الفصل 10 : الصدى
مرت ثلاثة أيام منذ أن دفن آرِن الجرو تحت صخور المغارة، التي أصبحت ملجأه السري بعيدًا عن أعين القصر المتجاهلة وقاعات التدريب القاسية التي اعتادها جسده المنهك. لكن المشهد لم يفارق عينيه. تلك اللحظة التي رأى فيها نفسه من عين الحيوان، وكأن روحه سقطت في جسد آخر… لم تكن حلمًا. كانت حقيقية. كانت بداية شيء… مخيف.
كانت معدة آرِن تتلوى، تصرخ جوعًا. رائحة التراب الرطب والأوراق المتساقطة، لا شيء يشبه عبق المطابخ الدافئة في قصر فالدار. لمح أرنبًا جبليًا يقتات ببطء على حافة العشب، فارتجفت أصابعه. قبض على سكينه الصدئة، ثقيلة وغريبة في كفه الصغيرة. تسلل بخطوات غير متوازنة، عيناه مثبتتان على الفريسة، متجاهلاً غصنًا جافًا تحت قدمه. انكسر الغصن بصوت مدوٍ في سكون الوادي.
قبل أن يدرك آرِن ما حدث، كان الأرنب قد اختفى في ومضة بيضاء. تيبس في مكانه، يحدق في الفراغ الذي تركه الحيوان. لكن لم يكن وحده. سمع حفيفًا خلفه، صوت أجنحة ضخمة تصفع الهواء. رفع رأسه ببطء، ليرى نسرًا بنيًا كبيرًا يهبط برشاقة على الغصن الذي كان الأرنب يختبئ تحته قبل لحظات. نظر النسر إليه بعينين حادتين، ثم أصدر صيحة اخترقت سكون الغابة. شعر آرِن بقشعريرة تجري في عموده الفقري. لم تكن هذه الغابة قصره المحمي. لم يكن هناك خدم ولا حراس.
انسحب آرِن بخطوات متراجعة، سكينته لا تزال في يده، لكنها لم تعد تبدو قوية. عندما وصل إلى مسافة آمنة، ضرب السكين بالأرض بقوة، وغرزها في التراب الرطب. همس لنفسه، وصوته يكاد يضيع في همهمة الريح: “المرة القادمة… لن أعود خاويًا.”
بعد أيام من البحث اليائس عن فريسة، وبعد أن أدرك أن القوة المجردة لن تكفيه في هذه البرية، بدأ آرِن يراقب الغابة بعينين أكثر حدة. لم يعد يبحث عن الفريسة، بل عن **فرصة ليروض ما يخشاه.** في أحد مسارات غابة الصيادين خلف القصر، عثر على فخ قديم، مهجور، وفي داخله كان ثعلب بري صغير، يصارع قيوده بأنفاس متقطعة وعينين تلمعان بالخوف والضراوة.
موقع مَجَــــ.ــرّة الرِّوايــ.ــات هو صاحب حقوق الترجمة، نرجو عدم دعم المواقع السارقة.
عاد آرِن إلى المغارة ومعه الصندوق الذي يحوي الثعلب. فتح الصندوق ببطء… قفز الثعلب للخلف، أنيابه بارزة، عيناه تلمعان بضوء الشمعة.
جلس آرِن أمامه، يضع كفه على صدره مرة أخرى، يُخرج تلك الخيوط الخفية من طاقته. هذه المرة، لم تكن مجرد اندفاع أعمى. كان يحاول أن يمسك بها، أن يمسك الماء بين أصابعه. كلما حاول تخفيفها، اهتز الخيط وتفكك. وكلما زادها قليلًا، كانت تندفع بعنف نحو الثعلب. لم يفعل المتعاقدون هذا، أدرك آرِن. هم يصبّون كامل طاقتهم في الحيوان ليربطوه إلى الأبد. هو وحده كان يحاول أن يجزّئ قوته، أن يشطرها، أن يزنها كما يزن الذهب. لكن… الحيوان البري لا ينتظر.—في لحظة، هجم الثعلب عليه، غرس مخالبه في ذراعه.
اندفع الألم إلى عقله، واندفعت طاقته بعنف، كشلال لا يمكن إيقافه. الدخان الأسود عاد… يتلوى حول الحيوان، يغمره، ثم يبتلعه. لم يمت الثعلب… لكنه سقط على الأرض فاقدًا الوعي. ثم، دون سابق إنذار، تلاشى العالم من حوله. اجتاحه برد، جوع، خوف، وإحساس بأنياب تشتاق للغرس في اللحم… كلها دفعة واحدة. رأى نفسه، هذه المرة ليس جالسًا فقط، بل منحنياً، يده مغطاة بالدماء، ومن زاوية منخفضة، وكأنه مخلوق قصير الأطراف. ثم انقطع كل شيء فجأة.—فتح عينيه لاهثًا. الثعلب كان لا يزال يتنفس… لكن جسده يرتجف. جلس آرِن صامتًا، يراقب أنفاس الحيوان حتى استقرت، ثم أطلق سراحه خارج المغارة. شاهد الثعلب يختفي بين الأشجار، قبل أن يسند ظهره إلى الجدار.
في الأيام التالية، لم يتوقف. جرب الأمر مع غراب علِق جناحه في شبكة الصيادين، ثم مع قط متوحش في أزقة المدينة السفلى. في كل مرة، كان يفقد الوعي لفترة قصيرة، تندفع طاقته بغريزة، يرى بعين الحيوان… ثم ينقطع الرابط فجأة. لكن مع كل محاولة، كان هناك تطور طفيف. في المرة الثالثة، بقي الاتصال لثوانٍ أكثر. في الرابعة، بدأت أصوات مشوشة من محيط الحيوان تتسرب إلى وعيه قبل أن ينهار الرابط.—في نهاية الأسبوع، عاد إلى غرفته منهكًا، وذراعه مغطاة بالخدوش والعضّات. لكنه لم يشعر بالعبث. همس لنفسه وهو يحدق في السقف: “إذا استطعت أن أرى… فسوف أستطيع أن أتحكم. وإذا تحكمت… سأكسر القاعدة.” ثم أغمض عينيه، والدخان الأسود ما زال يلوح في وعيه… ينتظر المرة القادمة..
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل