تجاوز إلى المحتوى
الاستثمار في عشيرة أمر السماء قوتي هي مجموع قوة العشيرة بأكملها

الفصل 764

الفصل 764: يه لوتشن

أومأ جيانغ داوشوان قليلًا

ثم تأمّل قامة الفتى النحيلة وزفر في داخله

كان الصبي يبدو واهي البنية، ومن الواضح أنه حُرم طعامًا مناسبًا منذ زمن طويل

لهذا لوّح بيده برفق، وأخرج بضعة أرغفة خبز مسطّحة كبيرة من خاتم الفضاء وسلّمها إلى يه لوتشن

“لا بد أنك جائع، كُل شيئًا أولًا”

نظر يه لوتشن إلى الأرغفة، ولمع بريق في عينيه في الحال

لم يأكل منذ مدة طويلة، وكانت معدته تقرقر من الجوع

لكنّه وهو يحدّق في الأرغفة تردّد، كأنه لا يجرؤ أن يأكل مباشرة

“كُل، لا تتحرج”

قال جيانغ داوشوان مبتسمًا، وامتلأت عيناه بالود

آنذاك فقط خفَض يه لوتشن رأسه وبدأ يلتهم الطعام على عجل

ملأت رائحة الأرغفة أنفه، وكاد الإحساس بالشبع المفقود منذ زمن أن يدمع عينيه

كل لقمة كان يمضغها تجلب إليه الرضا

لكن كلما أكل أكثر ازدادت المرارة في قلبه، وانسابت الدموع من زوايا عينيه من غير أن يشعر

مسح دموعه بجزع محاولًا ألّا يدع معلّمه يرى ضعفه

ابتسم جيانغ داوشوان، واستدار ليقف وظهره إلى تلميذه الصغير

“كُل على مهلك، لا أحد يخطف طعامك”

رفع يه لوتشن بصره، وعيناه مغبّشتان بالدموع، إلى ظهر معلّمه، وفمه ممتلئ بالخبز، وتمتم متلعثمًا: “شا… شكرًا… يا أبًا بالتبنّي”

تفاجأ جيانغ داوشوان قليلًا من كلماته، ثم ابتسم وصحّح بلطف: “قل المعلّم، لا الأب بالتبنّي”

توقّف يه لوتشن لحظة، ثم خفَض رأسه والتهم لقمة أخرى بقوة، وتمتم بغير وضوح: “أوه… شكرًا يا معلّم”

ومع أنه لم يفهم لماذا لا يسمح له الآخر أن يناديه بالأب بالتبنّي

إلا أن هذا الرجل الذي منحه اسمًا وطعامًا لم يكن يختلف في قلبه عن أب بالتبنّي

فقرّر في سرّه أنه لا بد أن يجتهد ليُظهر بَرّه بمعلّمه مستقبلًا

بعد أن فرغ من الخبز، ربت يه لوتشن على بطنه المنتفخ، وامتلأت عيناه بالرضا

لم يأكل بهذا القدر منذ زمن طويل

ثم رفع يه لوتشن بصره إلى معلّمه وسأله بفضول: “يا معلّمي، طالما أنّ اسمي يه لوتشن، فماذا عن اسمك أنت”

ابتسم جيانغ داوشوان ابتسامة خفيفة، وعمقَت نظرته، وقال بنعومة: “بلا اسم”

“بلا اسم” أبدى يه لوتشن تعبيرًا حائرًا على الفور، وحكّ رأسه وسأل في حيرة: “ولماذا يملك المعلّم اسمًا غريبًا كهذا”

ضحك جيانغ داوشوان: “لأنني حملت أسماء كثيرة من قبل، ثم وجدت الأمر مزعجًا، فسمّيت نفسي ببساطة «بلا اسم»”

عقد يه لوتشن حاجبيه بعد أن سمع ذلك، وامتلأ شكًّا

لقد نال للتوّ اسمه الخاص

لذا كان ذلك عنده أثمن شيء في الدنيا

لكن الآن، معلّمه كان يملك «أسماء كثيرة»

وجد ذلك أمرًا لا يُصدّق

“أليس للاسم أهميّة كبيرة؟ لقد حصلت أخيرًا على اسم، فلماذا لديك أسماء كثيرة يا معلّم، ولم تعد تريدها”

سيدّت جيانغ داوشوان على رأس يه لوتشن وقال برفق: “الاسم أحيانًا يكون مهمًّا، كما هو حالك الآن، وأحيانًا لا يكون إلا رمزًا”

“المهم هو كيف تسير في طريقك، لا ما هو اسمك”

هزّ يه لوتشن رأسه متفهّمًا نصف الفهم

ومع أن معنى كلام معلّمه لم يتّضح له تمامًا

فقد قرّر سلفًا أنه سواء في شأن الأسماء أو في شأن الزراعة الروحية، سيتبع هذا المعلّم ويتعلّم منه جيّدًا

قهقه جيانغ داوشوان قليلًا وهو يرى جديّة يه لوتشن

“هيا بنا، اتبعني خارج هذه المدينة، فمن الآن أنت تلميذي «بلا اسم»”

“حسنًا” نهض يه لوتشن فورًا، ولازم خطى جيانغ داوشوان، وامتلأ قلبه بتوق إلى المستقبل

تلاشت هيئتا الاثنين، الكبير والصغير، تدريجيًا عند طرف المدينة

كانت الشوارع لا تزال تعجّ بالناس

لكن في هذه اللحظة لم يعد قدر يه لوتشن قدرَ وحدةٍ وعجز

كان يعلم أنّه مهما كان الطريق أمامه صعبًا، فلن يكون وحيدًا بعد الآن

لأن لديه معلّمًا

في السنوات التي تلت

فاضت عناية جيانغ داوشوان بيه لوتشن عن حدّ علاقة معلّم بتلميذه، فصار يرعاه بدقّة كما لو كان ابنه

وكبر يه لوتشن تدريجيًا من طفل عاجز إلى عبقري لا نظير له في طريق السيف

وخلال المسير كان جيانغ داوشوان ملازمًا له دائمًا، يعلّمه الزراعة الروحية، ويُعِينه عبر محطات العسر التي لا تُحصى

وإحياءً لرباط المعلّم والتلميذ هذا، أسّس جيانغ داوشوان حتى «طائفة سيف لوتشن» باسم يه لوتشن

ولفترة ارتفع صيتها بسرعة، حتى غدت أسطورة في عالم الزراعة الروحية

كان يه لوتشن موهوبًا على نحو غير عادي، وتقدّم في زراعته بسرعة؛ فعند سن العشرين كان قد دخل مرتبة ملك السيف، وهو اختراق مرعب هزّ عالم الزراعة الروحية كله

ومع ذلك، وبرغم موهبة يه لوتشن القوية، فقد كان طبعه منطويًا للغاية

جعلته النظرات الباردة والسخرية التي قاساها في طفولته لا يكاد يُظهر ضعفًا أمام الآخرين أبدًا

ومهما اعترضه من صعاب لم يكن يستسلم، بل يعضّ على النواجذ ويصبر في صمت

وفي الوقت نفسه، كانت تبعيته لجيانغ داوشوان قد تجاوزت منذ زمن علاقة المعلّم بتلميذه

فقد صار معلّمه أسرته الوحيدة في قلبه

غير أنه كلما ازدادت زراعة جيانغ داوشوان الروحية، أخذت الذكريات في أحلامه تستيقظ شيئًا فشيئًا

وحين حقّق اختراقًا إلى مرتبة سامي السيف، اندفعت إليه حقيقة العالم

وأدرك أخيرًا أن هذا كله — سواء يه لوتشن، أو طائفة سيف لوتشن، أو حتى هذا العالم من حوله — ربما لم يكن إلا وهْمَ حلمٍ عابر

كان جيانغ داوشوان يعلم أنه سيصحو من هذا الحلم في النهاية

ومع أنه عرف أنه وهم، لم يطق أن يقطع مودّته العميقة ليه لوتشن

ولم يستطع أن ينهي ببرود رباط المعلّم والتلميذ هذا

لذا قرّر أن يودّع داخل الحلم، وأن يُنهي هذا الوهم بنفسه

“تشن إر، سأرحل”

كان صوت جيانغ داوشوان يومها هادئًا على غير العادة، كأنه يقرّر أمرًا تافهًا

“يا معلّمي، ما دمتَ قد بلغت مرتبة السامي، فينبغي فعلًا أن تخرج، وتطوف العالم، وتستقرّ…”

“همم، لكنني إن رحلتُ هذه المرّة، فقد لا أعود لمدّة طويلة جدًا”

“وما معنى طويلة جدًا لدينا نحن المزارعين الروحيين؟ أعمارنا مديدة، فألف عام ليست سوى لمح بالبصر”

“وماذا لو لم نلتقِ ثانيةً في هذه الحياة”

“لن… نلتقي ثانية”

“يا معلّمي، هل سنلتقي ثانية في هذه الحياة؟ وإن أردتُ رؤيتك، إلى أين أذهب”

“إن كان ثمّة نصيب سنلتقي من تلقاء أنفسنا”

“وأما أين؟ هاها، إلى مكان قد لا تقدر أن تبلغه أبدًا، إن كان في قلبك عزم فاحفظ فقط كلمتين: «كانغ وو»”

“كانغ وو”

استعاد جيانغ داوشوان ذكريات الماضي في سكون، وهاج في قلبه شعور معقّد

كان يظنّ يومًا أنه مجرد حلمٍ أثيري لا أكثر

وأن يه لوتشن، وطائفة سيف لوتشن، وتلك المشاعر والذكريات، كلها ليست إلا أوهامًا في ذهنه

لكن ها هو ذا تلميذ حلمه يعبر الأزمنة بلا حدود، ويتّبع كلمتي «كانغ وو»، فيصل إليه

“تشن إر، إذن لقد كنت تبحث عني طوال هذا الوقت”

التالي
764/1٬326 57.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.