الفصل 23 : خيط من السماء
بعد أسابيع من حادثة قافلة أنياب الذئاب، كان اسم آرن قد بدأ يهمس بين مجموعات المرتزقة في السوق الكبير لمدينة رودفال. إصاباته القديمة التأمت جزئياً، لكن أثر المعارك ظل محفوراً في جسده وروحه. في ذلك الصباح، كلّفه قائد الفرقة داريوس بمهمة منفردة: إيصال رسالة مشفرة إلى حامية صغيرة عند حدود تلال سِيرك.
الطريق كان هادئاً أكثر مما توقع، لكن شعوراً غريباً كان يثقل صدره. في منتصف الرحلة، توقف فجأة. وخزٌ دافئ نبض في عمق عقله، إحساسٌ أيقظ في ذاكرته صدى ذلك اليوم المشؤوم: كان يقف على حافة المنحدر، أنفاسه متلاحقة، يمدُّ خيوط طاقته المرتجفة نحو صقرٍ يحلق فوقه، يصارع لفرض إرادته على كيانٍ بريٍّ لا يعرف الخضوع. تذكر كيف مزّقت مخالب الطائر حاجز وعيه، وكيف تلاشت تلك الرابطة في وميضٍ من الألم والضياع.
الآن، وبذات الطريقة، انسابت طاقته في عروق الحاضر. لم تكن مجرد ذكرى، بل عودة للاتصال. انفتحت أمام عينيه المغرورضتين صورةُ الغابة من منظورٍ مرتفع، شعر ببرودة الرياح الرمادية تداعب ريش الصقر، وبحفيف الأغصان تحت جناحيه. لم يكن الطائر مجرد كائنٍ يراقبه، بل كان امتداداً لحواسه، شرارةً ظن أنها انطفأت، لكنها كانت تنتظر في صمتٍ ليعيد إشعالها.
“هذا… مازال هنا!” همس، والدهشة تملأه.
جزء من طاقته لم يختفِ حين فقد السيطرة، بل بقي داخل المخلوق كشرارة هادئة، يمكن إعادة إشعالها إذا ركز بما فيه الكفاية.
مدّ إحساسه على طول ذلك الخيط السحري حتى شعر بكيان الطائر يستجيب بارتباك، ثم بثقة أكبر. فجأة، اندفعت الصور والأصوات: حفيف الأشجار، رفرفة الأجنحة، منظر الطريق من الأعلى. كان الأمر أشبه باستعادة طرف مفقود من جسده.
قرر أن يختبر ذلك فوراً. وجه الطائر ليطير فوق الطريق أمامه، وبعد بضع دقائق، عبر عيني الصقر، رأى آرن ثلاثة ظلالٍ تتكور خلف نتوء صخري، ترقبُ مروره. لم يرتجف، بل انحنى بجسده نحو الأرض كأنه يستعد لقفزة، بينما كانت عيناه لا تزالان مركزتين على الأفق البعيد.
قبل أن تقترب أقدامه من مكمنهم، اندفع كالسهم. لم يمنحهم فرصة للنهوض؛ في لمحة، استلّ سيفه الأيمن ليعترض نصل المهاجم الأول بضربةٍ دقيقة على مِعصمه، بينما كان سيفه الأيسر يرسم في الهواء قوساً حديدياً، أطاح بسلاح الثاني في حركةٍ دائرية محكمة. سقط السلاحان على الصخور بصوتٍ معدنيٍ رنّ في أرجاء الممر. توقف آرن فجأة، نصل سيفه استقر عند عنق الثالث، الذي لم يكد يفتح فمه لاستجداء الرحمة حتى انغرس النصل بعمق، قاطعاً سكون الممر بصوتٍ مكتوم. سقط جسد المهاجم بلا حراك فوق صخور الممر، بينما التفت آرن ببرود نحو رفيقيه الجريحين، اللذين تجمدا في مكانهما، تملكهما رعبٌ أخرس وهو يمسح دماء سيفه بخرقةٍ بالية، تاركاً خلفه مشهداً يعلن بوضوح: لا مكان للتهاون في طريقي”.
أكمل مهمته بلا خسائر، لكن عقله لم يكن مركزا على المهمة التي انتهت للتو، بل على تلك الرابطة الجديدة. لقد أصبح يمتلك عيناً في السماء… خيطاً من الطاقة يمكنه أن يكون بداية شبكة كاملة.
عاد إلى المعسكر تلك الليلة وفي عينيه بريق لم يره فيه أحد منذ زمن. لم يخبر أحداً باكتشافه، فقد أدرك أن هذه الميزة ستكون سرّه الخاص، حتى يحين وقت استخدامها في ما هو أكبر من مجرد مهمات مرتزقة.
تصلبت عضلات آرن وهو يغوص في أعماق وعيه، باحثاً عن خيوط الطاقة التي تلاشت في الأفق. كان التعرق البارد يغطي جبينه، وأنفاسه تخرج متقطعة مع كل محاولة لاستحضار الروابط الباهتة. فجأة، اهتزت عيناه تحت جفنيه المطبقين؛ لقد وجدها. خيطٌ هزيل يرتعش في الظلام كشعلة شمعة في مهب الريح.
دفع آرن بإرادته نحو ذلك الصدى، فاستشعر مقاومةً غريزية؛ ذكرياتُ خوفٍ قديمة تُبثُّ إليه من أعماق الثعلب. لم يقتحم آرن عقل المخلوق، بل غلفه بهدوء، كمن يمد يداً حذرة لحيوانٍ جريح. انكسرت المسافة فجأة؛ انطبقت رؤيته على مشهدٍ ليليٍّ بين الكثبان، حيث التقطت عينا الثعلب تفاصيل حبات الرمل المتطايرة وبريق النجوم المنعكس على فرائه.
أرسل آرن نبضةً ذهنية خفيفة؛ “توقف”. تجمد الثعلب في مكانه وسط الكثبان وكأن تياراً كهربائياً أصاب أطرافه. جرب آرن تحريكه نحو اليسار، فاستجاب الكائن على الفور، متوجهاً بدقةٍ نحو الصخرة التي يراقبها آرن. لم تكن مجرد سيطرة، كان تناغماً؛ خيطٌ غير مرئيٍّ يربط بين نبضات قلبهما، ليؤكد له أن كل مخلوقٍ لامسته طاقته يوماً ما، صار الآن جزءاً من رقعة شطرنجٍ يمتد مداها إلى ما وراء الأفق.
في ظهيرة ذلك اليوم، قاد آرن عربة التاجر نحو مضيق أوبال، بينما كانت عيناه، المحلقتان في الأعالي مع الصقر، تمسحان الأرض القاحلة أمامه. فجأة، اهتز وعيه؛ صورةٌ مشوشة لثلاثة ظلالٍ تتربص خلف صخور الممر انتقلت إليه عبر الرابط. لم يتردد، أوقف القافلة بإشارةٍ هادئة، وتسلل بظهره منحنيًا نحو الجانب الآخر من التل.
حين بلغ ذروة الالتفاف، اندفع كعاصفةٍ صامتة. لم تكن مجرد مبارزة، بل تنفيذٌ لخطةٍ رُسمت في الأفق قبل أن تطأ قدماه الأرض. استقر سيفه الأيمن في صدر الأول، بينما كان الأيسر ينهي حياة الثاني بضربةٍ خاطفة في العنق قبل أن يلتفت. الثالث، الذي كان يتهيأ لنصب فخه، تجمدت دماءه حين لمح نصل آرن يشق الهواء نحوه؛ لم يكد يستوعب وجود عدوٍ خلفه حتى هوى جسده صريعاً. مسح آرن نصليه ببرود، بينما كان الصقر يحلّق فوقه، يراقب صمت المكان الذي لم يعد يجرؤ أحدٌ على قطعه.
شكر التاجر آرن بحرارة، لكن الأخير اكتفى بابتسامة مقتضبة. نجاح المهمة لم يكن ما يهمه؛ ما أثار حماسه هو أن تنسيق الهجوم بينه وبين الطائر كان سلساً كأنه يقاتل مع شريك خفي. كل مهمة جديدة صارت بالنسبة له تدريباً ميدانياً على مهارته المكتشفة حديثا.
في الليالي التالية، لم يعد ينام أكثر من ساعات قليلة. كان يجلس قرب النار، يحاول البحث عن أي خيط من خيوط طاقته كان قد تركه في وحوش أو طيور صادفها سابقاً. بعض الروابط كانت ضعيفة جداً لتجديدها، وبعضها فُقد تماماً، لكن كل نجاح صغير كان كحجر جديد يضعه في أساس قوته القادمة.
كان يعلم أن السيطرة على الوحوش السحرية ما زالت بعيدة المنال، لكن الآن… صار لديه ما لم يملكه أي مروض آخر: القدرة على الرؤية عبر مسافات شاسعة، والبقاء على اتصال مع مخلوقات متناثرة في البراري.
عيون لا تنام… وجيش صامت ينتظر أوامره

تعليقات الفصل