الفصل 845
الفصل 845: المعركة الأخيرة
ساحة معركة الإقليم الأوسط
كان عبق الدم كثيفًا حتى بدا كأنه يتصلّب
وقف مئاتُ الآلاف من مزارعي الزراعة الروحية من عشيرة البشر في تشكيلٍ عنيد، وقد تلطّخت أرديتهم منذ زمن ببقع الدم اليابس
تحكّموا بكنوزٍ سحرية شتّى، وبدت الخشية في أعينهم، لكن بلا نيّة للتراجع
صوتُ سقوط الرفاق بجوارهم، وزئيرُ عشيرة الشياطين، ورائحةُ الاحتراق التي ملأت الهواء؛ كلّها جعلت هذه الأرض ميدان أشورا
كانت اندفاعةُ عشيرة الشياطين كالموج، موجةً بعد موجة، هوجاءَ لا تعرف كللًا
وفي المقابل قاتل جيشُ عشيرة البشر، وقد أسنده نظامُ التشكيلات، بكل ما أوتي من قوّة، متشبّثًا بخطّ الدفاع بيأسٍ وإصرار
علت وجوهَهم العزيمة، وفي أعينهم تصميمٌ على القتال حتى الموت
كان الجميع يعلم أنه إن خسروا هذه المعركة، صار الإقليم الأوسطُ كلّه ملعبًا لعشيرة الشياطين
«لا يمكننا التراجع، خطوةٌ أخرى إلى الوراء وسيُقضى على الوطن»
زأر عددٌ لا يُحصى من المزارعين، وبُحّت أصواتهم، غير أنّ كلّ كلمة خرجت منهم مشحونةٌ بالقوّة
وفوق رؤوسهم في العلاء، كان خيطان من الضوء يتلاحيان بلا انقطاع، ضوءٌ أسود وآخر ذهبيٌّ يتعاقبان في اللمعان
في الهالة الذهبية كان الإمبراطور البشري جي تشنغتيان
ارتدى درعًا ذهبيًا، وانبثقت من جسده هالةٌ شاسعة مهيبة
كانت عيناه حادّتين كالسيوف، وسيفُ الإمبراطور البشري في يده يطلق رنينًا صافيًا
كلُّ ضربة سيفٍ تهبط بهيبةٍ سماوية، تحمل زخمًا قويًا يهزّ الفراغ من حوله
في مواجهته كان نيذر أبيس، قائدَ فيالق عشيرة الشياطين، وهو خبيرٌ من مرتبة شبه الإمبراطور
غمر نيذر أبيس ضياءٌ عظيمٌ مُعتم، كأنه هاويةٌ تبتلع كلَّ نورٍ حولها
قبض في يده على رمحٍ طويل حالك السواد
وكانت كلُّ ضربة تحمل قوّةَ تدمير عالم، كأنها تعتزم تمزيق هذا الجزء من السماء والأرض تمزيقًا تامًا
فاق زخمُ اصطدامهما مداركَ المزارعين العاديين بكثير
وقعت الصدامات تباعًا، واهتزّ العالم بأسره
دويٌّ كالرعد أوشك أن يفجّر طبلة أذن كلٍّ من المزارعين والشياطين على الأرض
ظلّ جي تشنغتيان يلوّح بسيفه بلا انقطاع، مستعينًا بقوّة قدر الداو البشري ليُجاري نيذر أبيس بالكاد
وكان يعلم في قرارة نفسه أنه وإن بلغ بفضل قوّة الداو البشري المرتبةَ شبه الإمبراطورية وهو في مرتبة السامي العظيم المستوى التاسع، فإن هذه القوّة ليست ملكَه تمامًا
وقدرته على كبح نيذر أبيس لم تكن إلا غايةَ ما يمكنه بلوغه
«هَمف، أيها الإمبراطور البشري، أتظنّ أنك ستصدّني طويلًا بهذه القوّة الهزيلة؟»
سخر نيذر أبيس، وصوته منخفضٌ كأنه آتٍ من أعماق عالم الجحيم
برُدت عينا جي تشنغتيان، ولمع ضوءُ سيفه يضرب وجهَ نيذر أبيس مباشرةً
قال ببرود: «يكفي ما دامت تشتري وقتًا لرفيق الداو تونغتيان، فهذا يكفي»
«الطاوي تونغتيان؟» ومضت لمحةُ ازدراء في عيني نيذر أبيس
لوّح برمحه طويلًا ليصدّ هجوم جي تشنغتيان، ثم تمتم ببرودة: «أتضع أملك عليه؟ حتى لو دمّر تلك المصفوفات للانتقال، فماذا عساه يصنع؟»
«بعد ذلك سأذبح عشيرتكم البشرية حتمًا»
تجمّد تعبيرُ جي تشنغتيان: «تبجّحٌ بلا حياء»
وما إن انطلقت كلماته حتى انفجرت هالته، وأضاء الذهب من حوله كالشمس، وشقّ سيفُ الإمبراطور البشري الهواء، حاملًا قدرَ الداو البشري الفسيح، كأنه نهرٌ فضيٌّ متألّق، قاطعًا بعنفٍ نحو نيذر أبيس
لمّا رأى ذلك لمعت الجديةُ في عيني نيذر أبيس
همهم ببرودة، وغمرت طاقةٌ شيطانية رمحه، واندفع النورُ الأسود كالمَدّ، فاصطدم بعنف بذلك الشعاعِ الذهبي
دوّي مزلزل
بدا العالم كأنه انشقّ بهذه الضربة
تشابك الذهبُ والسواد، وكان ارتدادُ الصدمة كالإعصار يمزّق السحب
تماسك جي تشنغتيان في مكانه، وفي عينيه بريقٌ متقلّب
إذ تلقّى رسالةً من رفيق الداو تونغتيان، وحينها ولضمان أن يتمكّن من تدمير مصفوفات الانتقال في الأقاليم الأربع، ظلّ يُشاغل نيذر أبيس هنا أيامًا، يمنعه من الإسناد
«ما دمنا نصبر، فالنصر في النهاية سيكون من نصيب عشيرة البشر»
شدّ جي تشنغتيان أزرَ نفسه في قلبه، وازداد زخمُ سيفه شدّة، وصار ضوءُ السيف كالسيل الجارف، يضغط بلا انقطاع على نيذر أبيس
اسودّ وجهُ نيذر أبيس
فعلى الرغم من كونه شبه إمبراطور، فإن تشابكه مع جي تشنغتيان المستعينِ بقدر الداو البشري جعله عاجزًا عن حسم القتال سريعًا، فازداد غيظُه
«أيها الإمبراطور البشري، اليوم أطحن عظامك طحنًا»
زأر نيذر أبيس، وفارت من حوله الطاقةُ الشيطانية، وصار النورُ الأسود في رمحه كالتنين الغاضب يندفع مباشرةً إلى جي تشنغتيان
وفي تلك اللحظة، أسفل ساحة القتال، كان عددٌ لا يُحصى من مزارعي البشر ما يزالون يقاتلون في حمّام دم
كانوا يحرقون أعمارهم في يأسٍ كي يظفروا ببارقة أملٍ لأنفسهم ولعشيرتهم
وكانوا يؤمنون في قلوبهم كذلك بأن النصر سيكون في النهاية حليفَ البشر
انساب الزمن كالماء، واشتدّت المعركة ضراوةً بعد ضراوة
اصطدم سيفُ الإمبراطور البشري ورمحُ نيذر أبيس بلا توقف، وتألّق الضوء كالبروق، يملأ سماء الإقليم الأوسط بأسرها
ومع كلّ اصطدام دوّى صدى يصمّ الآذان في الآفاق، وجعل كلَّ من تحتهم يشعر بضغطٍ غير مسبوق
فجأةً، وبينما كان نيذر أبيس يطلق ضربةً أخرى بكلّ ما لديه، واندفع النورُ الأسود كتنينٍ شيطاني يلتهم العالم نحو جي تشنغتيان، انشقّ الفراغُ فجأةً بشقٍّ ظاهر
ومع اتّساع الشقّ انفجر منه ضياءٌ عظيم، كالبرق السماوي، شتّت في لحظة نورَ نيذر أبيس الأسود
ضيّق نيذر أبيس عينيه وتجعد حاجباه قليلًا، وهاج في قلبه شعورُ قلقٍ مباغت
دهش جي تشنغتيان أيضًا، ثم حوّل نظرَه إلى ذلك الشقّ
فرأى رجلًا بثيابٍ بيضاء يخطو خارج الشقّ
كان ذلك الرجلُ منتصبًا كالحدّ، عيناه كالنجمين، وفي سكينتهما قوّةٌ لا تُوصَف
وكان القادم هو… جيانغ داوشوان
وما إن بانَت هويّتُه حتى هدأ التوتّرُ قليلًا في عيني جي تشنغتيان، وارتسمت ابتسامةٌ عند طرف فمه
أما نيذر أبيس فازداد وجهُه ظلمة، وحدّق في جيانغ داوشوان ببرودة، وفي عينيه أثرُ تحفّزٍ ووجَل
قال جي تشنغتيان وفي صوته عجلةٌ ممزوجةٌ بالسرور وهو يقبض على سيف الإمبراطور البشري، وقد خانته نبرةُ التعب الواضح: «رفيق الداو تونغتيان»
أومأ جيانغ داوشوان بخفوت، وكان بصرُه حادًا كالشعلة وهو يمسح جي تشنغتيان بنظره
ولمّا رأى وهنَه قليلًا لم يملك إلا أن يقول: «يا رفيق الداو جي، بوسعك أن ترتاح لحظة، أمّا ما بعد ذلك فدَعْه لي»
قطّب جي تشنغتيان حاجبيه قليلًا، وظهر في تعبيره أثرُ قلق: «يا رفيق الداو تونغتيان، ليس الآن وقتَ الإقدام بلا روية، فهذا النيذر أبيس قويٌّ إلى حدٍّ بعيد، وأنا نفسي أعجز عن قمعه فما بالك بهزيمته»
«تكُون السلامةُ أكثر لو اتّحدت قوّتُنا»
على أن جيانغ داوشوان هزّ رأسه، وبقي صوتُه هادئًا: «لمعالجته أنا وحدي كافٍ»
ثم حوّل نظرَه إلى نيذر أبيس المقابل
ابتسم نيذر أبيس بسخرية
قبض رمحه بإحكام، وخرج صوته وقد امتلأ احتقارًا لا مواراة فيه: «أيها الطاوي تونغتيان، يبدو أن تدمير المصفوفات الأربع للانتقال قد ملأك ثقة»
«لكن أترى حقًّا أن لديك القدرة على مقاتلتي؟»
«الإمبراطور البشري لا يقدر، وأنت كذلك»
ابتسم جيانغ داوشوان ابتسامةً خفيفة: «وكيف تعلم إن لم تجرّب؟»
قهقه نيذر أبيس غضبًا: «يا لها من كلماتٍ متعجرفة، إذن لأرى كم تملك من قدرةٍ حقًّا»
وما إن خفت صوته حتى لوّح برمحه فجأة، يحمل هالةَ تدمير عالم، مباشرةً نحو جيانغ داوشوان
أمام السيل الجارف من النور الأسود لم يختر جيانغ داوشوان التراجع
رفع يده قليلًا فحسب، وضمّ السبّابة والوسطى كسيفِ أصابع
انبثق من أطراف أصابعه ضوءٌ ذهبي، كظهور نورٍ سماويٍّ مباغت، تكاثف في لحظة إلى سيفٍ عظيمٍ يفيض ضغطًا لا يُحدّ
ثم هوى به قاطعًا، وهو يحمل حدّةً لا تُقاوَم، فشطر بعنف
وما إن ومض ضوءُ السيف حتى خيّم سكونُ موتٍ على العالم لحظةً وجيزة
تلاه على الفور تفجّرُ انفجاراتٍ تصمّ الآذان متتالية
اصطدم الذهبُ والسواد بعنفٍ في الجوّ، واجتاحت قوّةُ الانفجار الجهاتِ الأربع كالموج الطاغي
وقف جي تشنغتيان على الجانب، وانعقد حاجباه قليلًا، وقد اختلط في عينيه القلقُ بشيءٍ من الإعجاب
كان يعرف أن رفيق الداو تونغتيان قويّ، لكنه الآن يواجه نيذر أبيس، خبيرًا حقيقيًا من مرتبة شبه الإمبراطور
ولم يلبث أن تمزّق النورُ الأسود على التعاقب تحت النور الذهبي
تقهقر جسدُ نيذر أبيس في الهواء مرارًا، وبدأت الطاقةُ الشيطانية من حوله تخبو وتضعف
«أيها الطاوي تونغتيان، أتظنّ حقًّا أنك ستغلبني؟»
ابتسم جيانغ داوشوان بلا اكتراث، وكان بصرُه حادًا كسيف: «قلتُ إنني لمعالجتك وحدي كافٍ»
وقبل أن يكتمل صوته لوّح بسيف الأصابع ثانيةً، وانطلق الضوءُ الذهبي كالمَدّ، يحمل ضغطًا لا ينفد، دافعًا بقوّته نحو نيذر أبيس
كان احتدامُ الزخم كأنّ العالم بأسره ينحني لسيفه في تلك اللحظة
دوِيٌّ متتابع لا ينقطع
حوّلت مصادماتُ القوّتين ساحةَ المعركة في لحظة إلى منصّةٍ لمنازلتهما
تشابك الذهبُ والسواد، يتفجّران بلا انقطاع في أعالي السماء
راقب جي تشنغتيان هذا المشهد، وتبدّل تعبيرُه تدريجيًا من القلق إلى الدهشة
تمتم: «شبه إمبراطور… لقد كان رفيقُ الداو تونغتيان شبهَ إمبراطور فعلًا»
كان يظنّ في الأصل أن الطرف الآخر مزارعٌ عند ذروة مرتبة السامي العظيم، تفصله خطوةٌ عن شبه الإمبراطور
لكنّه لم يتوقّع أن يكون قد اجتاز تلك الهوّة في صمت
ويجدر العلم أن مرتبة شبه الإمبراطور شأنٌ عظيم
إذ عبر الأقاليم الخمسة لا نظيرَ لمثل هذا الوجود إلا نادرًا
حتى هو نفسه لم يَبلغ هذا المستوى إلا بحيلةٍ ذكيّة، إذ استنفر قدرَ الداو البشري ليبلغَه مؤقتًا
أمّا الآن فهناك مزارعٌ بشريٌّ بلغ هذا المستوى بزراعتِه الخاصّة، وهذا حقًّا أمرٌ يفوق التصديق
وفي تلك اللحظة ازداد وجهُ نيذر أبيس كآبةً، وصعُب عليه أن يحافظ على هدوئه في الداخل
فهو، الأقوى بين جيش عشيرة الشياطين الذي يغزو عالم الأقاليم الخمسة، يمتلك زراعةَ مرتبة شبه الإمبراطور المستوى الرابع
وكان يظنّ أن بهذه القوّة يسحق أيَّ خصم
وقد كان له بالفعل اليدُ العليا حين واجه الإمبراطور البشري عند المستوى الثالث من مرتبة شبه الإمبراطور، قادرًا على قمعه
لكن هذا الطاوي تونغتيان الذي أمامه أشعره بضغطٍ لم يختبرْه من قبل قطّ
بل وأدرك أن القوّةَ الحقيقيّة لهذا الرجل بلغت على الأقلّ مرتبةَ شبه الإمبراطور المستوى الخامس، وربما أعلى
«أيها الطاوي تونغتيان… من تكون في هذا العالم؟»
زأر نيذر أبيس، وقد خالط صوته شيءٌ من الضيق والعجز
لوّح بالنور الأسود في يده، فانفجر طوفانُ الطاقة الشيطانية، وهدر بها نحو جيانغ داوشوان
غير أن جيانغ داوشوان ظلّ هادئًا مطمئنًا
وأمام موجات هجمات نيذر أبيس المتعاقبة لم يتراجع البتّة، بل رفع يده قليلًا فحسب، واتّخذ جسدَه المادي ليتلقّى تقنياتِ خصمه
وكانت كلُّ ضربةٍ تقع عليه كثرثارٍ من طينٍ يدخل البحر، لا يخلّف تموّجًا
«كيف يكون هذا؟ أعجز حتى عن كسر دفاعه؟»
بدا الذعرُ على عيني نيذر أبيس
فهو، وهو شبهُ إمبراطورٍ مهاب، لم يستطع أن يعلو كعبُه على خصمه، بل راح يميل إلى الخسف شيئًا فشيئًا
في تلك اللحظة ضرب جيانغ داوشوان فجأة، وكانت قبضتُه كالجبل، تحمل قوّةً لا تُقاوَم، واندفعت مباشرةً نحو صدر نيذر أبيس
طَخّ
انطلق صوتُ ارتطامٍ هائل
تطاير جسدُ نيذر أبيس في الهواء كالشهاب، محطّمًا جبالًا لا تُحصى قبل أن يتوقّف أخيرًا
تقيّأ دمًا، وشحب وجهُه، وكأن زخمَه كلّه تلاشى في لحظة
راقب جي تشنغتيان من الجانب ودقّ قلبُه بقوّة
لقد صال نيذر أبيس وجال معه أيامًا، ويعلم بطبيعة الحال كم هي مرعبةٌ قوّةُ خصمه
لكن هذا الخصمُ نفسه، الذي يبثّ اليأس في النفوس، كان رفيقُ الداو تونغتيان يقمعه قمعًا تامًا
لقد تجاوز ذلك فهمَه بأشواط
آنذاك كان نيذر أبيس غائصًا عميقًا في الأنقاض، وقد تناثرت على جسده مواضعُ كثيرة داميةٌ ممزّقة
وأحسّ أن عظامَه من الداخل قد تفتّتت بهذه الضربة، وأن أعضاءَه قد تزلزلت صدمةً هائلة
غير أنه، وهو خبيرٌ بمرتبة شبه الإمبراطور، كانت قدرته على التعافي تفوق ما يتصوّره المزارعون العاديون بكثير
فلم يلبث النسيجُ الحبيبيّ أن نما سريعًا عند الجراح، وفي طرفة عين عاد جسدُه كما كان
قال وهو يلتقط أنفاسه: «لقد قدتُ الجيوشَ لفتح أكثر من عشرة عوالم، وقتلتُ أربعةَ شبهِ أباطرة من عشيرة البشر، لكنهم أمامك ضعفاء كالأطفال»
«أيها الطاوي تونغتيان، أنا، نيذر أبيس، أرضى بأن أدعوك الأقوى في هذا العالم»
أخذ نيذر أبيس نفسًا عميقًا، وغرس رمحه فجأةً في الأرض، وزأر نحو السماء
«لكن لسوء حظّك أنك واجهتني، وأنا لا أنتمي إلى هذا العالم»
حالا اندفعت الطاقةُ الشيطانية من حول نيذر أبيس، كمَدٍّ أسود، تنتشر سريعًا في الأرض بأسرها
وبدأت الطاقة السوداء تغمر ساحة القتال
وكلّ شبرٍ من الأرض، وكلّ زاويةٍ فيها، علا فيها عواءُ عددٍ لا يُحصى من الشياطين تحت هذه القوّة بألمٍ مدوٍّ
«آآآه»
توالت صرخاتُ جنودِ عشيرة الشياطين صعودًا وهبوطًا
وحتى بعضُ ملوك الشياطين الذين ظلّوا يقاتلون خبراءَ مرتبة السامي العظيم من عشيرة البشر سقطوا أرضًا وجفّت أجسادُهم سريعًا، كأن كلَّ قوّةِ حياتهم قد استُنزفت
«ما الذي يحدث بحقّ السماء؟»
توقّف المزارعون واحدًا تلو الآخر عن القتال، ونظر بعضُهم إلى بعض، والدّهشةُ والخوفُ يملآن العيون
وفي الوقت نفسه هاج الضبابُ الأسود المتكوّن من جوهر الشياطين وطاقتهم وأرواحهم، مندفعًا بجنونٍ إلى جسد نيذر أبيس
وسرعان ما ازدادت هالته قوّةً أكثر، حتى فاقت ذروتَه السابقة نفسها
وفي لحظةٍ بدا العالم كلُّه مغمورًا بضغطه، يغشاه السواد، كأن نهايةَ العالم قد حلّت
«هذا الرجل…»
راقب جي تشنغتيان المشهدَ ووجهُه وقورٌ شديدُ الجِدّ
وقد رأى أن نيذر أبيس قد جنّ جنونًا تامًا
فهو لم يكتفِ بابتلاع جوهرِ الشياطين وطاقتِهم وأرواحِهم بأعدادٍ هائلة، بل إن عمرَه نفسَه يحترق سريعًا
ونتيجةُ ذلك كلِّه كانت كَسرَ قيوده واندفاعَ قوّته في زمنٍ وجيز
جلجل صوتُ نيذر أبيس في الجوّ، ممزوجًا بغضبٍ لا ينتهي وضيقٍ عظيم
«لم أكن أتوقّع أن فتح هذا العالم سينتهي في آخر الأمر بهذه الطريقة… هذه الخسارةُ لا تعوّضها حتى مكافآتُ الجيش لقاء فتح العالم، كلّكم تستحقّون الفناء»
حدّق نيذر أبيس في جيانغ داوشوان بشراسة، وقد انفجر فيه قصدُ القتل
لكن جيانغ داوشوان لم يُعر نظرةَ غضبه التفاتًا
وما كان منه إلا أن حرّك بصرَه قليلًا، وحدّق في جي تشنغتيان غيرَ البعيد
وقال بنبرةٍ هادئةٍ إلى الغاية: «يا رفيق الداو جي، أتأذنُ لي بسيف؟»

تعليقات الفصل