الفصل 38 : ظلال فلدر وذهب غاروس
في أعماق قصر فالدار، حيث لا تزال الأبراج الحجرية تطاول السحاب بنصلها البارد، لم يعد الصمت الذي أعقب طرد آرِن مجرد غيابٍ عابر، بل تحول إلى هيبة عسكرية تطبق على الأنفاس مع نمو بقية الورثة وتعاظم نفوذهم.
على طول الممر الملكي المؤدي إلى قاعة العرش، كانت وقعات أقدام *لوكارد* تمزق السكون. لقد مرت سبع سنوات عجاف منذ أن وقف هنا في سن التاسعة عشرة يراقب طرد شقيقه الأصغر ذي الأحد عشر عاماً؛ والآن، في سن السادسة والعشرين، تلاشت ملامح الفتى الماكر تماماً، وحلّت محلها قسوة رجل نضجت عضلاته وتصلبت ملامحه الرمادية الباردة كأنها نُحتت من صخر الجبال. لم يعد يرتدي ذلك الدرع الفضي البسيط الذي تآمر به ذات ليلة؛ بل بات صدره العريض مغطى بصفائح فولاذية ثقيلة تبرز منها “عيون التنين” الذهبية—شعار فالدار—وقد حُفرت عليها ندوب معارك حقيقية خاضها على الحدود الشمالية لـ “لينتارا”.
وفي حدائق القصر المعلقة، كانت *ميرنا* تقف كتمثال من مرمر وسط الضباب الصباحي، تحيط بها “أفاعي الغسق المجنحة”—تلك المسوخ الحية التي نمت معها طوال سبع سنوات. لم تكن مجرد أوهام طيفية، بل كائنات ذات حراشف رمادية سميكة تقذف حمضاً عضوياً يغلي. كانت الأفاعي تنزلق في الهواء بحركات متموجة، تحركها خيوط مانا غير مرئية تربطها بوعاء ميرنا، بينما تتساقط قطرات من لعابها السام على الشرفات الحجرية، لتصدر فحيحاً حارقاً يأكل الصخر ويترك خلفه ثقوباً متفحمة. كانت عيناها تتبعان حركة وحوشها ببرود، كمن يتدرب على خنق فريسة غير مرئية في كل زاوية من زوايا القلعة.
أما في السرادق السفلي المخصص للتدريب، فكان الشقيق الآخر، *كايدن*، يجسد الوجه الأكثر دموية لمدرسة فالدار. كان يقف حاسر الصدر، ذراعه اليسرى مشقوقة بنصل خنجره، والدم القاني يتدفق بغزارة على الأرض الصخرية. أمام قدميه، كان وحشه “الكلب الفولاذي” ذو الفك المزدوج يلعق الدماء بنهم غريزي، ومع كل قطرة يبتلعها، كانت أشواك عظمية جديدة تنبت من ظهره وتتصلب كالدروع، بينما كان وجه كايدن يزداد شحوباً وبرودة، وعروقه السوداء تبرز تحت جلده كتكلفة فسيولوجية مباشرة لـ “تعميد الدم” الذي يربطه بالوحش.
كل وريث من دماء فالدار كان يبني جدار قوته باللحم والعظم والدم، يثبت جدارته بانتزاع أرواح الوحوش وإخضاعها… باستثناء زاوية واحدة مظلمة في قاعة التدريب، حيث لا يزال حامل السلاح القديم لآرِن معلقاً فارغاً، يغطيه الغبار كوصمة صامتة ترفض العائلة نطق اسمها.
في جانب آخر من القصر، حيث تفوح رائحة بخور عائلة “نيرال” الطيفي، لم تعد سيليانا تلك المرأة المنكسرة التي تختبئ خلف الستائر المنسدلة. وقفت بجسدٍ ممشوق استعاد كبرياءه القديم، وعيناها اللتان حملتا لسنوات انكسار الروح، باتتا تشعان ببريق بارد يشبه نصل سيف طيفي لم يُصقل بعد.
أمامها، ركع قائد حرسها الخاص، والغبار العالق على حواف درعه الجلدي يشي بأسابيع من السير المتواصل عبر التخوم الوعرة. انحنى الرجل حتى لامست جبهته الأرض الصخرية، وقال بصوت خفيض:
“سيدتي… تقفيت الأثر حتى انقطعت الخيوط عند تخوم رودفال الوعرة. ثمة همس يتردد في أزقة تلك البلدة الحدودية عن فتى يُدعى ‘عين الفجر’؛ يقود فرقة مرتزقة، ويتحرك ببرود أفعى وذكاء شيطان. لكن…”
تردد الحارس للحظة قبل أن يكمل بنبرة حذرة: “سجلات نقابة الصيادين هناك تؤكد أنه نشأ في وحل المعسكرات منذ طفولته، وجسده لا يحمل أي مسارات طاقة واضحة تربطه بالعائلات السبع. يبدو مجرد متشرد موهوب بالصدفة.”
لم تنطق سيليانا بكلمة. تشابكت أصابعها فوق حرير ثوبها الداكن بقوة جعلت مفاصلها تبيض، بينما لمعت في عينيها نيران خفية؛ نار امرأة من دماء “نيرال” ترفض أن تصدق الصدف، وتدرك أن ولدها الذي سُدت مسارات طاقته لن يترك أثراً يسهل على الكلاب تقفيه.
في تلك الأثناء، انشق صمت الجناح بصدى ضحكات طفولية قادمة من الساحة السفلية. كان ذلك *أوريان*، أصغر أبنائها، يركض خلف جرو “فهد الصخر” ذي الجلد المغطى بحراشف مدببة.
لقد مر عامان منذ أن وقف أوريان ذو الاثني عشر عاماً بثبات أمام مذبح الدم، واستدعى وحشه السحري الأول بنجاح تحت أنظار الدوق أليستر المبتهجة. كانت تلك الليلة التي تعالت فيها كؤوس النبلاء احتفالاً بالوريث الصغير، بمثابة خنجر بارد يُغرس ببطء في صدر سيليانا؛ فكل هتاف باسم أوريان كان يتردد في أذنيها كحكم إعدام معنوي على ابنها البكر المطرود، وتذكير دائم بأن القصر قد استبدل وعاء آرِن المحطم بوعاء جديد لم يتلوث بالخزي..
في أعلى قمة بالقصر، حيث الشرفة الحجرية الشاهقة تطل على أراضي “فلدار” الممتدة كجزء من مملكة “لينتارا” الواقعة داخل حدود القارة الوسطى “أرلين” كان الدوق أليستر فالدار يقف كجبلٍ صامت لا تهزه الرياح الباردة. لكن هدوء القمة كان يقطعه صوت أنفاس متهدجة قادمة من عتمة الغرفة الداخلية؛ حيث كان جيرارد—شقيقه الأصغر وأحد أعمام آرِن—يجلس جاثياً على ركبتيه، وقد قُيدت يداه بسلاسل من حديد “الرفض المعدني” البارد الذي يضغط على مسارات طاقته ويشلها، مرسلاً صدمات صقيعية متتالية جمدت تدفق المانا في عروقه.
كانت عظام كتفي جيرارد ترتجف تحت وطأة ضغط المانا الثقيل الذي ينبعث من جسد أليستر كأنه صخرة تهبط على صدره. لم يلتفت إليه الدوق، بل ظل يحدق في الأفق وهو يمسك بلفتين من الجلد المختوم، وقال بنبرة هادئة تحمل موتاً مؤجلاً:
“لقد مرت سبع سنوات يا جيرارد… سبع سنوات وأنا أراقب كيف تحركت قطع الشطرنج ليلة اختبار آرِن. كنت تظنني غافلاً عن حقيقة أنك من وجّه لوكارد؟”
شحب وجه جيرارد تماماً، وحاول رفع رأسه لكن السلاسل الباردة نهشت معصميه، وضغط الطاقة أجبره على الانحناء أكثر حتى كادت جبهته تلامس الأرض الصخرية. تمتم بصوت مرتعش يقطر رعباً:
“أليستر… لوكارد فعل ما كان يجب فعله… عدم قدرة آرِن على الاستدعاء كان سيجلب العار لعائلتنا…”
“آرِن كاد ان يقتل وهو في السابعة من عمره،” قاطعه أليستر بنبرة هادئة لكنها تحمل ثقلاً مرعباً جعل جدران الغرفة الحجرية تبدو كأنها تضيق. التفت ببطء، وعيناه الحادتان تخترقان عتمة الغرفة كشفرتين مصقولتين. “لوكارد كان حينها مجرد صبي أحمق يتدرب على إمساك السيف، ولم يكن يملك الدهاء، أو النفوذ، أو حتى المعرفة بوجود سمّ يزرعه في صدر شقيقه الأصغر. نعم، لقد استخدمتَ غيرة لوكارد لاحقاً ليدفع شقيقه إلى السقوط في اختبار الورثة ويضمن طرده، لكن اليد التي دست السم اثناء محاولة القتل وهو في السابعة… كانت يدك أنت يا جيرارد، بتوجيهٍ من كيانٍ آخر.. من يكون؟”
اقترب أليستر خطوة واحدة، فهبط ضغط طاقته كالجبل على كاهل شقيقه الجاثي، مما جعل جيرارد يطلق أنة مكتومة والدموع تسيل من عينه بفعل الضغط العصبي. صرخ جيرارد بصوت متهدج باحثاً عن مخرج:
“أقسم لك يا أليستر! لم أكن أعرف هويتهم! لم يكونوا من عائلات لينتارا السبعة… كانوا بقوة مرعبة لم أشهد لها مثيلاً قط في حياتي! مجرد حضورهم جعل مسارات طاقاتي تتجمد رعباً… جاؤوا في غسق الليل كظلال بلا وجوه، وعرضوا عليّ صفقة.”
صلِّ على النبي ﷺ.. مَجـ.ــ.رَّة الرِّوَايــ.ـات ترحب بكم في فصل جديد.
توقف جيرارد ليلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم تابع وعيناه متسعتان من هول الذكرى:
“دفعوا لنا كميات هائلة من بلورات الطاقة، ووعدونا بمساعدتنا على التخلص من بقية أبنائك والورثة، واحداً تلو الآخر، حتى تؤول سيادة عائلة فالدار بالكامل إلى فرعي ومجلس الشيوخ الخاضع لي… مقابل شيء واحد فقط: قتل الطفل آرِن بالدخان الأسود. لم نكن نظن أبداً أنه سينجو! كان من المفترض أن يتلاشى جسده في صمت دون ترك أي أثر!”
لم تتغير ملامح أليستر، بل ظل يرمقه بنظرة باردة خالية من أي شفقة. “إذن… بعت دماء فالدار لغرباء لا تملك الجرأة حتى على النظر في وجوههم، مقابل تاج من ورق.”
مرر أليستر إصبعه على حافة اللفة الجلدية الثانية التي تفوح منها رائحة رودفال، وتابع بنبرة هادئة تحمل صرامة الصخر:
“حين سُمّم آرِن علمت أنه غير قادر على الاستدعاء وهو في السابعة، كان بإمكاني أن أحميه وأدلله بين جدران هذا القصر كعاجزٍ يستجدي العطف، لكن دماء فالدار لا تنمو في مهادٍ من حرير. لقد تركتُه يواجه مصيره المظلم وحيداً؛ فإما أن يدفنه الصخر، وإما أن ينحت منه مخالبه الخاصة ويشق طريقه بقوته. والآن، ها هو يفعل. لكنني لن أسمح أبداً لجرذان الظل أن تتخذ من أبنائي بيادق في مؤامرة تُحاك داخل قلعتي. وبما أنك لا تعرف هويتهم… سأبقي على حياتك مؤقتاً في زنزانة الرفض المعدني، حتى يطرق هؤلاء الغرباء بابي بحثاً عن بقية صفقتهم.”
التفت أليستر وأشار لقائد ظله الواقف في العتمة، وألقى إليه باللفة الأولى الخاصة بحدود زافيرون:
“أرسل أمراً إلى لوكارد. عليه أن يترك العاصمة فوراً ويتوجه لقيادة الفيلق الثالث على الجبهة الجنوبية لـ ‘زافيرون’. أريد منه أن يغمس درعه الفضي في رماد البراكين، ويذيق ‘الغور العَظمي’ دماءً حقيقية تحت لهيب الشمس. لقد استخدمته يا جيرارد لضرب شقيقه في الممرات المظلمة، والآن سأرسله إلى طاحونة الموت الحقيقية ليتعلم كيف يكون قائداً حقيقياً… أو ليموت هناك إن كان ضعيفاً.”
ثم نظر أليستر إلى التقرير الثاني الذي يفصل تحركات آرِن—الذي غدا يُعرف بـ ‘عين الفجر’—نحو مدينة غاروس الساحلية. التقت عيناه بعيني شقيقه المذعور المنهار على الأرض، وهمس بصوت كفحيح الأفاعي:
“أما ابننا المطرود… فقد شق طريقه إلى غاروس. حقل الألغام الذي تتصادم فيه أمواج ‘إلزار’ بصخورنا. لنرى كيف لظلٍ رقيق مثله أن ينجو بين مطرقة لحمنا وسندان مياههم، وكيف ستنتهي تلك المؤامرة التي بدأتها أنت قبل سبع سنوات.”
أما على الجانب الآخر، وتحديداً عند الممرات الجبلية الوعرة المشرفة على خليج “غاروس”، كان آرِن يشد لجام جواده ليتوقف عند حافة الصخر.
هبت ريح بحرية محملة برطوبة مالحَة، تداعب خصلات شعره الداكنة التي تدلت على وجهه لتخفي بريق عينيه الحادين. ومنذ تلك الليلة البعيدة في طفولته التي تجرع فيها ذلك السم الأسود المجهول، لم يعد آرِن يشعر ببرودة المرتفعات كبقية البشر؛ كانت أطرافه تحمل دائماً خَدراً بارداً دفيناً، كأن جسده يمتص الصقيع من الهواء ويخزنه في عروقه الضيقة التي عجزت عن احتواء المانا التقليدية.
تحركت يده تلقائياً نحو حزامه ليتفقد خنجريه الحديديين اللذين خاض بهما معارك “رودفال”. وبمجرد أن تلامست بشرة أصابعه مع المعدن العاري للمقبض، سرت في ذراعه صدمة صقيعية عنيفة شلت مفاصل كفه للحظة، وجعلت عضلات ساعده ترتجف بعنف. تراجع آرِن خطوة، ونفث زفيراً تحول إلى بخار أبيض في الهواء، وهو يحدق بريبة في النصلين؛ لقد لاحظ مؤخراً أن الحديد العادي يفقد حدته بسرعة مريبة بين يديه، وتظهر على سطحه بقع داكنة تشبه الصدأ السريع كلما طال إمساكه به.
“هذا الجسد المعتل يرفض حتى السلاح…” تمتم آرِن بصوت خافت لا يسمعه سوى الجبل، مرجعاً الأمر إلى الخلل القديم في وعائه السحري المصاب بالسم.
أخرج من جعبته لفافات من جلد الوحوش السميك، وراح يلف بها مقابض نصليه بدقة، صانعاً عازلاً يحمي كفه من ملامسة المعدن مباشرة ويمنع انتقال تلك البرودة الشالة. كان يعلم أن هذه النصال الحديدية باتت حلاً مؤقتاً لا يمكنه الاعتماد عليه في معارك طويلة، وأن عليه عاجلاً أم آجلاً البحث عن سلاح من نوع آخر لا يتأثر باعتلال جسده.
نزع آرِن درعه الجلدي الملطخ بدم فرسان التاج، وارتدى عباءة صوفية فضفاضة بلون التراب، تخفي تحت طياتها ملامح جسده الرياضي الحاد. لم يعد كاشفاً عن سيفيه، بل بدت هيئته كتاجر شاب يسعى وراء صفقات الموانئ، يحمل في جعبته أوراق اعتماد مزورة وصندوقاً صغيراً من الذهب الذي اقتطعه من جزية “رودفال”.
في السماء الرمادية لغاروس، انطلق صقره المخلص “ركان” بجناحيه القويين يبسطهما بثبات، محلقاً في دوائر واسعة فوق الأسوار الحجرية الشاهقة للمدينة الساحلية. ومن خلف خصلات شعره المنسدلة، أغمض آرِن عينيه جزئياً ليندمج وعيه بوعي صقره؛ فانفتحت أمامه تضاريس المدينة بدقة بالغة. رأى تبدل حراس البوابات عند تداخل الظلال، واكتشف حركة السفن المحملة بالبضائع في الميناء، ورصد الأبراج الحجرية الضخمة لعائلة “إلزار” المائية المطلة على البحر كوحوش رابضة.
ابتسم آرِن ابتسامة باردة، خالية من العاطفة، وهو يربط لجام حصانه من جديد استعداداً للهبوط نحو البوابة الشرقية. همس لنفسه بصوت كفحيح الريح:
“الحديد يفتح الثغرات في الأجساد… لكن الذهب يذيب الأقفال التي يحميها الحديد. غاروس لن تصمد طويلاً أمام خيوط من ذهب وعيون خفية.”
ثم دفع جواده إلى الأمام، متسللاً بنعومة الأفاعي نحو حقل الألغام المشترك بين عائلتي “فلدار” و”إلزار”، تاركاً خلفه ركام الماضي، ومستعداً لنسج شبكته العنكبوتية الجديدة….
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل