الفصل 30 : الخوف الذي يعلو الرايات
تحت شمس رودفال الحارقة، كان القصر الملكي يربض فوق ربوته العالية كأنه جبل من الحجر الأسود، يلقي بظلاله الثقيلة على الأسواق الشعبية المتكدسة أسفله. هناك، حيث يمتزج غبار الحوافر برائحة التوابل، كان التجار يتحدثون بهمس خاضع عن “الوحوش المتعاقدة” التي تحرس قوافل الأمير؛ ذئاب صخرية تلمع عيونها ببريق أصفر، ونسور ملتهبة تترك أثراً من الرماد خلفها. وفي المقابل، كان المرتزقة في الحانات يتناقلون بهيبة اسم “رماح الفجر” وقائدهم المهيب الذي يتبعه “الماموث الصخري” الضخم، كرمز للقوة التي لا تُقهر في عالم المرتزقة.
لكن خلف هذا الاستعراض الذي يملأ القلوب رعباً، كانت هناك حقيقة يدركها النبلاء في الإمبراطوريات الكبرى ويجهلها أهل رودفال: كل هذه المخلوقات—سواء ذئاب القصر أو حتى ماموث قائد رماح الفجر—لم تكن سوى وحوش من الرتبة الأولى والدنيا. طاقة “المانا” في عروقها ضئيلة، وحركاتها بدائية تخلو من أي “رنين روحي” أو ذكاء قتالي حقيقي. روابطها مع مروضيها لم تكن تتعدى الطاعة الأساسية الناتجة عن الخوف أو الجوع. ومع ذلك، في هذه البقعة النائية من العالم، كانت هذه الوحوش المتواضعة كافية لتبسط الهيبة، ليرفع الملك إدريان رأسه فخوراً بعرشٍ يظنه غير قابل للمس، محتقراً المرتزقة الذين يراهم مجرد أدوات رخيصة.
لكن في الظل، كان آرِن يرسم مسارًا آخر. لم يكن يحتاج إلى مواجهة مباشرة ولا إلى رفع سيفه ضد القصر. كان يعرف أن الخوف أقوى من الحديد، وأن السمعة أثقل من التاج.
في كهف رطب بين التلال الوعرة المحيطة برودفال، كان ضوء شمعة وحيدة يتراقص على الوجوه الخشنة لزعماء قطاع الطرق. الهواء كان ثقيلاً برائحة العرق والحديد الصدئ. عند نهاية الطاولة الخشبية المتداعية، جلس آرِن. لم يكن يرتدي درعاً، ولم يكن يشهر نِصلاً، بل كان يسند ذقنه على يديه المتشابكتين، وعيناه الرماديتان الهادئتان ببرود مميت تطوفان على الحاضرين.
أحد الزعماء، رجل ضخم ذو ندبة تشق خده، ضرب الطاولة بقبضته قائلاً بنبرة متوترة: “الهجوم على قوافل الأمير؟ هذا انتحار! إنهم يملكون ذئاباً صخرية تمزق اللحم بضربة واحدة، ونسوراً تحرق الأخضر واليابس!”
لم يرف لآرِن جفن. مال برأسه قليلاً إلى الأمام، وتلاقت عيناه بعيني الرجل الضخم. ساد صمت مفاجئ في الكهف، صمت ثقيل لدرجة أن صوت قطرات الماء الساقطة من السقف صار كقرع الطبول. ابتلع الرجل الضخم ريقه، وتراجع خطوة للخلف وهو يمسح عرقاً بارداً ظهر فجأة على جبينه. لقد شعر، دون كلمة واحدة، أن حياته معلقة بخيط رفيع يمسكه هذا الفتى ذو الخمسة عشر عاماً.
“الأمير يملك الذهب الذي يشتري به وحوشاً ليخيفكم بها…” قال آرِن، وصوته الهادئ يحمل رنيناً غريباً جعل الجميع ينصتون برعب، “… لكن ‘عين الفجر’ يملك الطرق التي تسلكونها، والعيون التي تراقبكم في عتمة الليل. الأمير قد يقتلكم إن قبض عليكم، لكنني سأنهي وجودكم قبل أن تخطوا خطوة واحدة خارج هذا الكهف إن عصيتم أمري.”
أحنى اللصوص رؤوسهم خضوعاً. همس أحدهم بإنهاك لرفيقه: “الأمير يملك الذهب… لكن عين الفجر يملك أنفاسنا.”
لم يكن بوسع هؤلاء الخارجين عن القانون شراء وحوش متعاقدة، ولا دفع ثمن حماية القصر، فصاروا طوع بنان آرِن. وبسبب الرعب الذي زرعه في قلوبهم، بدأوا يتجرأون على ما لم يجرؤ عليه أحد من قبل: قوافل القصر نفسه.
في عمق الليل، تحت ظلال أشجار البلوط المتشابكة على طريق القوافل، ساد صمت مريب. فجأة، أطلقت الذئاب الصخرية التابعة للحرس الملكي عواءً خائفاً، وتراجعت إلى الخلف وهي تلصق ذيولها ببطونها—لم يكن هناك وحش ضخم يهددها، بل كان خوفاً غريزياً من مجهول لا تدركه حواسها البدائية الضعيفة.
*خفقة سهم واحدة.*
اخترق نصل حديدي عنق الحارس الطليعي دون أن يصدر صوتاً. سقط جسده على العشب الثقيل بالندى. استل بقية الجنود سيوفهم، وتلفتوا يمنة ويسرة بوجوه شاحبة، لكن الغابة بقيت ساكنة. لم تندفع نحوهم جحافل اللصوص، ولم تُمس صناديق الحرير والذهب المحملة على العربات. أكملت القافلة مسيرتها، لكن الحراس كانوا يرتجفون مع كل ورقة شجر تتحرك، يجرون خلفهم توابيت صمتهم وخوفهم.
تكرر الأمر في الليلة التالية، ثم التي تليها.
وفي حانات رودفال الصاخبة، بدأت الهمسات تحل محل الضحكات. مرر تاجر قماش كأسه بامتناع إلى رفيقه وقال بصوت خافت: “لم يسرقوا حبة قمح واحدة… لقد تركوا جثة قائد الحرس معلقة فوق العربة وبجانبها ريشة غراب سوداء. الأمير لم يعد يحمي أحداً.”
المترجم سيتوقف عن العمل إذا استمرت السرقة، ادعمه بالقراءة عبر مَجَرَّة الـروايَات فقط. galaxynovels.com
رد الآخر وهو ينظر حوله بحذر: “القطاع لا يخشون سياط الملك، لكنهم يرتعدون إن ذُكر اسم ‘عين الفجر’. يقال إن له جواسيس وعيون في كل مكان.”
لم يكن أحد من المرتزقة في فرقة “رماح الفجر” يدرك كيف يملك آرِن هذه العيون في كل مكان؛ بالنسبة لهم، كان مجرد عبقري استراتيجي يحلل آثار الأقدام والرياح. لكن في عتمة الليل، كان آرِن يمد يده في الظلام ليستقر عليها ركان، يداعب ريشه برفق بينما تتدفق صور مسارات القوافل وحركات الحراس مباشرة إلى عقله عبر رابطته السرية الخفية.
—
على ربوة صخرية شاهقة تشرف على بوابات رودفال، كان الهواء البارد يداعب خصلات شعر آرِن السوداء. وقف جيدن خلفه كتمثال من البرونز، يده مستقرة على مقبض سيفه العريض، بينما كان ركان يحلق في السماء كبقعة داكنة تبتلع الضوء.
نظر آرِن إلى الأسفل، حيث كانت قافلة ملكية جديدة تدخل المدينة متعثرة، يحيط بها ذعر غير مرئي. ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة وقاسية:
“الحديد يصدأ، والذهب يفنى يا جيدن… لكن الخوف؟ الخوف ينمو في الظلام كالعفن. اليوم، حين ينظر التجار إلى راية الأمير، لا يرون قوة العرش… بل يتساءلون متى سيسقط السهم القادم.”
سكت فجأة. انقبضت عضلات صدره بغتة، وشعر بوخزة مألوفة وباردة في ممرات المانا الخاصة به. وضع يده على موضع قلبه؛ كان ذلك أثر السم القديم الذي أضعف ممرات المانا الخاصة به. في تلك اللحظة، لم يرَ أمامه قصر رودفال الصغير المتواضع، بل تمثل في ذهنه قصر “فلدار” الشاهق، حيث ترقد وحوش من الرتب العظمى تزلزل الأرض بزمجرتها.
هذه الوحوش الهزيلة هنا في رودفال، وهذا الأمير الصغير، لم يكونوا سوى دمى في مسرحية رخيصة مقارنة بالوحوش الحقيقية التي تنتظره هناك.
ضغط بأصابعه على صدره بقوة، وتمتم بصوت أشبه بفحيح الأفعى:
“هذا القصر الطيني مجرد رقعة شطرنج صغيرة أتسلى بها… عيناي لم تغادرا قصر فلدار قط.”
—
مع حلول نهاية الشهر، كانت مكاتب رماح الفجر تغص بالتجار الذين يحملون أكياس الذهب، يطالبون بوضع ختم “عين الفجر” على بضائعهم بدلاً من ختم القصر الملكي.
وهكذا، ببطء وبخطوات غير مسموعة، كان فتى في الخامسة عشرة من عمره ينسج خيوط عنكبوت خفية حول عنق المدينة بأكملها. لم يرفع سيفاً في وجه الملك، ولم يقتحم الأسوار، لكنه جعل التاج الملكي يبدو ثقيلاً ومهتزاً فوق رأس صاحبه، تحت وطأة خوف لا يرحم، وعقل لا ينسى..
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل