تجاوز إلى المحتوى
سيد العيون

الفصل 25 : عين الفجر

مع بزوغ الفجر، ارتجّ معسكر المرتزقة بحركة غير معتادة. دقّت الطبول الخفيفة نغمة الرحيل، والوجوه التي اعتادت المزاح والضحك بدت هذه المرة متجهمة. كان الجميع يعرف أن مهمة اليوم مختلفة: أول مهمة كبيرة منذ شهور، والعدو ليس مجرد قطاع طرق تافهين، بل عصابة محترفة تسيطر على طرق الإمداد نحو الشمال.

وسط هذا التوتر، جاء القرار المفاجئ من قائد رماح الفجر:”آرِن فلدار… ستكون قائد فرقة الاستطلاع.

“تردّد همس بين الجنود.”ذلك الفتى؟”

“إنه لا يقاتل بوحش سحري، كيف…؟”

لكن آخرين ردوا:”إنه لم يخسر مهمة من قبل.”

“ربما نحن نحتاج عينه أكثر من سيفه.”

خرج آرِن برفقة خمسة رجال فقط، مهمتهم التقدم قبل الكتيبة الرئيسية، كشف الكمائن، وفتح الطريق.

لم يكن اختيار القائد وليد الصدفة؛ فالجميع لاحظ أن آرِن يعرف دائمًا أين يختبئ العدو، وأين تمر الرياح قبل أن تهب.

في تلك اللحظة، ارتفع خفق جناحين من فوقهم. نظر الجنود إلى الأعلى ورأوا الصقر الرمادي يحلّق بخطوط متماوجة في السماء.ابتسم أحدهم، وقال:”ها هو طائر الصبي يسبقنا دائمًا.

انقبضت حدقتا آرِن، وتلاشت أصوات خطوات رفاقه وحفيف الغابة من حوله ليحلّ محلها صفير الرياح العاتية. انحنى الأفق أمامه، وتقلصت الأشجار العملاقة لتصبح مجرد بساط أخضر منبسط. من هذا الارتفاع الشاهق، لم يعد يرى العالم بعينين بشريتين؛ بل رأى ارتعاش ورقة شجر على بعد مئة ياردة، ولمح لمعان الفولاذ البارد بين الشجيرات الكثيفة.

في الوادي الضيق، تجمدت حركة آرِن فجأة. رفع كفه ببطء، فتسمر الرجال خلفه غريزيًا. غامت عيناه بهالة ذهبية شاحبة، وانعكس بؤبؤاه بشكل مستدق كعين جارحة.

همس بصوت جاف كالحصى: “يساراً، خلف الصخرة الطحلبية… ثلاثة نِصال موجهة. وأعلى الجرف، قناص يضبط وتره.”

أشار أحد الجنود بيده متسائلاً، لكنه تراجع حين رأى قطرة عرق باردة تسيل على صدغ آرِن المتشنج. تقدموا بحذر، ليعثروا خلف الصخور على فخاخ من خيوط الحرير المشدودة وسهام غُمست رؤوسها في سم أسود لزج. نظر الرجال إلى الفتى بنظرات جديدة، خليط من الهيبة والوجل؛ لم يكن بحاجة لرؤية الفجر ليقودهم، بل كان يرسم الفجر بيده وسط الظلام. ومنذ ذلك اليوم، ولد لقبه في صمت الوادي: “عين الفجر”.

كلما توغلوا في الغابة، كان آرِن يختار لحظات السكون؛ يغرس قدميه في التراب، ويطبق كفيه على صدغيه، تاركاً العالم المادي يتلاشى تحت وطأة التدفق البصري القادم من الأعالي. في تلك اللحظات، كان الصداع ينهش رأسه كخناجر خفية، لكنه يثبت جسده كتمثالٍ صخري. وحين كان ركان ينهي تحليقه ويهبط على ذراعه، كان آرِن يميل برأسه في انسجامٍ غريزي، تماماً كما يلتفت الطائر، وتتحرك مخالبه فوق ذراعه بتناغمٍ يذيب الحدود بين الفتى والجارح، حتى ليخيل للناظر أنهما جسدٌ واحدٌ بروحين.

في الليلة الأخيرة، وتحت ضوء القمر الذي فضّض ريش الصقر، مدّ آرِن يده ببطء. لمس ريش ركان، فشعر بنبضات قلب الطائر السريعة تتردد داخل صدره هو، كأن نبضهما توحد. همس في سكون الليل: “أنت سمائي… وحيثما تحلّق، انا أرتفع.””

التالي
25/30 83.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.