تجاوز إلى المحتوى
الاستثمار في عشيرة أمر السماء قوتي هي مجموع قوة العشيرة بأكملها

الفصل 866

الفصل 866: أحداث سابقة

المنطقة الوسطى

على قمة جبل شاهق

وقف جيانغ بيشوان ويداه خلف ظهره وشعره الأسود يخفق في الريح ورداؤه الطويل يرفرف مع الهبوب القوي

فوقه كان سمك أزرق غريب يطفو في الهواء

قشوره الزرقاء اللامعة كلّها كانت تومض قليلًا وزعانفه ترفّ كالأجنحة

هيئته الوادعة كانت للان تينغ بالذات

في هذه اللحظة شعر جيانغ بيشوان باهتزاز خفيف عند خصره

عبس قليلًا وأخرج على سجيته رمز كانغوو

بنقرة خفيفة من طرف إصبعه اطّلع على الرسالة التي أرسلها زعيم العشيرة

مدينة قديمة من عصر الإمبراطور البشري

شرد نظر جيانغ بيشوان وهو يزفر برفق وحدّق في البعيد ولمع في عينيه بريق غريب

إرث تشوغه تسي عجيب ففي ذاكرتي لم أسمع بهذا من قبل

ضاق بعينيه قليلًا وقد ازدحمت رأسه بالخواطر

منذ أن خالف نهر الزمن ووصل إلى هذا العالم اكتشف أن كثيرًا من الأحداث التاريخية تختلف تمامًا عمّا يعرفه حتى يكاد لا يتعرّف إليها

لذلك ورغم أن ظهور إرث تشوغه تسي كان مفاجئًا بعض الشيء فإنه لم يُكثر التفكير فيه

سحب جيانغ بيشوان أفكاره سريعًا ونظر إلى الان تينغ وقال بلا تكلف يا الان تينغ سأذهب إلى تخوم الإقليم الشرقي لاغتنام فرصة ابق هنا وانتظر عودتي

هزّ الان تينغ رأسه الضخم ونبرته متهاونة قليلًا أي فرصة هذه لتُحدث كل هذه الضجّة

قال جيانغ بيشوان ببطء بحسب ما قاله زعيم العشيرة فالمدينة القديمة التي ظهرت هذه المرة من عصر الإمبراطور البشري واسمها وان تشيوان وفيها الإرث الذي تركه السامي في الأدب تشوغه تسي

كان الان تينغ متهاونًا قليلًا في البداية لكنه ما إن سمع اسم وان تشيوان حتى تجمّد على الفور

وطلعت في عينيه الزرقاوين العميقتين لمعة تذكّر

رفع جيانغ بيشوان حاجبًا وهو يرى ذلك ماذا تعرف هذه المدينة

لم يجب الان تينغ مباشرة

حرّك زعانفه قليلًا ثم أدار رأسه ببطء ونظر إلى الأفق كأنه يحدّق في الخلاء الذي لا نهاية له

وبعد صمت لحظات فتح فمه ببطء وقال لم أتوقع أن تكون هي هنا فعلًا

عند سماع هذا ازداد اهتمام جيانغ بيشوان

تابع الان تينغ في تلك الأيام وقبل أن أغفو غفوة طويلة مررت بهذا الموضع مع معلّمي وشيخين كبيرين وحين رأينا غزو عشيرة الشياطين وقد خلّف قتلى كثر في المدينة اشهرنا سيوفنا لنساندهم وحاربناهم وأنقذنا أهل مدينة وان تشيوان

ثم رفع رأسه قليلًا وزفر لقد كنّا أقوياء حقًا معًا في ذلك الحين حتى إن جنرالًا شيطانيًا في مرتبة الملك المكرم لم يصمد أمامنا وفي لمح البصر تناثرت الدماء في مدينة وان تشيوان وأصاب الرعب قلوب الشياطين

تلألأت قشور الان تينغ قليلًا تحت ضوء الشمس

وكانت على ملامحه سِمات التذكّر كأن خواطره عادت إلى ذلك العصر المضطرب

لكن للأسف الأشياء تتبدّل والزمن يجري وكل شيء تغيّر

قال جيانغ بيشوان بخفوت إن عجلة التاريخ تدور إلى الأمام ولن تتوقّف لأحد

إن كان لك من أمر لم يكتمل فبعد أن أنال إرث تشوغه تسي سأذهب معك

أضاءت عينا الان تينغ الزرقاوين العميقتين قليلًا

رمق جيانغ بيشوان بنظرة طويلة

ثم كبح انفعاله ولوّح بزعنفة ذيله وابتسم في هذه الحال سأنتظر عودتك لأرى هل ستنجح فعلًا أيها الفتى

لم يُطل جيانغ بيشوان الكلام فاكتفى بإيماءة خفيفة ثم استدار وخطا خطوة فتحوّل إلى ضوء سيف يشق السماء واخترق السحب وانطلق مسرعًا نحو البعيد

ظلّ الان تينغ طافيًا في الهواء يحدّق في الجهة التي غادر منها جيانغ بيشوان وقد غاص بصره شيئًا فشيئًا كأنه يخترق سنوات لا تنتهي عائدًا إلى ذلك العصر البعيد جدًا المنقوش في ذاكرته والذي لا يُنسى أبدًا

كانت تلك السنة الثالثة بعد المئة من عصر الإمبراطور البشري

في ذلك اليوم أُبيد جيش عشيرة الشياطين تمامًا

وقف وانغ ييون على مدينة مهدّمة

كان رداؤه الأبيض يصفّر عاليًا في الريح وكان فرنه الخاص بصناعة الحبوب معلّقًا بهدوء عند خصره

قال بصوت خافت يا الان تينغ هل انتهت الحرب

كان صوته مبحوحًا قليلًا وفيه لمسة تعب

حرّك الان تينغ زعانفه قليلًا نعم يا معلّمي لقد اختفت عشيرة الشياطين من هذا العالم وعادت السكينة إلى الدنيا من جديد لقد انتصرنا أخيرًا

تبادل الاثنان ابتسامة

ابتسامة المنتصرين وارتياح من نجا من كارثة

لكن هذا السلام لم يدم طويلًا

بعد سبعة أيام انتشر في العالم خبر سيئ يهزّ القلوب سقط الإمبراطور البشري

من دون أي تمهيد انتشر فجأة في الأقاليم الخمسة وبلغ آذان المزارعين الروحيين جميعًا

وحين سمع وانغ ييون هذا الخبر

تجمّد في مكانه وعيناه مليئتان بعدم التصديق

الإمبراطور البشري ذلك البطل العظيم الذي وحّد الأقاليم الخمسة وصدّ عشيرة الشياطين وقمع الظلمة يموت هكذا

والسبب مجرد عودة مرض قديم

سخيف حطّم وانغ ييون طاولة حجرية فجأة واحمرّت عيناه كم كانت قوة الإمبراطور البشري عظيمة فكيف يموت بمرض قديم

يا الان تينغ لا بد أن في الأمر أمرًا خفيًا لا أصدّق هذا يجب أن أبحث عن الحقيقة

ظلّ الان تينغ يراقب معلّمه بهدوء ولم يستطع مواساته فلم يفعل سوى أن يبقى إلى جانبه

في الأيام التالية

مع وفاة الإمبراطور البشري انهار الوضع الذي استقرّ فجأة

سقطت أسرة جي الملكية

واستغلت القوى الكبرى الفرصة لتنهض واقتسمت الأراضي طامحة إلى تقليد الإمبراطور البشري وتوحيد الأقاليم الخمسة

اشتعلت نيران الحرب من جديد وكانت أعتى من أيام غزو عشيرة الشياطين

انهارت جبال وتشقّقت الأرض واحمرّت السماء ولجّت جثث كالجبال وبحار دماء وتراكمت الكارما كالأبراج

في يوم ما

انهمر مطر غزير واسودّ العالم ورعد وبرق

وقف وانغ ييون فوق ساحة قتال ملطّخة بالدماء

كانت الجثث في كل مكان والدم يتجمّع في مجارٍ تنحدر مع الطين

وقد تلطّخ رداؤه الأبيض بالحمرة

وقشور الان تينغ أيضًا غمرها دم نتن تنبعث منه رائحة خفيفة

لماذا لماذا صار الأمر هكذا

رفع وانغ ييون بصره إلى المطر والريح وقبضتا يديه تنقبضان حتى غرزت أظافره في راحتيه وقطرت الدماء

لقد قاتلنا بكل ما فينا لنطرد عشيرة الشياطين لقد انتصرنا فعلًا فلماذا وصلنا إلى هذا

جثا فجأة على الأرض ورمى قبضتيه في الطين وقد تمزّق صوته من الألم أولئك المزارعون الروحيون من البشر الذين قاتلوا بدمائهم سقطوا في ساحات القتال وقاتلوا من أجل سلام تحت السماء أمّا الآن فهل استُبدلت دماؤهم بتقاتل الإخوة

إن كان المصير سينتهي إلى هذا فما معنى نضالنا

كان صوته مبحوحًا كأنه يريد أن يسكب كل غضبه ولا رضاه

انحدر ماء المطر على خديه واختلطت الدموع بالمطر حتى لا يُعرف ما هو المطر وما هي الدموع

ظلّ الان تينغ طافيًا بجانبه وزعانفه ترفّ الهواء برفق محاولًا مواساة معلّمه

بعد تلك الليلة بدا أن وانغ ييون تغيّر

لم يعد يتكلّم كثيرًا وكانت في عينيه لمحة عزم

يا الان تينغ لا أصدّق أن شخصًا بقدر الإمبراطور البشري يموت بما يسمّى مرضًا قديمًا

سأذهب إلى موضع العاصمة القديمة لأحقّق في السبب الحقيقي لوفاته

ومن ذلك اليوم مضى وانغ ييون في طريق البحث عن الحقيقة

سافر مع الان تينغ وعبر الجبال والأنهار حتى بلغ أطلال العاصمة الإمبراطورية

لكن الذي استقبله كان خرابًا نُهب منذ زمن بعيد

لقد سبقت إليه قوى لا تُحصى ومسحت كل خيط ذي قيمة

حتى قبر الإمبراطور البشري فُتح ولم يبق فيه شيء

وقف وانغ ييون في خرائب القصر المتهدّم وحدّق في السماء وقال بصوت عميق ما زال هناك أمل ما زال هناك أمل

كان صوته مبحوحًا لكنه يكشف عن قوّة إصرار إلى حد العناد

إن كان في هذا العالم شخص واحد يستطيع إيقاف كل هذا فلن يكون إلا السامي تونغتيان

ومن ذلك اليوم مضى وانغ ييون في طريق لا رجعة فيه

عشرة آلاف سنة مسيرة طويلة شاقة

عبر وانغ ييون والان تينغ آلاف الجبال والأنهار ووضعا أقدامهما في الصحارى والأنهار الجليدية والبراكين والبحار الميتة وحتى اجتازا أماكن خطرة تُسمّى المهالك

وأينما وصلا كان يسأل الأقوياء المحليين والزهّاد المتخفّين بل كان ينقّب عن الخيوط في النصوص العتيقة المتبقية

وفي كل مرة يرى الان تينغ ظهر معلّمه يزداد نحولًا والضوء في عينيه يبهت كانت تعتصر قلبه مرارة لا توصف

يا معلّمي هل للبحث على هذا النحو أي معنى حقًا

التفت وانغ ييون وعلى الرغم من أن ابتسامته كانت مُرّة إلا أن صوته كان مليئًا بالعزم يا الان تينغ حتى لو لم تبق سوى بارقة أمل فلن أستطيع التراجع

ربما كان السامي تونغتيان ما يزال ينتظرني في مكان ما

فتح الان تينغ فاه لكنه لزم الصمت في النهاية

في يوم ما

وصل وانغ ييون إلى ساحة قتال

الأرض مغموسة بالدماء والدخان الأسود يملأ السماء والنيران تأكل أكوام الجثث

قوتان كبريان تذبحان بعضهما بوحشية من أجل المزيد من الأرض

كانت عيون الجميع محمّرة بعزم القتل كأنهم نسوا منذ زمن طويل أنهم من العِرق نفسه

وقف وانغ ييون في وسط ساحة القتال ورداؤه الأبيض يرفرف في الريح

نظر إلى المشهد أمامه وعيناه مملوءتان بالألم

وبعد نفس عميق لم يفرّ كما كان يفعل من قبل بل تقدّم بشجاعة

توقفوا كلكم من عشيرة البشر وبعضكم قاتل لطرد عشيرة الشياطين فلماذا تتقاتلون الآن

لكن لا أحد أصغى إليه

وقف وحيدًا في قلب ساحة القتال كشجرة صنوبر شامخة لا تنحني للريح والمطر ومع ذلك لم يلتفت إليه أحد

وفي اللحظة التالية صدمته هجمات لا تُحصى في آن واحد

أنوار سيوف وحدود سكاكين وتعويذات ابتلعته كالعاصفة

زأر الان تينغ وبذل ما يستطيع لينقذ وانغ ييون لكن الأوان كان قد فات

تحطّم الدانتين لديه وتكسّرت قنواته وتسرّبت قوّة حياته شيئًا فشيئًا

وأخيرًا كان ذلك في ليلة ممطرة

في الوادي أسند وانغ ييون جسده إلى الان تينغ وصنع لنفسه نعشًا بسيطًا واستلقى داخله محدّقًا في السماء

كان وجهه شاحبًا وشفاهه متشقّقة لكن في عينيه لمحة سكينة مرتاحة

طفا الان تينغ بجانب النعش وزعانفه ترتعش قليلًا وصوته منخفض وحزين يا معلّمي ما زالت لدينا فرصة نستطيع أن نجد طرقًا أخرى

لكن وانغ ييون هزّ رأسه وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة يا الان تينغ لقد تعبت

كان صوته رقيقًا جدًا لكنه بدا كأنه يخترق الريح والمطر ويحمل ارتياحًا لا يُردّ

على مرّ هذه السنين رأيت الأصدقاء يرحلون واحدًا تلو الآخر كان هناك السامي هان مينغ تسي والسامي نانغونغ جي وكثيرون غيرهما

وأولئك الخونة

لم أعد أقدر على المسير

ارتعشت زعانف الان تينغ قليلًا

كان يعرف أن معلّمه قد أضناه التعب حقًا

وذلك التعب الغائر لم يعد شيئًا يمحوه الزمن

في هذه اللحظة رفع وانغ ييون رأسه ببطء واختراق بنظره ليل السماء الكئيب كأنه يرى نفسه في الماضي وتلك القامة المهيبة

لو كان السامي تونغتيان هنا هل كانوا ليجرؤوا على هذا

اختنق صوته وجرت دمعان على جانبي عينيه

السامي تونغتيان إلى أين ذهبت

عوت ريح الليل وتقطّعت حبات المطر على النعش وتردّدت همساته بين السماء والأرض كأنها زفرة تراكمت على مدى عشرة آلاف سنة وسؤال موجّه إلى كل الناس

ارتجف الان تينغ قليلًا يا معلّمي

أغمض وانغ ييون عينيه وضعفت أنفاسه شيئًا فشيئًا وارتجفت شفتاه قليلًا لتقول تتراجع الشياطين فينبغي أن تصفو الجبال والأنهار لكن جشع البشر يستفحل أكثر

هذا الجسد يأبى أن تظلم السماء والأرض ويرضى أن يخلّف جمرة دافئة تنير من يأتي بعدنا

خفت صوته أكثر فأكثر

حتى صار نسمة هواء وتلاشى بين السماء والأرض

الان تينغ إن كان هناك حياة أخرى فأبتغي أن أكون إنسانًا عاديًا أحرس ركنًا من العالم ولا أسأل عن صراعات الدنيا

وما إن انتهت الكلمات حتى أُغمضت تلك العينين اللتين طالما أضاءتا

واستلقي هادئًا كأنه غفا

سكنت الريح وتوقف المطر

وعمّ الوادي صمت مرعب

حرس الان تينغ النعش

وتلألأت الدموع في عينيه الزرقاوين العميقتين

نظر إلى وجه وانغ ييون الشاحب لكن المطمئن قليلًا وزعانفه ترتعش وصوته متهدّج يا معلّمي وداعًا

كان صوته مبحوحًا كأنما عُصر من أعماق حلقه

وبين السماء والأرض بدا أن قوّة خفيّة تجمّعت في هذه اللحظة

بجانب ذلك النعش البسيط

ارتفع وهج خافت ببطء وتحول إلى جمرة وادئة تشتعل بهدوء

كانت تلك أمنية وانغ ييون الأخيرة

الأمل الذي تركه والغاية التي لم يحققها

عصفت ريح شديدة واضطربت السحب

وفي السماء شقّت أشعة شمس ذهبية الغيم الكثيف وسلّطت ضوءها عبر طبقات السحاب

أغمض الان تينغ عينيه قليلًا

وعكست قشوره الزرقاء العميقة ضياء خافتًا تحت الشمس

بدا كأنه يشعر بتلك الدفء

كأن ثلاثة ملايين سنة مضت وتبدّلت الدنيا مرارًا وتغيّرت الجبال والأنهار مرات كثيرة ومع ذلك ظلّت تلك الجمرة الواهنة تشتعل بهدوء بين السماء والأرض ولم تخمد قط

شيئًا فشيئًا صار نفس الان تينغ رقيقًا كأنه يعبر سنوات لا تنتهي عائدًا إلى تلك الليلة الماطرة بجوار ذلك النعش البسيط إلى المشهد الذي قال فيه معلّمه أمنيته الأخيرة

لم يدرِ كم من الزمن مرّ

فتح عينيه ببطء وقد ومض في حدقته عزم

في قلبي أنا الان تينغ لا أمر غير منية معلّمي التي لا أجرؤ على نسيانها

حتى لو انقضت ثلاثة ملايين سنة وصار كل شيء تاريخًا لا يبحث عنه أحد فلا بد أن أجد السبب الحقيقي لوفاة الإمبراطور البشري وإلى أين ذهب السامي تونغتيان بعد تلك المعركة

ثم رفع بصره إلى الأفق

تلك كانت الجهة التي غادر نحوها جيانغ بيشوان

أيها الفتى آمل أن تتمّ مثَل معلّمي

استدار الان تينغ ببطء

وعوت الريح وتلاشت هيئته تدريجيًا كأنه يذوب في الهواء ويندمج في السماء والأرض

التالي
866/1٬326 65.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.