الفصل 39 : عيون التاجر
لفحت رطوبة البحر المالحة وجه آرِن، لكن بشرته لم تشعر ببرودتها؛ فقد بات الصقيع رفيقاً داخلياً لا يثير انتباه جسده المعتل منذ تجرع ذلك السم المجهول في طفولته. وقف أمام البوابات الشاهقة لمدينة غاروس، حيث نُحت شعار عائلة “إلزار”—موجة مائية ضخمة تلتف بقسوة فوق الحجر الرمادي—بينما وقف الحراس بدروعهم الجلدية المصبوغة بالأزرق البحري، لا يفتشون عن نصل خفي، بل يزنون بأعينهم الخبيرة ثقل الأكياس المعلقة على أحزمة الداخلين.
لم يكن آرِن يرتدي درع “رماح الفجر”؛ بل تخفى تحت عباءة صوفية فضفاضة بلون التراب، تخفي تحرجه من ملامسة النصال الحديدية التي لُفت مقابضها بجلد الوحوش السميك كعازلٍ يحميه من ارتدادها الصقيعي. راقب بصمت تاجراً يمرر ثلاث قطع فضية إلى كف الحارس، لتتحرك التروس الحديدية للبوابة دون سؤال واحد.
هنا، في غاروس، لم يكن الحديد هو ما يفتح الأبواب، بل الذهب الذي يذيب أقفال الحديد.
بعد ثلاثة أيام، وعلى الطريق الشرقي الموحل حيث تتداخل غابات الصنوبر مع المستنقعات المالحة، انقطع سكون الليل فجأة.
في الأعالي، أطلق الصقر “ركان” صيحة قصيرة منخفضة، ثم انحدر في لولبة حادة جهة اليمين قبل أن يعاود الصعود. لم تكن هذه مجرد حركة عشوائية، بل إشارة فيزيائية حفظها آرِن عن ظهر قلب طوال سنوات تدريبهما؛ حركة تعني وجود حركة غريبة في المحيط.
أوقف آرِن جواده ببطء. أرهف سمعه مستغلاً سكون الريح، فالتقطت أذناه المدربتان صوتاً خافتاً لم يلحظه رجاله: حفيف احتكاك أقمشة خشنة بجذوع الشجر الرطبة، وصوت حوافر تضغط على الطين اللزج على بعد مئة خطوة إلى الأمام، حيث تنعطف الطريق خلف تلة صخرية.
لم يمد آرِن يده إلى حزامه. وبدلاً من ذلك، أطلق نقرة قصيرة بلسانه، صوتاً خافتاً يماثل نداء طيور المستنقعات الليلية.
من عتمة الشجيرات، انسلّ رجاله الثلاثة المخلصون. بلا دروع لامعة، وبلا رايات تُرفع. مجرد رجال أشداء بملابس رثة، يقبضون على سيوف قصيرة مصقولة بعناية، متخذين مواقعهم خلف الجذوع العريضة بنعومة الأفاعي.
وما هي إلا لحظات حتى انطلق صدى حاد لـوتر قوسٍ مشدود من بين الأشجار، مستهدفاً عربة تجارية تقدمت المنعطف. وقبل أن يدرك المهاجمون ما يحدث، انقض رجال آرِن من خلفهم.
لم يملك المهاجم الأول وقتاً للصراخ حين انزلق نصلٌ بارد تحت فكه بحركة صامتة ومحترفة، بينما سقط الثاني متأوهاً بعد أن هشم كعب حذاء ثقيل ركبته في الطين. تراجع الثلاثة الباقون مذعورين، وتلاقت أعينهم مع الشاب الذي تقدم بنبرة هادئة وسط الظلام، يداه مخفيتان بالكامل داخل كمي عباءته الواسعة.
لم يكن يحمل ملامح محارب، لكن برود عينيه خلف خصلات شعره المنسدلة جعل قائد اللصوص يتردد، ويده الممسكة بالفأس ترتجف.
“دورية فرسان إلزار تقترب،” قال آرِن بنبرة هادئة وباردة جعلت قائد اللصوص يتراجع خطوة. “وهم على بُعد مسافة قصيرة من هنا. والجميع يعلم أن الفرسان لا يرحمون أي لص يسرق في مناطق نفوذهم ويأخذ أرباحهم.”
لم يهددهم بقوة سحرية لا يملكها، بل قدم لهم حساباً رياضياً بسيطاً للموت. نظر القائد إلى جثتَي رجليه في الطين، ثم إلى الرجال الثلاثة الصامتين الذين تقطر ملابسهم دماً، وبإشارة سريعة من يده، تراجع ما تبقى من رجاله واختفوا في عتمة الغابة.
من تحت العربة الأولى، زحف صاحب القافلة—رجل سمين يرتدي حريراً ملوثاً بالوحل، يمسك بدفتر حساباته النحاسي كأنه درع يحمي صدره. كان يتنفس بصعوبة وعيناه متسعتان من الرعب.
“كانوا… كانوا سيأخذون كل شيء،” تمتم الرجل وهو ينظر إلى الجثث، ثم إلى آرِن بذهول. “من أنت يا سيدي؟ هل أنت من فرسان المدينة؟”
خطا آرِن نحوه، ومد يده ليساعده على النهوض. كانت كفه جافة، صلبة، وخالية تماماً من حرارة الجسد البشري، لكن ابتسامته كانت دافئة ومطمئنة.
“مجرد عابر يفضل الطرق الآمنة لبضاعته،” قال آرِن وهو يساعد الرجل على الوقوف ببرود هادئ. “اسمي آرِن. أعمل في تجارة الأخشاب والحبوب… منذ صغري، رافقتنا المرتزقه في قوافلنا التجارية فتعلمت منهم شيئا او اثنين عن تأمين طرقها في هذه المسالك الوعرة، وهذا ما كشف لي عن خبايا الطرق أثناء عملي. لهذا، تعلمتُ أنني لا أستطيع إجراء صفقات مع تجار أموات. تشرفت ببقائك على قيد الحياة يا سيدي.”.”
تلاشت علامات الخوف من وجه الرجل، وحلت محلها نظرة فاحصة وذكية. “تاجر؟ وحراس بمثل هذا الصمت والفتك؟ أنت لست عابراً عادياً يا سيد آرِن. أنا كورين، من نقابة تجار عائلة ‘إلمار’. إن كنت متجهاً إلى الميناء…”
“أنا كذلك،” قاطعه آرِن، وعيناه تعكسان الضوء البارد لخليج غاروس البعيد. “وأظن أن لدينا الكثير لنناقشه بشأن أسعار الأخشاب وحماية القوافل.”.
طوال شهرين كاملين، لم يتعجل آرِن خطوة واحدة. كان يتحرك في غاروس بنعومة الضباب؛ يقضي نهاراته في رصيف المرفأ يراقب رسو السفن وتفريغ الشحنات، ويجلس ليله في الحانات الرطبة حيث يسكر كتبة الجمارك وصغار السماسرة على حسابه، فيلتقط من أفواههم تفاصيل الضرائب غير المعلنة والثغرات التي يتسلل منها كبار التجار.
لم يفرط في استخدام الذهب، بل كان ينفقه بدقة؛ يدفع ثمن جرة نبيذ لكاتب مرتعش مقابل الاطلاع على دفاتر الحسابات القديمة، أو يقدم نصيحة لوجستية لصاحب قافلة تعطلت عربته في الوحل. شيئاً فشيئاً، بدأ التجار الصغار في السوق يبحثون عن هذا الشاب الهادئ ذا العباءة الترابية، مستشيرين إياه في مسارات الطرق وحساب الكلفة، واصفين إياه بـ “التاجر الشاب الذي يملك عقلاً كالميزان”.
في إحدى الليالي، أغلقت النافذة الخشبية لغرفته الصغيرة المطلة على الميناء لمنع تسلل رطوبة البحر. كانت الطاولة الخشبية أمامه قد امتلأت بقصاصات من الورق القديم، كُتبت عليها أسماء العائلات المؤثرة، ومواعيد تبديل حراس البوابات، ونقاط ضعف كل صفقة أخشاب تدخل المدينة.
وقف ركان على حافة الطاولة، ينفض قطرات الماء عن ريشه بعد جولة ليلية طويلة تفقد فيها الشوارع الخلفية للمدينة.
نظر آرِن إلى شبكة الأسماء والخطوط التي رسمها بيده طوال الأسابيع الماضية، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة تحمل ارتياحاً حذراً. همس لنفسه بصوت خافت:
“التسلل تم بنجاح… الخطوة الأولى اكتملت.”
ثم أغمض عينيه، مستمعاً إلى صوت ارتطام الأمواج بأسوار غاروس البعيدة، يعيد ترتيب قطع الشطرنج في عقله تمهيداً للخطوة القادمة.

تعليقات الفصل