الفصل 22 : كمين على طريق الظلال
كانت الشمس في منتصف السماء حين تحركت القافلة التابعة لمرتزقة “رماح الفجر”عبر طريق الظلال، وهو ممر ضيق تحفُّه الصخور الحادة من الجانبين. الهواء هنا جاف، ورائحة الرماد المحترق تتسلل إلى الأنفاس. كان آرِن يسير في منتصف التشكيل، سيفاه القصيران معلّقان على جانبيه، وعيناه تتفحصان محيطه كحيوان مفترس يستشعر الخطر.
في المقدمة، كان القائد داريوس غراي، رجل ضخم ذو ندوب كثيرة، يقودهم بخبرة، وإلى جانبه سيرين، الرامية التي لم تخطئ سهمًا قط. أما في الخلف، فكان الحارس بروك، يجر عربتين محملتين بالمؤن والأسلحة.
شقَّ الهواءَ صفيرٌ حاد، تبعه ارتطامٌ جاف لعمود خشبي مدبب بالصخرة المحاذية لآرِن. انهمرت السهام كزخات بَرَدٍ أسود من حافة الممر الصخري. صرخة داريوس المبحوحة شقّت الغبار:
– “تغطية! ارفعوا الدروع!”
ارتمى آرِن خلف نتوء صخري، حافّتا سيفيه القصيرين تنزلقان من غمديهما بنعومة قاتلة، بينما تفتت الصخر فوق رأسه بشظايا سهم طائش. من وراء الغبار، انحدرت ظلالٌ ترتدي دروعاً جلدية متآكلة، صُبغت بالسواد ورُسمت عليها أفاعٍ تلتف حول رماح صدئة.
“الدم الفاسد”، همس بروك بشتيمة مكتومة وهو يرفع ترسه الخشبي؛ فالكل في هذه النواحي يعرف تلك العلامة التي لا تترك خلفها ناجياً.
ثلاثة منهم انحدروا صوب آرِن. الأول، ضخم الجثة، يرفع فأسًا عريضًا بكلتا يديه، وعيناه تلمعان ببريق وحشي. لم ينتظر آرِن؛ اندفع إلى الأمام مستغلاً ثقل الفأس الهابط. في اللحظة التي شق فيها الفأس الهواء مخلّفاً هفيفاً مرعباً، انزلق آرِن تحت ذراع الرجل. لمع نصل سيفه الأيمن وهو يشق الخاصرة الجلدية غير المحمية، متبوعاً بضربة مرتدة من سيفه الأيمن قطعت الوتر الخلفي لركبة الضخم. سقط العملاق على الحصى، يئن بعجز.
لكن الهواء لم يستقر بعد؛ إذ هاجمه الثاني بسيف طويل يضرب بزوايا حادة وضيقّة. تراجع آرِن، كعب حذائه يتعثر بالحصى الصغير، يصد الضربات بجسد مائل لتقليل قوة الارتداد التي بدأت تخدر معصميه. خدعة بسيطة بكتفه الأيسر جعلت الخصم يندفع بكامل وزنه، لينحني آرِن تحت النصل ويغرس نصله في القفص الصدري للرجل.
قبل أن يسحب سيفه، دوت صرخة بروك. التفت آرِن ليرى بروك يجثو على ركبة واحدة، والدم يتدفق من كتفه.
حاول التحرك لمساعدته، لكن ظلاً ثالثاً سدّ طريقه. هذا لم يكن مندفعاً كرفيقيه؛ عيناه كانت تترقبان حركة أصابع آرِن على مقابض السيوف، وحركته كانت هادئة، كأنه يزن خطواته بميزان. التقت النصال بصوت معدني حاد، ضربة بضربة. تراجع آرِن خطوة، ثم فاجأه الخصم بلكمة خاطفة من مقبض سيفه أصابت فكّه. ترنح آرِن، وطعم الدم المالح ملأ فمه وهو يسقط أرضاً.
اندفع الرجل لينهي الأمر بنصل هابط، لكن آرِن، مستخدماً زخم سقوطه، انقلب على ظهره وسحب خنجر الحذاء المخفي، غارساً إياه بكل قوته في فخذ المهاجم. صرخ الرجل متراجعاً، واستغل آرِن تلك الثانية لينهض متكئاً على سيفه، ويدور حول خصمه المترنح ليغرس نصله القصير في ظهره، مستهدفاً الفراغ بين الدروع.
هل تعلم أن قراءتك في موقع سارق تقتل شغف المترجم؟ اقرأ فقط على مَجَرّة الرِّوَايـ.ات.
تنفسه كان متلاحقاً، وصدره يعلو ويهبط بعنف. تلمس خاصرته اليسرى حيث انشق قميصه عن جرح طويل ينزف ببطء، والألم الحارق بدأ يوقظ حواسه بالكامل.
على الطرف الآخر من الطريق، كانت سيرين تطلق سهامها بدقة قاتلة، تحصد كل من يحاول الاقتراب من العربتين. أما داريوس، فكان يخوض قتالاً طاحناً ضد قائد العصابة؛ رجل ملثم يلوّح بسيفين منحنيين. كان الحديد يصطدم بالحديد في سيمفونية وحشية، حتى استغل داريوس ثغرة صغيرة، وبضربة هابطة من سيفه الثقيل شق صدر الملثم نصفين.
مع سقوط قائدهم، تراجع بقية قطاع الطرق نحو الممرات الجبلية العليا، تاركين وراءهم جثث رفاقهم وأنيناً خافتاً بدأ يتبدد في الهواء الجاف.
اتكأ آرِن على الصخرة، يضغط على جرحه بخرقة قماشية، بينما دنا منه بروك وهو يربط كتفه المصاب، وعلى وجهه ابتسامة شاحبة:
– “كنت أظن أنك فقدت رشاقتك في البلدة الأخيرة… لكنك ما زلت سريعاً أيها الصغير.”
بصق آرِن الدم من فمه، وقال بصوت خافت: “لا تستهن بي مجدداً يا بروك.”
اقترب داريوس، يمسح سيفه العريض بملابس أحد القتلى، ونظر إلى جرح آرِن بنظرة خبيرة قبل أن يطلق ضحكة خشنة:
– “إذا أردت الاستمرار معنا في رماح الفجر، فعليك الاعتياد على تذوق دمك. هذه ليست ساحات التدريب التي يرتادها أبناء المترفين يا آرِن… هذا هو الطريق.”.
لكن داخل آرِن، لم يكن الأمر مجرد انتصار… كان إحساسًا غريبًا يتصاعد فيه، خليطٌ من الألم والنشوة، ورغبة أكبر في أن يصبح أقوى، لأن هذه المواجهة أثبتت له أن الموت يقترب دائمًا من الضعفاء.
بينما كانت القافلة تستأنف طريقها، رفع آرِن نظره إلى الأفق، والسماء بدأت تتحول إلى لون الدم عند الغروب. كان يعلم أن الأيام القادمة ستكون أكثر دموية… وأكثر تحديًا.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل