الفصل الأول
في ليلٍ صامتٍ ثقيل، تملأ سماءه الغيوم التي تحجب ضوء القمر عن مساكن آل فلدار. بدا كل شيء ساكنًا، حتى الهواء، وكأن العالم حبس أنفاسه.
في جناح السماء، حيث تلوح أروقة الرخام اللامعة كشرايين باردة، كان الصمت أثقل من المعتاد، تختبئ خلف بريقه البارد همسات لا تُرى. كان “آرن”، الذي لم يتجاوز السابعة، غارقًا في نومه العميق، وجهه الصغير يسترخي بسلام. أحاطت به لعب صغيرة على هيئة وحوشٍ مختلفة، تنتظر بصمت، وكأنها تعلم أن مصيرها سيتشابك مع مصيره بطرق لم تخطر ببال طفل نائم.
انسلت ظلالٌ طويلة عبر الأرضية الرخامية، تسبقها خطواتٌ حذرة كأنها أنفاس مكتومة. همسٌ مبحوح مزّق سكون الغرفة، محملاً برائحة معدنية نفاذة: “تأكد أنه في سبات عميق.. لا نريده أن يفتح عينيه قبل فوات الأوان”.
ظهر رجلان يرتديان رداءً داكناً يزدان بختم عائلة “فلدار” الذهبي، الذي بدا في عتمة الغرفة وكأنه عينٌ تراقب بجفاء. تقدم أحدهما، ممسكاً بخنجرٍ منحوت من عظمٍ قديم، نُقشت عليه هيئة تنينٍ يلتف حول النصل، بينما كان رفيقه يشدّ قبضته على زجاجةٍ بلورية، يتخبط بداخلها دخانٌ أسود لزج، يتلوى بجنون ككائنٍ مسجون يستميت للتحرر.
اقترب الرجلان بهدوء. لم يشعر آرن بشيء سوى ببرودة معدنية حادة اخترقت جلده الناعم، تبعتها حرقة لاذعة انتشرت كالنار في صدره ثم أحشائه. فتح عينيه المتسعتين على مصراعيهما، لا يفهم ما هذا الألم الغريب الذي أيقظه من سباته البريء. رأى خنجرًا عظميًا يخرج من صدره، تلطخت حافته بدمه الأحمر الزاهي، وشعر بشيء بارد ولزج يتسرب إلى داخله، دخان أسود كريه الرائحة يتلوى كأنه كائن حي، يلتهم النور من حوله.
في تلك اللحظة، اشتعلت القلادة حول عنقه، نبضت بقوة غريبة كقلبٍ ثانٍ، وأطلقت دفقة طاقة عنيفة صدمت الرجلين وألقت بهما بعيدًا، محطمة زجاج النوافذ إلى شظايا متناثرة.
انتفض آرن من سريره، تتقطع أنفاسه في صدره النحيل كأنه يغرق بسبب الهواءٍ الشحيح. دماءٌ حمراء داكنة لطخت ملاءاته البيضاء، لكن هالةً ضبابية انبعثت من قلادته، تلتف حول جرحه كأصابع خفية تحاول رتق اللحم الممزق. لم يعد الألم مجرد وخزٍ في صدره، بل صار جليداً يسري في عروقه، يجمّد صرخته في حنجرته ويجعل العالم من حوله يبدو ككابوسٍ غريب لا يجد له مبرراً.
في تلك الأثناء، مزّق صمت الليل عواءُ صفارات الإنذار، وتلاطمت أصداء الأقدام الثقيلة على الرخام كأنها رعدٌ يقترب. انفتح الباب بعنف، لتدخل سيليانا؛ ثوب نومها متمزق، خصلات شعرها تتطاير بفوضى، وقطرات دمٍ قانية تنزف من زاوية فمها لتلطخ عنقها، وكأنها خاضت معركتها الخاصة لتصل إلى هنا. صرخت باسمه، وكان صوتها يرتجف بوهنٍ لا يشبه قوة سيدة الظلال التي يعرفها الجميع: “آرن…!”
كانت تلك المرأة سيليانا نيرال، والدة آرن… وسيدة الظلال البيضاء.
تنتمي سيليانا إلى عائلة نيرال، إحدى العائلات السبع النبيلة التي تحكم مملكة لينتارا، وتمتلك قدرة السيطرة على الأطياف. أما عائلة فلدار، فتمتلك السيطرة على الوحوش المادية.
وقد كان “آرن” نتاج هذا الاتحاد النادر بين القوتين.دخلت سيليانا غرفة ولدها قبل الحراس، فوجدت أن جرحه قارب على الالتئام بفضل القلادة التي وضعتها في عنقه لحمايته.
تلك القلادة كانت تحمل جزءًا من طاقتها الحيوية، وتتفاعل بردٍّ عنيف عندما يُصاب الخطر.“آرن… آرن! افتح عينيك يا بني…!”فتح الطفل الصغير عينيه ببطء، وقد بدأ الشيب يزحف إلى رأسه، فتحوّل جزء منه إلى لونٍ فضي. وعيناه الزرقاوان، المشابهتان لعيني أمه، بدأت تتحولان تدريجيًا إلى لون داكن بين الزرقة والسواد.
سعل الطفل بقوة، حتى أخرج فما مليئا بالدم الأسود.تأملت الأم هذا المشهد برعبٍ، وحاولت استكشاف طاقته. كانت ضعيفة، بالكاد تُذكر. لكنها رأت شيئًا آخر… دخانًا أسود ينتشر حول قلبه. شعرت بشيء لا تفسير له… وكأن الظلام اختار قلب ولدها ملاذًا له.“من الذي فعل بك هذا…؟”امتدت يد حنونة، ووضعت راحتيها على كتفيها.
جلس بجانبها، يضمهما بوقارٍ لا يتزعزع، رغم أن ارتجافةً خفيفة في أصابعه كانت تفضح الصراع بين وقاره كزعيمٍ امام حرسه وبين تمزقه كأبٍ يرى دماء ابنه تلطخ المكان. كان أليستر فلدار، رئيس العائلة، يمسح بيده على شعر ابنه، وعيناه الزرقاوان الجامدتان تمسحان المكان، لا تتركان زاوية إلا وأخضعتاها للتدقيق. بكلماتٍ خافتة، لكنها وقعت كوقع المطارق على مسامع الحراس، أمر: “أغلقوا حدود المدينة. لا طيرٌ يحلّق ولا سحابةٌ تعبر دون إذنٍ مني. اعتقلوا كل حراس هذا الجناح.. لا تتركوا أحداً دون استجواب”.
صمَتَ أليستر، مراقباً ذبول طاقة ابنه التي كانت يوماً تضاهي الوحوش ضراوة، والآن لم تكن سوى رمادٍ خامد. لم يكن يحتاج إلى تقارير؛ فجناح السماء حصنٌ لا يقتحمه الغرباء. التفتت عيناه نحو أروقة القصر المظلمة؛ خلف هذه الجدران تكمن الخيانة، ربما في طمع زوجته الأولى، أو في طموح أعمام آرن الذين يتربصون بالعرش.
مسح بيده دموع سيليانا، وبصوتٍ لا يحمل سوى نذير شؤمٍ لمن ارتكب هذه الجريمة، همس: “سأقتلع جذورهم، واحداً تلو الآخر. لن يمهلوا للتبرير، فمن تجرأ على دمِ ابني قد حفر قبره بيده”. ثم، وكأن الجليد في عينيه ذاب للحظة، أضاف بنبرةٍ خافتةٍ مشوبةٍ بالقلق: “يجب أن يراكِ الحكماء يا سيليانا، إصابتكِ بليغة”.”
ردّت سيليانا، وهي تكافح لتبقى واعية:“لا تهمّني إصابتي… المهم أنه حي، حتى لو لم يكن بخير.”
في الخارج، وبين الأشجار التي تحيط بجناح السماء، وقفت عيون تراقب بصمت. لم تكن لطير… ولا لبشر.بل شيء آخر.شيء… كان يتوقع أن تفشل المحاولة.
ثم همس الصوت من بين الظلال:
“نجا الطفل ..لكن شيئا بداخله قد استيقظ”

تعليقات الفصل