الفصل 17 : عيون الظلام
ابتلع آرن ريقه بصعوبة. لم يكن هذا ليل قصر فالدار، حيث المشاعل تضيء الجدران العالية وتطرد الظلال. هنا، تشابكت أغصان الأشجار العارية كأصابع عملاقة تحجب سقف السماء، وكلما خطا خطوة، غرقت قدماه في سجادة من الأوراق المتعفنة والتراب الرطب. لم يسمع سوى همس الحشرات، وصوت أنفاسه المتقطعة.
ألقى حقيبته الصغيرة قرب جذع شجرة ضخمة، وسقط على الأرض، عيناه تمسحان الظلام. لا خطة، لا مأوى، فقط إحساس ثقيل يضغط على صدره: لن يرضخ للضعف مرة أخرى..
أغمض عينيه، باحثًا في الفراغ عن أي وميض حياة. تذكر الأرنب الذي أفلت منه بلمح البصر، والنسر الذي نظر إليه بازدراء. تلك اللحظة التي شعر فيها بالعجز، كمسكين يحمل سكينًا صدئة في مواجهة البرية. هذه المرة لن يكون الأمر كذلك.
مد خيطًا رفيعًا من طاقته، لم يكن اندفاعًا أعمى كما سبق. التقط ذبذبات خافتة… فأر يتسلل بين الجذور على بعد أمتار. أرسل طاقته نحوه، مستشعرًا الاتصال المألوف، لكنه هذه المرة كان أشبه بخيط حرير رفيع بدلاً من حبل غليظ. تحكم في الفأر لبرهة، ثم أرخى الخيط فجأة. لم يأتِ الصداع المعتاد، ولا الدخان الأسود المربك.
– “الكمية… هذا هو السر.” همس، وكأنما يكتشف لغزًا عتيقًا..
لكن عقله لم يكتفِ بذلك، فبدأ يبحث عن هدف أبعد. هذه المرة، شعر بوجود طائر فوق احدى الفروع العالية. ركّز، ومد طاقته باندفاع محسوب. ثوانٍ قليلة، وكان يرى من عيني الطائر، يرى الغابة من الأعلى، يرى ضوء القمر ينعكس على جدول ماء بعيد.
ابتسم بخفة، لكن فجأة انقبضت حواسه. برودة غريبة زحفت على جانب رأسه، والصورة في ذهنه ارتجفت، قطع الاتصال فورًا، والتفت حوله كمن لدغته أفعى… لم يرَ أحدًا، لكن هواء الغابة بدا أثقل، وكأن عيونًا خفية تراقبه.
شد آرن على قبضته، وقرر التوجه نحو الجدول المائي. كل خطوة كانت محسوبة، وكل حسٍّ متيقظ. لم يمر وقت طويل حتى التقطت عيناه أثر أقدام بشرية على التربة الرطبة. كانت حديثة، وطريقها يتجه نحو نفس الوجهة التي يقصدها. انقبض قلبه.
حين وصل إلى الجدول، انحنى ليغسل وجهه، فالتقط طرف عينه انعكاسًا في الماء: ظل طويل يتحرك بخفة بين الأشجار، على مسافة ليست ببعيدة. كان هادئًا بشكل يثير الريبة، وبدا أطول من أن يكون حيوانًا.
لم يحاول آرن المواجهة. تراجع ببطء، ثم انزلق خلف صخرة كبيرة، عيناه تلتهمان الفراغ. لكن الظل لم يقترب. بقي ثابتاً لبرهة، ثم تلاشت ملامحه بين حلكة الأغصان، وكأن لم يكن.
ظل جالسًا هناك لوقت طويل، يعيد ترتيب قطع الأحداث في عقله. برودة الطاقة الغريبة، أثر الأقدام الحديثة، الظل الصامت الذي لم يقترب، لكنه كان هناك. لم يكن الأمر مجرد صدفة. لم يكن طرده عقابًا عشوائيًا على الفشل.
“بل خطوة في خطة أكبر…” همست الكلمات في رأسه كلسعة باردة. لم يطردوه ليتخلصوا منه، بل ليضعوه في مكان معين، تحت أعينهم. أرادوه حيًا، نعم، لكنه لم يكن سوى بيدق على رقعة شطرنجهم. لم يكن هذا شكًا، بل يقينًا قارسًا يغلي في عروقه.
رفع رأسه نحو السماء المظلمة، وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت.
– “إذا كنتم تظنون أني سأكون مجرد ورقة في لعبتكم… فانتظروا.”
مع أول ضوء للفجر، لم يعد آرن مجرد هارب. كل ليلة في هذه الغابة ستكون مختبرًا، وكل كائن حي هدفًا. سيكتشف حدود قوته، ليس ليخدم خططهم، بل ليمزقها إربًا..

تعليقات الفصل