوى السامي إلى الكهف الحجري واحدًا تلو الآخر، فإنه كان يؤمن دائمًا بأنه بعزيمته سيستطيع قطع الصعاب وبلوغ النهاية
غير أنه أمام يسر ذلك الشاب ذي السواد شعر بيأس لا يوصف، وتلقى قلبه ضربة قاسية
«هل لهذا النوع من الإصرار معنى حقًا»
في هذه اللحظة تلاشى كل إصراره في الهواء
وبعد أن فقد دافعه، بلغ أخيرًا حدّه، ولم يملك إلا أن يبصق كمية كبيرة من الدم
ثم شعر بالدوار، وطنينًا في أذنيه، وجتاح جسده إحساس قوي بالعجز
تأرجح جسده غير قادر على التماسك
وأخيرًا هوى مباشرة إلى الأرض
دووم—
تطاير الغبار
وغُمر جسده النحيل في الغبار

تعليقات الفصل