الفصل 763
الفصل 763: صامت وطليق
ولهذا أجرى استدلالات مرات عدة، لكن من دون استثناء لم يحصل على أي نتيجة
حتى مع قوة مرآة هاوتيان كان الأمر كذلك
كلما اقترب من نتيجة واجه ضبابًا كثيفًا تتشوّش معه أسرار العُلى فلا يستطيع تمييز الحقيقة
ظلّ هذا الحال إلى اليوم حين وقع تغيّر طفيف مكّنه بالكاد من تحديد موقع لي مينغ قوانغ
ولهذا أرسل «قوة النمر» لإحضاره
«أأنت متأكد أنك لم تبحث عني قط؟» كان صوت جيانغ داوشوان هادئًا يخفي مهابة باطنة
بطبيعة الحال لم يشك في استدلالاته
ما دام الخلل ليس فيه فلا بد أن يكون في الطرف الآخر
ارتبك لي مينغ قوانغ لحظة وخفق قلبه، وتكوّنت على جبينه حبات عرق بارد خفيف
حاول جاهدًا كبت توتره، وراح عقله يعمل محمومًا يبحث عن جواب: «لم أسعَ عمدًا إلى هذا الكبير، فلماذا وقع في هذا الالتباس؟»
كانت أفكاره مضطربة، لكنه حسم أمره سريعًا بأن يقول الحقيقة
«أيها الكبير، هذا الصغير حقًا لم يسعَ إليك. إن كان هناك سوء فهم فأرجو الصفح»
كان صوته حذرًا وكلماته منتقاة بعناية خشية أن يغضب هذا القوي الواقف أمامه
«غير أن غاية هذا الصغير من المجيء هذه المرة كانت بالفعل البحث عن كبير يُدعى ‹بلا اسم›»
«هل يرتبط ما ذكرتَه من ‹بحث› بهذا الأمر؟»
حين سمع جيانغ داوشوان كلمتي «بلا اسم» ومضت نظرة غريبة في عينيه
تصلّبت ملامحه الهادئة على نحو خافت، كأن الزمن توقّف لحظة
عندها أخرج لي مينغ قوانغ لفافة من حضنه وبسطها برفق فكشفت عن صورة
في الصورة رجل برداء رمادي يتمنطق سيفًا، شَعراه عن صدغيه قاتمان فيهما خُصلات رمادية، ووجهه حازم ونظرته متعالية
وقعت نظرة جيانغ داوشوان على اللفافة فانكمشت حدقتاه قليلًا
ذلك الوجه مألوف لديه إلى حد بعيد — كان هو بعينه هيئته في تجسّده الخامس أثناء حلمه الوهمي
«كيف يكون هذا ممكنًا…» تمتم جيانغ داوشوان بخفوت، حاجباه معقودان وعيناه متسعتان بالدهشة
كان يظن يومًا أن ما رآه مجرد حلم وهمي
وأن تلك التجسدات الخمس مجرد ذكريات بعيدة ابتلعها الزمان منذ زمن طويل
لكن الشخص في هذه الصورة مطابق تمامًا لهيئته في تجسّده الخامس في ذلك الحلم، كأنه يشق الحلم ويجرّه إلى الواقع
والأعجب أن هذا الشخص يحمل الاسم نفسه الذي كان عليه في حياته الخامسة، وهو «بلا اسم»
«أيمكن أن يكون… كل ما خبرته حقيقيًا؟»
تسمّر جيانغ داوشوان في مكانه وعقله مضطرب، لكن وجهه لم يُبدِ أي انفعال
وهذا ما جعل القلق يزداد في قلب لي مينغ قوانغ وتتكاثر في صدره الأسئلة
لماذا تُحدث مجرد صورة هذا الوقع كله في الطرف الآخر؟
بعد صمت قصير جمع جيانغ داوشوان أفكاره واستعاد هدوءه
«أيها الكبير؟» جسّ لي مينغ قوانغ النبض بحذر وقد ازداد قلقه
ركز جيانغ داوشوان نظرته العميقة على لي مينغ قوانغ وقال بصوت منخفض: «من أين حصلت على هذه الصورة؟ وهل تعرف من يكون ‹بلا اسم›؟»
أجاب لي مينغ قوانغ على عجل: «أعطاني هذه الصورة السلفُ الأكبر. وأوصاني أن آتي إلى المنطقة الشرقية لأبحث عن هذا الكبير المسمى ‹بلا اسم›»
«أما من يكون ‹بلا اسم› فلست أعلم، فالسلف الأكبر لم يقل الكثير»
وحمل صوته مسحة حذر، فلم يجرؤ تحت هالة جيانغ داوشوان القوية أن يُبدي أدنى استخفاف
قطّب جيانغ داوشوان قليلًا ودخل في صمت وجيز
وفي غمرة دوران أفكاره أحس إحساسًا خافتًا بتموّج في المصير داخله، كأن خيوطًا من أدلة مطمورة عميقًا في الزمان والمكان بدأت تتكشّف ببطء
وبينما كان غارقًا في التفكير بدا أن لي مينغ قوانغ تذكّر أمرًا فقال فجأة: «غير أني سمعت من السلف الأكبر أن طلب البحث عن هذا ‹بلا اسم› جاء بطلب من كبير لقبه يي»
«الكبير يي؟» انكمشت حدقتا جيانغ داوشوان فجأة وازدادت نظرته غورًا وتعقيدًا
كان هذا الاسم كأنه صاعقة جرّته إلى ذكريات بعيدة
فهبت إلى ذهنه وقائع الماضي مع تلميذه يي لوتشن
في ذلك الوقت كان يي لوتشن مجرد طفل متشرد وحيد يتيمًا، مات أبواه منذ زمن، وخلفيته بائسة
كان في الثامنة أو التاسعة، ناحل الجسد، ووجهه ملطخ بالتراب، يكافح للبقاء في الشوارع، يُدفع ويُزاح، وتطارده نظرات باردة
كان الطقس يومها سيئًا، والسماء ملبدة بالكآبة، والشوارع خالية
تكور يي لوتشن في زاوية، يضم جسده الصغير ليقي نفسه برد الريح
لم يجرؤ على الاقتراب من التجمعات، فمرات عدة حين يدنو من بسطات الأسر الثرية يُدفع بازدراء، بل ويُرشّ عليه ماء وسخ
لم يكن أمامه إلا أن يراقب المارة بهدوء، وفي عينيه عناد ووحدة صامتة
فجأة أسرع تاجر جوّال من أمامه واصطدم عن غير قصد بيي لوتشن
فسقط جسده الضعيف أرضًا سقوطًا قاسيًا وتهشمت ركبته ونزفت
لكن يي لوتشن عضّ على أسنانه ولم يصرخ ألمًا، ومع أن عينيه احمرّتا قليلًا بقيت شفتاه مطبقتين بقوة
نهض ونفض الطين عن ثيابه ووقف معتدلًا بعناد، كأنه يأبى أن يُظهر ضعفًا أمام أحد
وفي تلك اللحظة مرّ جيانغ داوشوان — الذي كان يسمّي نفسه في تجسّده الخامس «بلا اسم» — وشهد المشهد
كان مارًّا فحسب، لكنه توقف من تلقاء نفسه
ذلك الثبات العنيد في عيني الصبي حرّك في داخله شعورًا طمسه النسيان منذ زمن
تلك العزلة العنيدة خبرها هو أيضًا حين مات والداه وتشرد في الشوارع
لذلك تأثر تأثرًا عميقًا
تقدم جيانغ داوشوان وانحنى وسأل برفق: «ما اسمك؟»
رفع يي لوتشن رأسه ونظر بحذر إلى الرجل الطويل الغريب أمامه
كان صوته مبحوحًا وفيه رعشة خفيفة، لكن نظرته كانت ثابتة على نحو لافت: «أنا… لا اسم لي، لكن المكان الذي ولدت فيه يُسمى قرية عائلة يي، وسمعت من الناس أن كل من هناك لقبه يي…»
دهش جيانغ داوشوان قليلًا وشعر بشيء من الشفقة وقال بلطف: «ما دمت بلا اسم فسأمنحك واحدًا»
«من الآن فصاعدًا ستُدعى يي لوتشن»
«يي لوتشن صامت، عائد إلى السماء والأرض، السماء عالية والأرض بعيدة، طليق حر، ما رأيك؟»
تحيّر يي لوتشن وحدجته عيناه بدهشة والتباس
بالنسبة لطفل يعيش في الشوارع كان هذا كأنه حلم لا يُصدَّق
أحد ما مستعد لأن يمنحه اسمًا، وكانت تلك بالنسبة لحياته المقفرة شعاعًا من نور يضيء عالمه المعتم إلى حد لا يُحتمل
لكن عادة الحذر التي غرستها سنوات الشارع جعلت يي لوتشن يتردد ويجاهد غريزيًا
كان هذا الرجل الودود لكنه الغريب فعلًا يجعل قلبه لا يدري أيسلّم له أم لا
على أن هالة الطرف الآخر حملت شعور أمان جعله يرغب في الاقتراب
ضغط شفتيه ولزم الصمت لحظة ثم أومأ أخيرًا وقال بصوت منخفض: «حسنًا… إذًا سيكون اسمي يي لوتشن من الآن»
ولما رآه يوافق ابتسم جيانغ داوشوان قليلًا وقال بهدوء: «إذن، يا يي لوتشن، هل ترغب أن تأتي معي؟»
«هل… ستتبناني؟» سأل يي لوتشن بخفوت وفي صوته نفحة توتر وتطلع
تفاجأ جيانغ داوشوان قليلًا ثم ابتسم وقال برفق: «من الآن فصاعدًا نادِني المعلّم»
تجمّد يي لوتشن لحظة، إذ لم يكن يتوقع أن يقول الطرف الآخر هذا
رفع رأسه إلى جيانغ داوشوان وفي عينيه شيء من الحيرة
في تصوره أن أصحاب الشأن العظام حين يتبنّون أبناءً يمنحونهم أسماء، لكن جيانغ داوشوان يطلب منه أن يناديه «المعلّم»
قرأ جيانغ داوشوان ما في وجهه وشرح مبتسمًا: «أنا مزارع روحي، وضمّ تلميذ إلى صدري أعمق معنى من التبنّي»
«أترغب أن تتعلّم على يدي؟»
خفض يي لوتشن رأسه وفكر قليلًا
ثم أومأ برفق في النهاية

تعليقات الفصل