الفصل 596
الفصل 596: بلا شك
شعر بالألم يجتاح جسده كله، واندفعت أفكار الموهوب السماوي ذي العباءة الرمادية كمدّ هادر
انفرجت ذكريات الماضي أمام عينيه كأنها لفائف تُفرد واحدة تلو الأخرى
لم يستطع إلا أن يستحضر تطلعات معلمه الصادقة، وإعجاب رفاقه من التلاميذ، والوعد الذي قطعه لأخته الصغرى قبل الفراق
“ما دمت قد وعدت بأن أصنع اسمًا لنفسي في منجم كنز المصدر العظيم وأشتهر في الأقاليم الخمسة، فلن أستسلم بسهولة، ولن أخذل آمالهم الكبيرة”
حاول أن ينهض
لكن جسده بدا بلا قوة، كأنه يتفكك
راح يردد بصمت في قلبه، ويقول لنفسه بلا توقف: “إن لم تكن لدي حتى أهلية مشاهدة قتال أولئك الوحوش، فكيف أصنع اسمًا لنفسي”
“هذا الجسد الضعيف يجب أن يتمالك نفسه”
عضّ الموهوب السماوي ذو العباءة الرمادية على أسنانه، وشدّ قبضتيه، وبذل جهدًا كبيرًا ليقف
كان يؤمن جازمًا أن الشاب ذا العباءة السوداء منذ قليل ليس إلا حالة شاذة
ولا حاجة إطلاقًا لأن يقارن نفسه بمثل هذا الشخص
وبينما يفكر في ذلك، استعاد أخيرًا روحه القتالية ووقف من جديد بإصرار يثير الدهشة
غير أنه ما إن وقف
هوووش—
هبت نسمة لطيفة فرفعت شعره
وتصاعدت في قلب الموهوب السماوي ذي العباءة الرمادية حيرة لا تُفسَّر: “غريب، كيف تكون هنا ريح”
وما إن ومض هذا الخاطر حتى التقطت رؤيته المموهة هيئة كالشبح تتخطاه وتنطلق بسرعة نحو مدخل الكهف
كانت السرعة فائقة إلى حد يضاهي سرعة الشاب ذي العباءة السوداء قبل قليل
همم
انقبض قلب الموهوب السماوي ذي العباءة الرمادية، وكادت الروح القتالية التي أشعلها للتو أن تنطفئ ثانية
ومع ذلك، راح يحفر في ذاكرته بكل ما أوتي، مواسيًا نفسه بأن مثل هؤلاء الوحوش لا بد أن يكونوا اثنين فقط، لا ثلاثة……
وقبل أن يتلاشى الخاطر، تخطته هيئتان أخريان بسرعة مذهلة وبلغتا مدخل الكهف بسهولة
“أربعة… أربعة؟!”
شحبت ملامح الموهوب السماوي ذي العباءة الرمادية، وتشققت شفتاه، وكأن شيئًا في قلبه قد تحطم
حتى صاحب الإرادة القوية مثله لم يملك إلا أن يشعر بالإحباط بعدما رأى أربعة وحوش يحققون الهدف الذي عجز عنه بكل ما يملك، وفعلوا ذلك بهذه السهولة
ابتسم بمرارة وسخر من نفسه: “أهكذا هي الفجوة الحقيقية بيني وبين أولئك الموهوبين السماويين في القمة”
“إنها كبيرة فعلًا، كبيرة إلى حد يُدخل المرء في اليأس ويجعل بلوغهم بعيد المنال”
“يا معلم، اتضح أنك لم تخدعني قط، فـتلميذك حقًا ضفدع في بئر، لم يرَ يومًا اتساع العالم”
في هذه اللحظة تحطّم كل ما لدى الموهوب السماوي ذي العباءة الرمادية من كبرياء وثقة، وزالت روحه القتالية
أظلمت عيناه وفقد وعيه
تهاوى جسده المنهك على الأرض وسقط في غيبوبة
…………
في الوقت نفسه
حدّق الجميع من حولهم مبهوتين نحو مدخل الكهف
وتجمعت أنظارهم على جيانغ يان وجيانغ يي وجيانغ هاو وجيانغ تشي وي
“بهذه السرعة في العبور، أحقًا أن مستوى زراعتهم مثلنا، لا يتجاوز مرتبة التجليات الكثيرة”
“بالمقارنة بهم، أشعر كأني زرعت مرتبة التحولات الكثيرة المزيفة”
“أمر لا يُعقل! كيف فعلوها”
لقد شاهدوا أبناء السامِين المنتظرين بشدة وهم يقطعون الكهف كله خطوة خطوة
حتى الأسرع بينهم استغرق أكثر من عشر أنفاس
لكن هؤلاء الأربعة من عائلة جيانغ في كانغوو كانت سرعة عبورهم سخيفة لفرط ما هي سريعة، سريعة على نحو لا يُصدق
دعك من عشر أنفاس، لم يحتاجوا حتى إلى نصف ذلك
أربعة أنفاس؟ ثلاثة أنفاس؟
أم نفسان
ذلك التباين الحاد جعل الجميع يراودهم وهمٌ بأن الأبناء السامِين جميعًا بلا جدوى
بل جعل بعضهم يظنون خطأً أن الضغط هنا قد تلاشى
غير أنهم حين رمقوا بطرف العين الموهوبين السماويين الذين ما زالوا يتقدمون بصعوبة، يجرّون أقدامهم خطوة خطوة
فهموا فجأة
وأدركوا أن الضغط لم يتبدد
بل إن قوة الموهوبين السماويين لجبل كانغوو كانت طاغية إلى حد أنهم كادوا يتجاهلون الضغط هنا
وإذ فكروا في ذلك، امتزجت نظراتهم إلى الموهوب السماوي ذي العباءة الرمادية بشيء من الشفقة
فبعد جهد طويل، وحين أوشك أن يبلغ النهاية، صادف هؤلاء الأربعة الوحوش
فكانت الضربة قاسية، وأصابت قلب الداو لديه، ولعله سيصعب عليه أن يحقق الكثير في المستقبل
هزّ الجميع رؤوسهم وحوّلوا أنظارهم إلى جيانغ بِييه وجيانغ شيان
كانت كلمات جيانغ يان منذ قليل غير محجوبة، فسمعوها بوضوح
“حقل الشمال؟ الأخ شيان؟”
أيمكن أن يكون هذان هما جيانغ بِييه وجيانغ شيان المصنّفان ضمن العشرة الأوائل في قائمة نوابغ الإقليم الشرقي
وما إن خطر لهم ذلك حتى لمعَت عيون الجميع
يُلقَّب جيانغ تشن بالإمبراطور الشاب، وقوته ثابتة بلا شك
كما أثبت جيانغ يان والثلاثة الآخرون قوتهم بأفعالهم
ومن هذا يُرى أن سمعة أبطال كانغوو التسعة ليست من فراغ
ومن يكون بينهم فلا بد أن يمتلك مزايا استثنائية
وربما لو كانوا في الإقليم المركزي لكانوا على مستوى الأبناء السامِين
وما إن تبيّن لهم ذلك حتى تقدّم الموهوبون السماويون من الأقاليم الجنوبي والغربي والشمالي واحدًا تلو الآخر للحديث مع جيانغ بِييه وجيانغ شيان طلبًا للصداقة
ولم تخلُ كلماتهم بطبيعة الحال من لمز أهل الإقليم المركزي
وما إن رأى أهل الإقليم المركزي ذلك حتى شحبوا في الحال، واسودّت وجوههم، وكأنهم ابتلعوا ذبابة
رغم أن بعضهم أراد أن يردّ بسخرية
لكنهم إذ تذكروا قوة جيانغ يان والآخرين الأربعة، ولقب أبطال كانغوو التسعة الذي يحمله جيانغ بِييه وجيانغ شيان
لم يملكوا إلا أن يهابوا، فابتلعوا غضبهم، وخفضوا رؤوسهم وحدّقوا في أطراف أقدامهم كالأطفال المخطئين
وشهد المزارعون الروحيون من الأقاليم الثلاثة: الجنوبي والغربي والشمالي هذا المشهد كاملًا، فانفجروا ضحكًا
نادراً ما تتاح لهم فرصة رؤية الموهوبين السماويين المتعجرفين من الإقليم المركزي يتعثرون
وحين رأوا ذلك، شعروا بارتياح كبير
وبدأ بعض المزارعين الروحيين يتخيلون: “لقد اكتفوا بالمشي عبر الكهف فأظهَروا هذه الوجوه، فكيف لو قَمَعَ هؤلاء الأربعةُ الأبناءَ السامِين مرة أخرى، كيف ستكون ردة فعلهم”
“هاهاها، سيصابون بالذهول بالطبع، ويولّون هاربين وذيولهم بين أرجلهم”
“كما دخلوا متعالين، سيغادرون بائسين”
“وفي النهاية، ربما لن يكونوا أفضل حالًا من كلب غريق، أليس كذلك”
ولبرهة صار الجو مريحًا لطيفًا، يعج بالضحكات والابتهاج
ورغم كثرة الخلافات بين الأقاليم الأربعة: الشرقي والجنوبي والغربي والشمالي
فقد وحّدهم عدو مشترك هو الإقليم المركزي، وظهر بينهم انسجام نادر
وفي الوقت نفسه
كانت هذه السخرية والضحكات كالسكاكين الحادة، تخترق قلوب أهل الإقليم المركزي بعمق
وازدادت وجوههم قُبحًا، حتى خُيّل أن الماء قد يقطر منها
“هؤلاء يستحقون العقاب! لو أن الأبناء السامِين ما زالوا هنا، هل كانوا ليتجرؤون على هذا التعالي”
“بالضبط، متى ذقنا مثل هذا الإذلال”
“ليسوا إلا مخلوقات وضيعة من الأقاليم الأربعة، فكيف يجرؤون على التعليق علينا نحن أصحاب الأنساب النبيلة، أحفاد السامِين”
“همف! لو كان هذا في الإقليم المركزي، ولو علم والدي، لثأر لي بلا تردد”
“ههه، لمواجهة هؤلاء الهمج، لماذا نحتاج إلى أن يتدخل السيد السامي، سيدي، بنفسه”
“صحيح! لو تدخّل السيد السامي، سيدي، فدع عنك هؤلاء الناس، حتى قوى البشر السماويين التي تقف خلفهم لن تساوي صفعة واحدة”
“ضربة واحدة كفيلة بأن تحيلهم رمادًا ولا تترك شيئًا وراءها”

تعليقات الفصل