الفصل 835
الفصل 835: مغلوب
غلبت الهيبةُ نانغونغ جي للحظة فعجز عن الكلام
لكنه لم يستسلم
فقد فهم أنه مهما كان الحال، فلن يُستأصل تهديدُ عشيرة الشياطين إلا إذا ضَمِن أن يكون الأمر محكمًا بلا ثغرات
لذا تقدّم بطلبٍ غير متوقَّع: «ما دام الأمر كذلك، يا رفيق الداو، فلِمَ لا تتبارى معي؟»
«أعرف أن قوّتك استثنائية، لكن لمهمّةٍ بهذه الصعوبة، إن اختبرنا مهاراتنا فسنُبدّد القلقَ عن كِلَينا قطعًا»
«إن استطعتَ إخضاعي فلن أزيد كلمة، ودَعْك تعمل بحريّة، وإن لم تفعل…»
ورغم أنه يمتلك زراعةَ مرتبة السامي العظيم المستوى الرابع، لم يظنّ أنه ندٌّ للخصم، لذا لم يذكر النصر أو الهزيمة، بل اكتفى بلفظ «إخضاع»
إذ لمّا يسحقه الطرفُ الآخر بقوّةٍ مطلقة فلن يطمئن قلبُه حقًّا
نظر جيانغ داوشوان نحوه وقال بهدوء كلمةً واحدة: «حسنًا»
ولمّا أدرك أن للطرف الآخر نيّةً حسنة، لم يرفض المبارزة
وما إن رأى ذلك وانغ ييون الواقفُ بالجوار حتى استبدّ به حماسٌ لا يُكبح
فبعد أعوامٍ طويلة سنحت له أخيرًا فرصةُ رؤية الكبير تونغتيان وهو يتحرّك من جديد
وفي تلك اللحظة شعر كأنه يجتاز الزمن، وأن كلَّ ما مضى يعود حيًّا أمام عينيه
بينما كان نانغونغ جي وجيانغ داوشوان قد ارتفعا في السماء إلى نحو 330 مترًا، واقفين في الهواء، وكانَت طاقةُ السماء والأرض الروحية من حولهما تزداد كثافةً كلما ارتفعا
وتعاظمَ الإحساسُ بالضغط في الجوّ تدريجيًا، كأن قوّةً خفيّة تتقارب بينهما
«يا رفيق الداو تونغتيان، مع أني لا أظنّ أني أهزمك، فإني ما زلتُ آمل أن أغيّر رأيك…» كان بصرُ نانغونغ جي حازمًا، وقد تكاثفت هالته اللامرئية في صمت
كان وجهُ جيانغ داوشوان هادئًا، واقفًا في الهواء، وقد اندمجت هيئتُه مع السماء والأرض من حوله، كأن مركزَ ثقل العالم كلّه يلتئم عنده
نظر إلى نانغونغ جي وابتسم قليلًا وقال بهدوء: «ما دام الأمر كذلك، تفضّل يا رفيق الداو واضرب أولًا»
أخذ نانغونغ جي نفسًا عميقًا، وكأن طاقة السماء والأرض الروحية من حوله قد تكاثفت للحظة في جسده، وجرت تياراتُ الهواء كالتنين تدفع موجاتٍ من الريح
وفجأة تبدّلت هالةُ نانغونغ جي، واندفعت قوّةُ الداو، كأن الفضاء كلّه يستجيب لفورته
«تلقَّ هذه، يا رفيق الداو»
أطلق هتافًا خافتًا، وتشعشع النور في كفّه كأن النجوم تكاثفت، مثل داو التحوّلات الكثيرة وقد اجتمع في ضربةٍ واحدة، وانفجر نحو جيانغ داوشوان
في تلك اللحظة تبدّل ضغطُ الهواء بين السماء والأرض فجأة، كأن الفضاء بأسره ارتجّ لأجلها، واندفعت موجاتُ الهواء نحوهما
كان وانغ ييون يراقب كلَّ ذلك من بعيد، وقلبُه ممتلئٌ بالشوق، وهمس: «مرتبة السامي العظيم، هذه هي قوّة مرتبة السامي العظيم»
غير أن جيانغ داوشوان لم يُبدِ توتّرًا
ظلّ واقفًا في الهواء، وعيناه هادئتان كالماء، كأن كلَّ هذه الاضطرابات لا تعنيه
تقنية البداية اللامحدودة—
لوّح بكفّه برفق، فحَلَّ في اللحظة قوّةَ الداو الخاصةَ بنانغونغ جي في الفراغ
ولمّا رأى ذلك دُهش نانغونغ جي، ولمع في عينيه أثرُ صدمة
لكنّه أبى أن يُغلب، فاهتزّ جسده قليلًا يجمع القوّة من جديد، حتى امتلأ الفضاءُ كلّه بهالة الداو التي لا تنفد
ثم أطلق قُصَاراه مرّةً أخرى، فعصفت ريحٌ شديدة في الجوّ، وكأن السماء بأسرها بدّلت لونها لأجل هذه الضربة
غير أنّ جيانغ داوشوان ظلّ ينظر إليه بخِفّة، لا اضطرابَ في بصره، ومدّ يده اليمنى وحرّك أطراف أصابعه قليلًا
فانبعثت من أطراف أصابعه طاقةُ السيف اللامرئية، تعبر الفضاءَ سريعًا، كأنها صاعقةٌ عظيمة تهوي إلى صدر نانغونغ جي
جاء هذا السيفُ سريعًا وعنيفًا إلى الغاية، بلا تكاد إنذار، كأن طاقة السيف كانت تنتظر في الفراغ منذ زمن
وقبل أن يُدرك نانغونغ جي ما يجري كانت طاقةُ السيف قد خرقت صدره بالفعل
دوّي
اهتزّ جسدُ نانغونغ جي بعنف
وفاض الدمُ في صدره في الحال، وشعر بألمٍ حادٍّ يعمّ جسدَه، وبدا في عينيه تعبيرُ عدم تصديق
أمّا جيانغ داوشوان فظلّ غير مستعجل، وهالتُه راسخةٌ كما هي
كأنه لم يُبدِ قوّةً أصلًا، ضربةٌ عابرة فحسب، ومع ذلك حَلَّ بسهولةٍ هجومَ نانغونغ جي بكل ما أوتي من قوّة وردّه على أعقابه
«أهذه هي القوّة الحقيقية لرفيق الداو تونغتيان؟»
كان جسدُ نانغونغ جي يترنّح، كأنه قد أُفرغ في لحظة، وساقاه واهنتان تكادان تعجزان عن حمله
وصُعق قلبُه إلى غاية، وخلَا ذهنُه
لقد كانت سرعةُ تلك الضربة وقوّتُها ودقّتُها قبل قليل أمرًا يفوق التصوّر، كأنها يدُ عظيمٍ يعمل
«لكن كيف يكون هذا ممكنًا…» تمتم نانغونغ جي بصوتٍ خافت، ونبرته واهنة ترتجف بعدم التصديق
لقد كاد لا يفهم كيف يعجز خبيرٌ عند مرتبة السامي العظيم المستوى الرابع عن صدّ ضربةٍ واحدة للطاوي تونغتيان
وكان قد وثق من قبل بأنه إن بذل غاية جهده استطاع الصمودَ عشراتِ الحركات على الأقل، حتى لو هُزِم فسيُظهِر شيئًا من قيمته
غير أن الواقع سَحَقه تمامًا، فضربةٌ واحدة كانت كافيةً لتسحقه سحقًا تامًا
غامت رؤيته قليلًا، ولم يملك إلا أن يطرأ على قلبه خاطرٌ يبدو سخيفًا— «لو تحرّك الإمبراطور البشري بنفسه، أكان ليسحقني بهذه السهولة أيضًا؟»
ذلك الإحساسُ العميق بالضغط لم يكن دون ما شعر به حين واجه الإمبراطور البشري من قبل
فكِلاهما عميقٌ خانق، كفُوّهةِ هاويةٍ فاغرة تبتلعه حتى يضيق نَفَسُه
«يا رفيق الداو تونغتيان، يبدو أنني بالغتُ في تقدير نفسي…» قال نانغونغ جي بصوتٍ خفيض، وقد ملأ نبرته ذهولٌ لا يُسيطر عليه ولمزُ نفسٍ، «كنتُ أظن أنني أستطيع مبادلتك بضعَ حركات على الأقل، أمّا الآن… فلا أستطيع الصمودَ حتى حركةٍ واحدة، وهذا حقًّا حماقة»
ابتسم جيانغ داوشوان قليلًا: «محاولةُ رفيق الداو شجاعةٌ عظيمة، أمّا الهزيمة فلا عيبَ فيها»
وما إن سمع ذلك حتى اضطرب قلبُ نانغونغ جي بمشاعر متداخلة، فانتزع ابتسامةً قسرية عند طرف فمه، لكنّه لم يستطع الضحك
وأرخى جفنيه، وقد امتلأ قلبُه بمزيجٍ عميق من الخجل والصدمة، كأن سنينَ من الزراعة تمزّقت في هذه اللحظة تمزّقًا
لقد تصوّر مرارًا مشهدَ مواجهته للطرف الآخر، وتخيّل كيف يستخدم قوّةَ مرتبة السامي العظيم ليتبادل معه الضربات ويتصاول، لكن تلك الأوهام كلَّها تكسّرت تمامًا في هذه اللحظة وبدت سخيفةً غاية السخافة
ثم رفع نانغونغ جي رأسَه قليلًا، ونظر في عيني جيانغ داوشوان اللتين ظلّتا هادئتين كالماء، فهاج في قلبه فجأة شعورُ إعجاب
تلك السكينة، كجبلٍ مهيب، جعلته يشعر بصِغَرٍ كالغبار
«الآن العالم في فوضى، إن تحرّك رفيقُ الداو فستُحلّ فوضى الإقليم الشرقي قطعًا…»
ورغم قِصَر المواجهة فقد جعلته يَذوق بعمق معنى «بُعدٍ بين عالمين»
وإذ فكّر أن الطرف الآخر ذاهبٌ في هذه الرحلة، أيقن أنها ستكون بلا قلقٍ بإذن التقدير
وربما كان البقاءُ هنا للحراسة هو الخيارَ الأفضل
ولو اصطحب بعضَ المعينين معه لربما صاروا عبئًا وتسبّبوا في حوادث لا لزوم لها
فذلك المستوى من القتال فوق قدرتهم على المشاركة بكثير
«كما قال رفيقُ الداو تونغتيان، تدميرُ بوابةِ الانتقال يكفيه شخصٌ واحد…»

تعليقات الفصل