الفصل الثاني
مرت الأشهر ثقيلة منذ تلك الليلة التي سلبت “آرن” طفولته. التأم جرح خنجر العظام، لكن شيئاً أعمق بداخله لم يلتئم؛ فاستشعار طاقته السحرية التي كانت يوماً تنبض بالحياة، خمد تماماً تحت وطأة ذلك الدخان الأسود.
كان “أليستر” يراقب ولده بصمت، يرى انطفاء هالته ويدرك الحقيقة المرة: هذا الفتى سيواجه الفشل الحتمي في “اختبار الدم” عندما يبلغ الثانية عشرة. وفي قصر آل “فلدار”، الضعف خطيئة تُسفك لأجلها الدماء، والعيون تتربص بأي زلة للوريث. لذا، اتخذ أليستر قراره.
كان عليه أن يبدو أمام الجميع كأبٍ يقسو على ابنه لقصوره، ليخرسه من ألسنة الشامتين، والأهم.. كان عليه أن يمنح آرن فرصة للنجاة. فإذا كان السحر سيخذل ولده ولا يمنحه وحشاً، فعليه أن يجعله محارباً لا يُقهر بالسيف. وهكذا، انتُزع آرن من فراشه الوثير ومن جوار أمه العليلة، وأُلقي به في قاع الجناح الشرقي.
منذ ذلك اليوم، لم تعد الشمس تشرق على “آرن” كابنٍ للورد “فلدار”، بل كجنديٍ نكرةٍ صهرته فصول العام الأربعة في فرن التدريب القاسي. لم يعد ذلك الطفل الذي دخل الساحة بملابس حريرية، بل صار فتىً صلباً يكسو وجهه سمرةُ الشمس، وتتوزع على جسده الصغير ندوبٌ تحكي قصة ألف سقطةٍ ونهوض. لقد مرّ عامٌ كاملٌ من الركض تحت المطر، وحمل الأثقال حتى تدمى الأكتاف، وتلقي ضرباتٍ كانت كفيلةً بكسر عظام الأقوى منه والأشد.
كانت يداه اللتان اعتادتا لمس الألعاب والكتب الفاخرة، قد تحولتا إلى كتلٍ من الجلد الخشن المتشقق، قبضتهما على مقبض السيف صارت صلبةً كأنها جزءٌ من المعدن. حتى نظرات الجنود التي كانت يوماً مليئةً بالشفقة أو السخرية، استبدلها صمتٌ مشوبٌ بالحذر؛ فقد أدركوا أن “النبيل الصغير” لم يعد ذلك الغريب الهش، بل صار مقاتلاً صامداً يقتات على الألم، يبتلع حساءه الباهت في زاوية الميدان، وعيناه لا تفارقان شرفة والده، منتظراً تلك اللحظة التي يثبت فيها أن جسده الذي صقله الحديد، سيكون حصناً لا يهزمه أحد، حتى وإن خذله السحر.
كان “أليستر” يراقب من شرفة الجناح العلوي، كتلةً من الصمت الجليدي وسط ضجيج الساحة. وجوده كان يثقل كاهل آرن أكثر من الأثقال الحجرية التي يحملها. وفي تلك اللحظات النادرة التي تلتقي فيها عيناهما، كان آرن يشعر بصدى صوت والده يتردد في أرجاء الميدان كحكمٍ قاسٍ: “القوة ليست هبةً تُورث دون استحقاق، بل دمٌ يُراق في الميدان.. ومن لا يمتلك الصلابة، لا يملك الحق في حمل اسم هذه العائلة”.
التدريب كان جحيماً من القفز والركض، وحمل الأثقال الحجرية، وبري السهام، وشد الأقواس، وحد السيوف الخشبية. كان الجند يتساءلون فيما بينهم بسخرية: “لماذا يُدفن وريثٌ هنا؟ لا أحد، حتى أبعد فرعٍ من فروع العائلة، يحتاج إلى هذا التدريب الجسدي الشاق؛ فكل ما عليهم فعله هو انتظار بلوغهم الثانية عشرة، لاجتياز اختبار الدم واستدعاء تلك الوحوش وضمان ألا تخرج عن طوعهم”.
ضحك أحدهم وقال: “ربما لا تعرف الشائعات، يقولون إن طاقته ماتت ليلة الحادثة.. وعيون الوحش قد نامت عنه سلفاً!”.
“كيف هذا وهو لم يبلغ سن الاختبار بعد؟ ما زال أمامه سنوات!”.
“قالوا إن دمه قد تلوث، ولن يستطيع الاستدعاء أبداً حين يحين وقته”.
رد ثالث بحذر: “لا أحد يعرف يقيناً إلا يوم اختبار الدم، واصمت ولا يسمعك أحد! نحن جنود نسمع ونطيع، ورقابنا أرق من النسيم.. فلينتبه كل واحد منكم لنسمته”.
كان آرن يسمع بعض تلك المحادثات، فتعتصر أحشاؤه، لكنه يغلق أذنيه بكلمات أمه. كانت طريحة الفراش منذ الحادثة، لكنها كانت تمسح على رأسه وتقول بابتسامة واهنة: “فداك ألف سيليانا، وكل التكهنات باطلة.. لن يثبت الحق إلا يوم اختبار الدم”. كان آرن يتمسك بهذا الخيط الرفيع من الأمل، رغم أنه لم يعد يراها بتلك القوة التي كانت عليها قبل التضحية.
في إحدى الليالي، بينما كان يجلس خلف الميدان يداوي جراحه، ظهر والده فجأة. كان أليستر يقف بهدوء، عينه تدور على الكدمات على جسد ولده، لكن وجهه جامد.
إذا كنت تقرأ هذا الفصل خارج مَــ.جـرَّة الرِّوَايـ.ات فاعرف أن الموقع الذي تقرأ منه سارق للمحتوى. galaxynovels.com
“ربما لديك بعض الأسئلة، لماذا أرميك وسط الجنود بينما مكانك بين دلال القصر؟ أتعلم لماذا لم أضمك بين هاتين الذراعين؟”.
نظر آرن إلى الأرض، وفي داخله بركانٌ من الأسئلة والشكوك التي يرفض الاعتراف بها.
أكمل أليستر بلهجة غامضة: “لأني رأيت فيك شيئاً ما.. شيئ غير الشفقة عليك!”.
اقترب منه وأخرج رقاقة معدنية محفورة بطلاسم غريبة، وضعها في يده فشعر آرن بثقلها وسخونتها: “هذه تأشيرة الدخول للمكتبة المحظورة أسفل القصر. لا أحد من إخوتك له حق الولوج إليها، أنت فقط! ربما هم يتنعمون وأنت تشقى.. اقرأ.. تعلم.. واختر طريقك. الكل يخبرك أن الأمر لن يتحدد إلا حين تبلغ الثانية عشرة، لكني أخبرك يا آرن.. أنني أرى نهايتك من الآن، أشك في نجاحك، ولن تستطيع اجتياز اختبار الدم أو استدعاء وحشك السحري”.
سقطت الكلمات كدلوٍ من الماء البارد، لكن آرن لم ينهَر. “لا يوجد أمل؟” سأل بصوتٍ مخنوق.
أجابه والده ببرود: “آسف يا بني، ولكن هذه الحقيقة التي أراها، لا أستطيع أن أخدعك”.
وضع آرن الرقاقة في ردائه في صمت، وداخل عقله كان صراعٌ مرير. النار التي تتقد بداخله لم تكن لليأس، بل كانت مزيجاً من الرغبة في إثبات خطأ الجميع؛ إثبات نفسه لنفسه، ولأبيه، ولمن تمنوا موته. لم يعد الأمر مجرد انتقام، بل تحدياً للقدر.
في صباح اليوم التالي، صاح المدرب وهو يمسك بعصاه الخشبية: “من يجرؤ على الهجوم دون خوف؟”.
تقدم آرن، نظرته جامدة، جسده يصرخ من الألم لكن قبضته على السيف كانت حديدية. قال بصوتٍ يملؤه التحدي: “الخوف! لقد ولدت منه.. زارني الموت فهربت منه!”.
اندفع.
ضربته الأولى لم تكن مثالية، لكنه تفاجأ بثقل الضربة الثانية والثالثة. استمر حتى أسقطه المدرب أرضاً من فرط قوة الدفع.
صمت الميدان، فقال المدرب بذهول: “الآن يا فتى.. أرى فيك شيئاً يستحق المتابعة”.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل