الفصل 9 : العين الأخرى
لم يكسر صمت الليل سوى حفيف عباءة آرن واحتكاك نعليه بالحصى. كان يضم إلى صدره صندوقًا خشبيًا صغيرًا تنبعث من شقوقه أنفاس متقطعة، واهنة كنفاد آخر حبات الرمل في ساعة رملية. من فرجة الصندوق الصغير، لمعت عين واحدة مطفأة، تراقب وجه الفتى باستسلام صامت. لم يكن آرن يبحث عن رفيق قتال، ولا عن خادم يربطه بعهد سحري؛ كان يبحث في هذا الجسد الضئيل عن إجابة لسؤال لم يجرؤ أن يسأله لأحد.
انحدر نحو مغارة مهجورة عند أطراف القصر السفلي، حيث يتراكم غبار السنين دون أن تطأه قدم حارس. فاحت رائحة الرطوبة والحديد الصدئ في الهواء الراكد. أشعل عود ثقاب، فانبثق نور ضئيل يرتجف على الجدران الصخرية. وضع الصندوق برفق، وأخرج الجرو واضعًا إياه فوق التراب البارد.
تربع آرن قبالته، وضغط بكفه اليمنى على منتصف صدره، حيث يكمن ذلك الرماد الذي يسمونه طاقته السحرية. أغمض عينيه، مستسلمًا لإيقاع تنفسه البطيء.
لم تكن طاقته تتدفق كالأنهار الساطعة التي يتباهى بها إخوته، بل كانت أشبه بماء بئر عميقة ومهجورة؛ باردة، ساكنة، ومظلمة. ركّز وعيه، مستخلصًا خيطًا نحيلًا كخيط العنكبوت، بالكاد يضيء عروق يده. كانت القوة تتذبذب، تتموج بعنف كأنها ترفض الانصياع. لم يضغط عليها لتخضع، بل أرخى قبضته الداخلية، محاولاً موازنة هذا الخيط المتذبذب ليمتد برفق نحو صدر الجرو—كأنه يمد جسرًا من الحرير فوق هاوية تشتعل بالنار.
ما إن لامس طرف الخيط السحري فرو الجرو حتى تشنج جسد الحيوان. اتسعت حدقته الوحيدة، وارتجفت أضلاعه تحت جلده الرقيق بزفير حاد، تبعه أنين مبحوح يشبه بكاء طفل.
وفي تلك اللحظة، انفرط عقد السيطرة.
اندلع من صدر آرن دخان أسود كثيف، لم يكن سحرًا بل كان أشبه بحبر محترق. تدفق بعنف من مسام جلده، من أطراف أصابعه، ومن ثنايا عينيه التي غشاها السواد. أحاط الدخان بالجرو، والتف حوله كأفعى تعتصر فريستها، قبل أن يتغلغل بعنف داخل فمه ومنخريه.
أطلق الجرو صرخة قصيرة ممزقة، ثم انتفض انتفاضة أخيرة، وارتخى تمامًا كخرقة بالية.
حاول آرن التراجع، لكن صوته انحبس في حنجرته. تلاشت جدران المغارة، وانطفأ الضوء، ولم يتبق في الفراغ سوى تلك العين الوحيدة المطفأة… وفجأة، سقط.
لم يعد يشعر بقدميه أو يديه.
ارتطم وجهه بالتراب، لكنه لم يشعر بأنفه، بل بخرطوم رطب يلامس الصخر البارد. تضاعفت روائح الرطوبة والعفن مئة مرة في حواسه الجديدة. شعر بقرص الجوع ينهش أحشاءه الصغيرة، وبخوف غريزي جارف من الظلمة يرتجف له جسده الضئيل، وبنغزات حادة تمزق قفصه الصدري الصغير.
رفع رأسه بصعوبة، فرأى أمامه بشريًا جالسًا في وضعية التأمل، يتدفق من جسده دخان أسود مرعب كأنه وحش من الأساطير.
كان يرى نفسه.. من الخارج.
ثم انطبق جفن العين الوحيدة، وغرق كل شيء في عتمة مطلقة..
شهقة حادة مزقت صدر آرن وهو يستعيد وعيه دفعة واحدة. عاد الظلام الدامس يلف المغارة بعد أن انطفأت الشمعة، تاركة في جوف العتمة رائحة دهن محترق وخيوط دخان تتلاشى ببطء في الهواء البارد.
امتدت أصابعه المرتجفة في العتمة، تتحسس الأرض الصخرية حتى لامست فروًا رطبًا. ضغط بأطراف أصابعه على القفص الصدري الصغير… لا حركة. لا نبض يرتد تحت جلده، ولا زفير دافئ يداعب كفه. كان الجسد ساكنًا كالحجر، باردًا كأن الحياة لم تطأه قط.
“مات؟” انزلق الهمس من بين شفتيه الجافتين كأنه اعتراف بذنب. تلمس أطراف الجرو؛ لم يكن هناك دم، ولا حروق، ولا أثر لعنف. فقط فراغ مباغت، كأن الروح سُحبت من الجسد دفعة واحدة دون أن تترك وراءها أثراً.
لم تذرف عيناه دمعة واحدة. تراجع بظهره حتى ارتطم بجدار المغارة القاسي، وضم ركبتيه إلى صدره، محدقاً في السواد حيث يرقد الجرو. كانت أطراف أصابعه لا تزال تنبض بوخز غريب؛ إحساس وهمي ببرودة الصخر تحت بطن لم تكن بطنه، ورائحة تراب رطب لم تشمها أنفه البشرية قط. لقد ترك جزءاً من وعيه هناك، في ذلك الجسد الهامد.
في تلك العتمة، لمعت في ذهنه أسطر كُتبت بمداد باهت على ورق قديم في قاع مكتبة القصر:
“من فهم ظله، فهم نفسه. ومن فهم نفسه… أخضع من يفوقه.”
تلمس آرن جبهته، وهامساً بنبرة متحشرجة:
“لم تكن سيطرة… لقد عبرتُ إليه فقط. رأيتُ العالم بعينه… ثم انطفأ.”
في الصباح التالي، لم يخرج “آرن” من المغارة.
دفن الجرو تحت الصخور، حفر قبرًا صغيرًا بيديه العاريتين، وكتب فوقه على صخرة:
“أول مرآة.”
ثم جلس، واراح ظهره على الجدار، وعيناه شاخصتان إلى الفراغ.
فشل؟ نعم.
لكنه لمس شيئًا لم يلمسه أحد من قبل.
ولأول مرة، لم يكن يريد أن يُصبح الأقوى… بل الأقرب.

تعليقات الفصل