تجاوز إلى المحتوى
سيد العيون

الفصل 29 : ولادة الظل

خلف التلال الصخرية المحيطة برودفال، لم يعد قطاع الطرق ينامون ملء جفونهم. كلما حركت الريح غصناً جافاً، أو نعب غراب على قمة جرف، تيبست الأيدي على مقابض الخناجر. سرت في مجالسهم الليلية همسات مرعوبة عن “عين” تحلق في السماء ولا تنام، وبات الرجال يلتفتون إلى ظلالهم قبل أن يجرؤوا على قطع طريق قافلة.

داخل الخيمة، كانت ريشة آرِن المغمسة بالحبر الأسود تتحرك بصرامة فوق خريطة جلدية مفروشة. لم تكن الخطوط تشير إلى مسارات التجارة فحسب، بل كانت تلتف كالأشواك حول تلال “الخسوف” ومغارات الملح حيث يختبئ اللصوص. خطّ علامة حمراء صغيرة عند ممر ضيق، وتمتم وعيناه تعكسان ضوء الشمعة الراقص:

“حماية القوافل مجرد دفاع… والسيطرة على التهديد هي الهجوم الحقيقي.”

لكن رقعة الشطرنج هذه تطلبت بيدقاً بمواصفات خاصة؛ ظلاً يتحرك في رماح الفجر دون أن يثير الشبهات. انحرفت عين آرِن نحو زاوية الخريطة حيث يستقر ريش غراب أسود. تذكر جيدن. طوال أسابيع، كانت عينا “ركان” ترقبان ذلك الشاب ذو السيف العريض من أعالي السماء؛ لم يكن الأسرع في حلبة التدريب، ولا الأقوى في المعارك، لكنه كان الوحيد الذي لم تمل عيناه نحو غنائم القوافل، والوحيد الذي بقي سيفه مغموداً حين همّ رفاقه بسلب قروي أعزل.

ارتطمت صرة جلدية ثقيلة بالطاولة الخشبية، مطلقةً رنيناً معدنياً مكتوماً سال منها فضة وذهب.

نظر جيدن إلى المال، ثم ارتفع بصره ببطء نحو ملامح الفتى الجالس أمامه؛ ملامح فتى لا تزال تحمل براءة الشباب، لكن عينيه الرماديتين كانتا تحملان ثقلاً يفوق سنوات عمره.

قال آرِن، وصوته ينساب ببرود وهدوء:

“هذا ثمن وحشك المتعاقد. لكنه ليس هبة، بل قيد. من اليوم، لا تتحرك إلا بإشارتي، حتى لو وقفت الفرقة بأكملها في وجهي.”

تجمدت ملامح جيدن. نظر إلى الصرة الثقيلة، ثم إلى العينين الرماديتين اللتين لا ترمشان أمامه. تراجع خطوة إلى الوراء، وهبط بثقل سيفه العريض على ركبة واحدة، محنياً رأسه:

“ولائي لك حتى الموت… سيدي.”

لم تتغير ملامح آرِن، لكنه أومأ إيماءة واحدة بطيئة، كمن يضع ختماً شمعياً على وثيقة مصيرية. في تلك الليلة، ولدت أولى خيوط الشبكة التي لا يعرف أحد عنها شيئاً سوى “عين الفجر”.

مع توالي الأسابيع، وتعمق جيدن في مهمته كظله الأول، ازداد آرِن إحكاماً لقبضته. بعد أشهر قليلة، شقّ آرِن وجيدن طريقهما عبر الممرات الوعرة نحو التلال الشرقية، حيث يربض وكر قطاع الطرق في عتمة الليل الكثيف. وسط المعسكر، كانت ألسنة اللهب تلتهم الحطب بفرقعة غاضبة، بينما تحلّقَ رجال غلاظ الملامح حول آرِن، تلمع عيونهم ببريق الجشع وتتحرك أصابعهم بتململ فوق مقابض خناجرهم، كذئاب تتحين سقطة فريستها.

لوّح زعيمهم بسيفه الثقيل، وانطلقت من حنجرته ضحكة جافة هزت أرجاء المكان:

“أرسلت رماح الفجر صبيًا؟ كنت أظنهم سيبعثون قائدًا، لا طفلاً!”

لم يتزحزح آرِن. جلس فوق صخرة ناتئة بجسد مرتخٍ وهيئة واثقة كأنه يعتلي عرشاً في قاعة ملكية. ارتفع بصره الرمادي وثبت على عيني الزعيم، دون أن تطرف له جفن. في تلك اللحظة، عبر ظل جناحي “ركان” الضخمين فوق لهب النار، ليلقي بظلاله الداكنة على وجوه الرجال الذين التفتوا فجأة نحو السماء الداكنة بنظرات قلقة، متوجسين من تلك الرقابة الصامتة.

تحدث آرِن بنبرة هادئة قطعت خشخشة النار:

“لو أردت موتكم… ما جلست بينكم الآن. كنت سأرسل رجالي لتذبحكم في مخادعكم، وأترك جثثكم معلقة لتأكلها الغربان على الطرقات. لكنني لم آتِ لذلك.”

تلاشت الضحكات تدريجياً حتى ماتت تماماً. انقبضت أسارير الزعيم وعقد حاجبيه متسائلاً:

“ثم؟”

مال آرِن بجسده إلى الأمام قليلاً، وانعكس لهيب النار الراقص في عينيه الرماديتين كشرارات متطايرة:

“لم آتِ لأقضي عليكم… بل لأمتلك الخوف الذي تزرعونه في قلوب الناس.”

ساد جمود مفاجئ، وبدت الأنفاس معلقة في الهواء. قبض بعض اللصوص على سيوفهم بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعهم، وتبادل آخرون نظرات حائرة يملؤها الارتباك. تابع آرِن بصوت بارد كجليد الشتاء:

“من اليوم… كفوا عن توهم الحرية. لن تهاجموا قافلة، ولن تنشروا ذعراً إلا بإشارة من أصابعي. أنا من يرسم الحدود، وأنا من يختار الوقت والهدف. أنتم تنفذون فحسب… وأنا من يقرر إن كنتم ستتنفسون غداً أم لا.”

اندفع أحد الرجال خطوة إلى الأمام، وصرخ بصوت حاول جعله جهوراً، لكن ارتعاش نبرته فضح ما في قلبه:

“ولماذا نطيعك؟”

نهض آرِن من مكانه ببطء شديد. تقدم خطوة واحدة نحو مركز الضوء، فامتد ظله بفعل النار ليغطي وجوههم جميعاً، بدا ظله عملاقاً يتجاوز سنوات عمره بكثير. همس بنبرة اخترقت صمت المكان:

“لأنكم إن رفضتم… فلن يمر أسبوع حتى تُمحى آثاركم من هذه التلال. رماح الفجر لا تتحرك إلا بكلمة مني، وأنا أراكم حتى في أعمق غياهب هذه الغابة. جربوا أن تختبئوا… وستجدون أن السماء ترقب أنفاسكم. من يجرؤ على عصيان عين الفجر… لن يعيش ليرى الشروق التالي.”

سرت قشعريرة باردة في أجساد الرجال. لم تكن الكلمات تخرج من حنجرة طفل، بل بدت كحكم نهائي صادر من قاضٍ يمسك بحبال مشانقهم. الزعيم الذي كانت ضحكته تملأ المكان قبل قليل، ابتلع ريقه بصعوبة، وأرخى قبضته عن سيفه وهو يسأل بنبرة خفيضة:

“وماذا نربح إن أطعناك؟”

ارتسمت على شفتي آرِن ابتسامة خاطفة، لكنها حملت من القسوة ما جعل الحضور يتراجعون خطوة. قال كلماته التي حُفرت في أذهانهم:

“لولا وجود اللصوص… لما دفع الناس أموالهم للمرتزقة. وجودكم هو مصدر قوتي… وقوتي هي درع نجاتكم. تحت لواء أمري ستغتنون وتأمنون، وضدي… ستموتون وتذرو الرياح رمادكم.”

طبق صمت خانق على المعسكر. لم ينطق أحد، ولم يجرؤ أعتى رجالهم على رفع عينه ليلتقي بنظراته. في تلك اللحظات، استقر في أعماقهم يقين جديد؛ لم يعودوا قطاع طرق أحرار، بل باتوا خيوطاً دقيقة في شبكة يغزلها فتى لم يكتمل نموه بعد، لكنه كان قد نحت لنفسه حضورًا طاغيًا يكسو ملامحه الشابة.

حين استدار آرِن مغادراً المعسكر وجيدن يتبعه بثبات، بقي الرجال في أماكنهم كمن أفاقوا لتوهم من كابوس مرعب، تائهين بين فخ أحكم إغلاقه وعهد جديد فُرض عليهم. لكن بريق الخوف في عيونهم كان حقيقياً… خوف لم يألفوه قط.

وفي عتمة الليل، بينما كان آرِن يطأ الأرض بخطى واثقة، تمتم لنفسه:

“اللصوص، المرتزقة، القوافل… كلهم أحجار على رقعتي. ومن الليلة، بدأت اللعبة.”

وفي الأعالي، واصل ركان تحليقه الصامت، شاهداً وموثقاً لولادة ظل جديد سيحكم رودفال…

التالي
29/30 96.7%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.