الفصل 62
الفصل 62: تساو بو المولع بانتهاك حُرُمات البيوت!
ما إن دوّى صوت ذلك الرجل ذي النبرة الرقيقة حتى انتبه الجميع
وسرعان ما ردّد الشبان الثلاثة خلفه قائلين: “همف! لقد قطع الأخ الأكبر تساو كل هذه المسافة إلى عائلتكم جيانغ لأنه يقدّركم، ومع ذلك لا تُقَدِّرون الأمر وتسيئون الأدب، فتجرؤون على تقديم شيء زهيد القيمة للأخ الأكبر، إن نيتكم حقًّا مستفزة!”
“هل بلغت عائلة جيانغ من الغرور حدًّا لم تعودوا فيه تضعون طائفة النمر الأسود في الحسبان؟”
“الأخ الأكبر تساو سهل المعاملة، أمّا نحن فلا! في رأيي أن عائلتكم جيانغ سئمت من الحياة، أليس كذلك؟!”
“……”
أمام هذه العبارات القاسية والمستفزّة، شدّ أفراد عائلة جيانغ الحاضرون قبضاتهم، وخفضوا رؤوسهم، وشعروا بحزن وغضب شديدين في قلوبهم
كانوا يعرفون حالهم جيدًا؛ فهذه الأنواع من الشاي كانت نفائس حصلت عليها العائلة بكلفة كبيرة، وبسبب ندرتها لم يكن سيد العائلة نفسه يجرؤ في العادة على غليها وشربها، بل كانت تُعدّ كنوزًا لا تُخرَج إلا عند استقبال الضيوف المميّزين وبقدر ضئيل
لكن كيف انقلب مثل هذا الشاي النفيس تافهًا في فم الطرف الآخر؟ الجميع فهم الأمر؛ فالمشكلة ليست في الشاي، بل إنهم يختلقون المتاعب عمدًا
وبناءً على ذلك كتم سيد العائلة الحالي، جيانغ هونغ يانغ، غضبه وقال للرجل ذي النبرة الرقيقة بخضوع: “أيها التلميذ الحقيقي تساو، قصّرنا في حسن الاستقبال هذه المرة، سأُحضِر لك كوبًا آخر حالًا”
هزّ تساو بو رأسه وقال بفتور: “اترك الشاي، مغادرتي للطائفة ليست سهلة ووقتي ضيق، أحضروا وانرو لتلقاني، وبعد أن أراها سأغادر من تلقاء نفسي”
انتفض عِرق في جبين جيانغ هونغ يانغ: “أيها التلميذ الحقيقي تساو، أنت في النهاية تلميذ حقيقي في طائفة النمر الأسود، وهناك كثير من التلميذات يُعجبن بك، فلماذا تطمع في جمال امرأة ترمّلت؟ إن شاع الأمر ألا يلوّث هذا سمعة التلميذ الحقيقي؟”
ارتفع حاجب تساو بو، وتحول صوته فجأة إلى البرود: “ماذا؟ أيها العجوز، أتعلّمني كيف أتصرف؟”
رؤية هذا التلميذ الحقيقي من طائفة النمر الأسود ينقلب فجأة هجوميًّا ملأ قلب جيانغ هونغ يانغ مرارة، لكنه إذ فكّر في ذويه المحيطين به لم يجرؤ على الردّ مباشرة، فسارع يتواضع معتذرًا: “لا أجرؤ، لا أجرؤ، ما مكانة التلميذ الحقيقي تساو حتى أعلّمه كيف يفعل الأشياء؟”
لوى تساو بو شفته كأن الأمر لا يستحق العناء، ثم قال بلا مبالاة: “ما قلته ليس خطأ، فحقًّا كثير من الأخوات الصغيرات في الطائفة يُعجبن بي ويحْلُمن ساذجات أن يصبحن شريكة دربي، لكن للأسف لسن سوى فتيات بالغــات من دون خبرة في شؤون العِشرة والحياة، فأين لهنّ من نصف جاذبية وانرو”
“صراحةً، خرجت من الطائفة هذه المرة خصيصًا من أجل وانرو، وآمل ألّا تخيّب عائلتكم جيانغ حسن قصدي”
وما إن قال ذلك حتى ارتسمت على وجوه التلاميذ الثلاثة الواقفين خلفه ابتسامات مستهترة من غير وعي
فبوصفهم أتباعًا لتساو بو كانوا يعرفون أن أكثر ما يشتهيه طول عمره هو العبث ببيوت الناس والتعرّض للنساء المتزوجات، ولا سيّما ذوات الحضور الآسر
ولم يكن غريبًا عندهم أن تثير غاو وانرو، التي تزوّجت من عائلة جيانغ، اهتمام الأخ الأكبر تساو؛ فحتى هم كانوا يشعرون بتوهّج في قلوبهم حين يرون تلك القامة الناضجة وذلك الحضور الأخّاذ
وفي تلك اللحظة، وإذ رأى إصرار تساو بو على لقاء غاو وانرو، لم يملك جيانغ هونغ يانغ إلا أن يرثي حالها
فقد التقت في شبابها بجيانغ داويينغ، نابغة العائلة الأول، ثم تزوّجت في عائلة جيانغ وأنجبت صبيًا اسمه “جيانغ هان”
لكن الأيام الطيبة لم تَدُم؛ إذ مات جيانغ داويينغ، وهو الوحيد في العائلة الذي بلغ المرتبة الفطرية، في حادث مفاجئ
فترمّلت غاو وانرو في سن مبكرة، لا تكفّ عن البكاء طول اليوم، واضطرت لتربية جيانغ هان وحدها، فعاشت حياة شاقة حقًّا
ومع ذلك لم تسلم من أن يضعها التلميذ الحقيقي تساو تحت نظره، لقد كان قدرها عسيرًا
هزّ جيانغ هونغ يانغ رأسه، ولحسن الحظ أنه كان قد استعدّ للأمر مبكرًا
نظر إلى تساو بو وضمّ كفّيه قائلًا: “أيها التلميذ الحقيقي تساو، إن وانرو غادرت مع هان إلى بيت أهلها منذ وقت ليس ببعيد، فإن رغبت في رؤيتها يمكنك زيارة عائلة غاو…”
وهو يقول ذلك كان القلق يعصف بقلبه؛ فقد سمع منذ زمن بعيد بسوء سمعة تساو بو، وأنه لا يكتفي بإفساد البيوت، بل إذا نال مراده خرّب حياة المرأة ثم رماها بعد شهور قليلة كدُمية مكسورة، فيجعل عيشها أسوأ من الموت
ولذلك، حين علم من غاو وانرو أنها التقت تساو بو وأنه خاطبها بوقاحة، أدرك في الحال ما يجري، فأرسلها سرًّا إلى بيت عائلة غاو حفظًا لصونها وحياتها
وما إن انتهت كلمات جيانغ هونغ يانغ حتى تجمّد ابتسام تساو بو في لحظة، وانقلب ظلّ وجهه كئيبًا حتى كاد يقطر ماء
“ماذا؟ أيلعب سيد العائلة جيانغ الحِيَل معي؟”
فهو كان قد تحقّق سلفًا عبر قنوات الطائفة، لذا كان ذا انطباع واضح عن عائلة غاو التي وراء غاو وانرو؛ إذ لدى تلك العائلة عدة خبراء في المرتبة الفطرية، وفوقهم سلف في مرتبة القصر الأرجواني، ما يجعلها أقوى عائلة في مدينة تشوانتونغ
ومع عائلة للقصر الأرجواني كهذه لم تكن طائفة النمر الأسود نفسها تجرؤ على استفزازهم بسهولة، فحتى السلف في الطائفة لا يتجاوز مرتبة القصر الأرجواني
وفي هذه اللحظة، وأمام سؤال تساو بو، ابتلع جيانغ هونغ يانغ ريقه بتوتر ثم سارع يشرح: “كيف يكون ذلك؟ إنك تظلم هذا العجوز يا تلميذ حقيقي، لقد عادت وانرو إلى بيت أهلها لبعض الشؤون فحسب…”
وقبل أن يتمّ كلامه سخر تساو بو ببرود، ومدّ ذراعه اليمنى بحدّة وقبض بأصابعه الخمس على ياقة سيد العائلة ورفعَه: “كفّ عن اللفّ والدوران أيها العجوز، لا يهمّني ما الحقيقة، ما يهمّني أن تفهم شيئًا واحدًا: إن جعلتني آتي عبثًا فسأجعل كبار عائلتكم وصغارها يلقون حتفهم هنا اليوم”
وما إن سقط صوته حتى انتشرت برودة خانقة في كل اتجاه
وعندئذٍ لم يستطع أحد من الحشد كبح نفسه بعد، فصاح مندفعًا: “اترك سيد العائلة!”
فتجمّد وجه تساو بو، وصفع بيده اليسرى بسرعة فأسقطه أرضًا في الحال: “حقًّا تطلب الموت”
ومع تردّد هذه الكلمات الباردة أدرك أفراد عائلة جيانغ جميعًا أن هذا التلميذ الحقيقي تساو ليس مجرّد وجه وسيم، بل خبير حقيقي في المرتبة الفطرية، المرحلة الثانية
وبمثل هذه القوة لا يوجد في عائلة جيانغ كلّها من يضاهيه، فأقوى شخص عندهم الآن لا يتجاوز المرتبة المكتسبة، المرحلة التاسعة
وفي اللحظة التي خيّم فيها الصمت وارتسم اليأس على الوجوه، صدر فجأة صوت صافٍ قوي، تردّد في الأرجاء وبلغ مسامع الجميع بوضوح: “تجعل كبار عائلتي جيانغ وصغارها يموتون هنا؟ هاهاها، ما أوسع فمك!”

تعليقات الفصل