الفصل 16 : الليلة التي انطفأت فيها المشاعل
حلّ الليل على قصر فالدار، لكن الصمت الذي خيّم لم يكن صمت الراحة، بل صمتًا ثقيلاً مشحونًا بالنوايا السيئة. في الممرات، كانت خطوات الحراس تتردد بانتظام، والمشاعل المعلقة على الجدران بدت وكأنها تراقب كل من يعبر.
في غرفته الباردة بقاع الجناح الشرقي، جلس آرِن على حافة سريره الخشبي الخشن. لم يكن هناك ريشٌ أو حرير، بل مجرد قشٍّ يابس وملاءة تفوح منها رائحة الرطوبة والغبار، تذكره بكل ليلة قضاها في هذا القبو منذ نُفي من غرف القصر الفارهة. حدق في الجدار الحجري المتشقق، بينما كان الصدى القاسي لكلمات الحكم ما زال يطرق رأسه بعنف: *”آرِن فالدار… فشل في السيطرة.”
لم يمنحه أحد فرصة لشرح شيء، ولا سأل أحد عن سبب اختباره بوحش بري مجهول بدلًا من وحش تدريبي. كانت الخيوط جميعها مرتبة بإحكام.
انفتح الباب فجأة، ودخل حارسان دون أن يرفّ لهما جفن. قال أحدهما ببرود يقطع الصمت:
– “أوامر المجلس: عليك مغادرة القصر قبل منتصف الليل.”
– “وأبي؟” سأل آرِن، فكان الرد هزة كتف باردة.
“لم يكن أبي ليأمر بهذا… ليس بكامل إرادته على الأقل،” همس لنفسه.
سمحوا له بحمل حقيبة صغيرة فقط، بالكاد تتسع لبعض ثيابه ودفاتر ملاحظاته. بينما كان يجمعها، نبضت ندبة صدره بحرارة غير مألوفة. لم تكن المرة الأولى التي يشعر فيها بها، لكن هذه المرة اختلفت؛ تزامن إحساس غريب بالتيقظ مع مرور ظلّ طائر ضخم خارج نافذته.
اقترب من النافذة، فرأى بومة ليلية تحوم فوق الحدائق، عيناها اللامعتان تحدقان فيه. مدّ خيطًا رفيعًا من طاقته. لا شيء ليخسره الآن، فلماذا لا يخاطر؟ استقر الخيط أسرع من المعتاد، رغم المسافة.
همس لنفسه:
احترم جهد المترجم واقرأ الفصل في منبعه الأصلي: مَجـرّة الـرِّوايـات.
– “المسافة… أطول من أي مرة سابقة.”
لكن قبل أن يتعمق في الأمر، جاء الحارسان وأمراه بالتحرك.
مرّ آرِن بالممرات التي تربى فيها، تناهت إليه همسات الذكريات من كل حجر ولوحة ومشعل. رأى لوكارد عند أحد الأعمدة، يتكئ ببرود، ابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه القاسيتين. وبجواره، كانت ميرنا تمسك بمروحتها الحريرية، نصف وجهها مخفي، لكن عينيها كانتا تلمعان بحزن وعجز لا تخطئه عين. لم يقل أحد كلمة، لكن صمتهم المطبق كان أبلغ من أي تهكم..
عند البوابة الحديدية الضخمة، كانت السماء ملبدة بالغيوم، والريح الباردة تعصف بردائه. ألقى الحراس حقيبته خارج البوابة، ثم أغلقوها خلفه بصرير ثقيل.
توقف لحظة، يلتقط أنفاسه، وعيناه تتجولان بين الغابة المظلمة أمامه، والسماء التي لا يضيئها سوى هلال باهت.
في تلك اللحظة، مرّت البومة ذاتها فوقه مرة أخرى. هذه المرة، لم يكن الأمر مجرد خيط؛ بل تدفق تيار خفي، رابطًا إياه بالطائر دون جهد منه. خفق قلبه بقوة، فجأة لم يعد السمّ في جسده مجرد عبء، بل وميض لقوة لم يعرفها أحد قبله.
ابتسم ابتسامة صغيرة، رغم الألم، ثم تمتم:
– “إذا كانت هذه هي البداية… فلن تكون النهاية كما يريدون.”
وغاب في ظلام الغابة، تاركًا خلفه ظلال المشاعل البعيدة في قصر فالدار، وماضيه يصبح غبارًا خلفه..
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل